إن الخطاب الدعوي ينبغي أن يفسح له المجال؛ فهو خطاب شامل لكل جوانب الحياة بكل حراكها وجل زخمها، لا بد من تغيير ترتيب اهتمام المجتمعات الإسلامية بالخطاب الذي يعبر أصلًا عن آمالها، ويتحدث باسم الدين الذي جاء لإسعاد البشرية، وتحقيق عبادتها الخالصة لله عز وجل، دون الحاجة إلى اعتماد نظم وضعية لتحقيق تلك الأهداف المتطلعة إليها.

فالخطاب الدعوي بوصفه أي خطاب موجه إلى الأمة الإسلامية، سواء أكان مكتوبًا أم مقروءًا أم في شكل خطب ومحاضرات ومناظرات، يجب أن يكون هادفًا وشاملًا ووسطيًّا، يوازن بين الاعتدال والذوبان، فلا هو باللين الذين ينقطع، ولا بالناشف الذي ينكسر؛ فالقلوب تميل إلى الكلام اللين الذي يوصل الرسالة بطرق سهلة وجاذبة، وتنفر من الأسلوب الفظ الخشن، حتى وإن اتبعته ستكون مرغمة منكسرة ما تلبس أن تنقلب عند أول اختبار وتنتكس عند أو منعرج، ذاك أن الإكراه يولد الحنق ليس على المتحدث فحسب، بل على المنهج الذي يتبناه ويعتقد بأن الوسيلة الوحيدة لنشره هي الغلظة والقوة التي قد تكون ناعمة أحيانًا وقد تتحول إلى صراعات تهدر فيها دماء وتضيع فيها مقاصد عليا تنفر الناس وترغمهم على اختلاق مبررات بموجبها ينسلخون عن الدين ذاك أن العوام يتجادلون بعقلية تختلف عن العالم المتخصص.

إذ تغلب عاطفة الانتماء على الفهم العميق للنصوص، وإهمال الأدلة بشقيها؛ الكتاب والسنة، سيرًا خلف خطى القائل، واتباعًا للمتحدث الذي بدوره تبع هواه انتصارًا لحزبه ونكاية بمخالفه، وهذا الأمر أضحى بينًا للعيان؛ مما أدخل الأمة المسلمة في دوامة العنف، وانقسمت على ذاتها، وظهرت في بلدانها دعوات الغرب وخطابات السياسة والإعلام؛ فانفض أكثر الناس إليها لتنظيمها، واتزان رؤاها، واهتمام القائمين على أمرها بروح الفريق، والعمل على تقديم المادة التي تستهدف كل فئة في صميم اهتمامها، وهذا ما يفتقده الخطاب الديني بكل اتجاهاته الفكرية؛ فتكريس منابر الدعوة للطعن في المخالف، وشتم الآخر، هي نواقص تطعن في واجهة الدعوة التي الأجدر بها أن تكون سمحة، تستعطف القلوب، وتلم شعثها، وتهدئ اضطرابها في عالم بات قاسيًا، وفي زمن الناس في أشد الحاجة إلى من يحيي فيهم الأمل، ويوقظ فيهم مكامن الخلق الرفيع، التي بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- لإتمامها وإكمالها فقال: «إنما بعثت ﻷتمم مكارم الأخلاق»، وكذلك ليس مما يجب تسليط الضوء عليه، هو تعمد إهمال الخطاب الدعوي واقتصار دوره في خطب الجمعة المفرغة من مضامين القضايا المتعلقة بالمحيط، غير المواكبة للحياة، فما لم تكن الخطابات تتناول ما يحدث وتربطه بالمنهج الإسلامي لتبث في الناس روح الإسلام، وترمي بحجر في ماء اعتقادهم؛ لتحرك ركوضها ليعتزوا بدينهم، ويقدموا الأنموذج الأمثل للتخلق بحميد الأعمال وأصلحها التي تعد سر الدين وأساسه «الدين المعاملة».

إذا ما عملنا على إصلاح خطابنا، حتمًا سنبلغ المرحلة التي لا بد للمسلم من السعي إليها في كل حياته؛ لإيصال الرسالة الإسلامية خالية من كل شوائب الانتماء الضيق، والانزواء والانكفاء على فكرة حزب أو طائفة أو مذهب؛ فمن يدخل الإسلام لا يعجب بنجاح حزب أو طائفة، بل بما يظهر من عظيم خلق، ومن حسن معاملة، ومن سلامة منهج؛ فلنجعل منهجنا لا إله إلا الله، ومذهبنا محمد رسول الله، حتى لا نطيل من أمد تشويه الرسالة الطاهرة، ونخدم أعدائها من حيث لا ندري، ولنلجأ إلى الحوار الإسلامي المستند إلى منطق وحق قوله -صلى الله عليه وسلم- «الحكمة ضالة المؤمن، فحيثما وجدها فهو أحق بها»، ولنتخلى عن توافه الغايات ودنيء الأغراض، ووضيع الأهداف، فطالما أن مقاصدنا هو الارتقاء بخطابنا أسلوبًا ووسيلة، فلا يسعنا سوى العمل وتضافر الجهود لإرجاع الأمة إلى وحدتها وقوتها، إرضاء للخالق، وتلبية لواجب المسلم تجاه العالم بأسره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد