في جنبات العالم الحر، العالم في العصر الواحد والعشرين، في زمن العولمة والحداثة والتكنولوجيا والتقدم والتنمية، الفرق مابين إرهابي وإرهابي قطعة ورق تسمى الصك، صك الدولة من الممكن لمن يمتلكها أن يقوم بأبشع المجازر، بل وهذا الصك يحميه ويدافع عنه، وتجد قيم الديمقراطية والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية وحق تقرير المصير مكفولة للجميع في أروقة الأمم المتحدة ومجلس اﻷمن، واللذان أنشآ بالأصل لحل الخلافات بين الدول بديلًا عن الحروب والضحايا الذي يقدر عددهم بالملايين ليس لهم أي ذنب سوى بأنهم كانوا بين شقي الرحى في هذه الحروب والصراعات التي لا قبل لهم فيها.

ولكن هناك بعض من الدول يستطيع أن يكون عضوًا فوق العادة بهذه المؤسسات ويتمتع بحق النقض (الفيتو) في حين أن بعض الدول الأخرى لا يمكنها الحصول على حقها حتى لو كان محل إجماع ديمقراطي بين الدول المختلفة، ﻷنهم أنشئوا بالأساس بعد الحرب العالمية الثانية، لكي يحلوا المشاكل والصراعات بين تلك القوى العظمى المتحكمة في كل شيء، وليس لحل مشاكل العالم، ولذلك فيجب عليهم أن يمتلكوا صكوك السيادة بأيديهم ويمنحونها لمن أرادوا.

وبسهولة يسحبون صك سيادة من جهة لأخرى هكذا بهذه البساطة، بل على العكس من الممكن أن يخالف كل قوانين وإجراءات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ويدخل في حرب ويخلق ضحايا بالملايين لكي يمنح الصك لأحد يريد أن يمنحه إياه، ومن ثم تقوم كل الدول والأمم المتحدة ومجلس الأمن الذين تم مخالفة قراراتهم يكونوا أول من يمنحوا شرعية هذا الصك لتستخدمها تلك الدول العظمى كهبة تعطيها من تشاء وتنزعها ممن تشاء.

بل من الممكن للدول الكبرى أن تنشئ مجموعات متطرفة وتدعمها وتعززها وتغض الطرف عن تمويلها بالعتاد واﻷموال والبشر، في أوقات يكون فيها من الصعوبة بشيء أن تمر حتى النملة من حدود دولة لأخرى فتجد تحولًا جذريًّا وتجد مجموعات متطرفة تحشد أتباعها من العالم كله في حالة من غض الطرف عنها ومن ثم يستخدمونها كظواهر تغير بها المشهد العالمي.

هذه الجاهلية كجاهلية حق تحقيق المصير الذي أنشئ لكي تقرر بعض الأمم مصيرها بينما بعضها الآخر لا يحق لها تحقيق مصيرها، جاهلية المجاعات التي تجتاح دول العالم الثالث الفقير، هل يتخيل بأننا في عصر الواحد والعشرين وما زال العالم يعاني من أزمة في الغذاء لبعض الدول بينما بعضها الآخر من الممكن بسهولة أن تتخلص من زيادة محصولاتها الغذائية في المحيط لكي لا تسبب خللًا في السعر السوقي للمنتج فتنقص المنفعة الاقتصادية لهذه المنتجات، جاهلية كجاهلية إقامة حرب ضروس يروح ضحاياها الآلاف بسبب مطلوبين بالعشرات، دون أن أي اعتبار لأرواح هؤلاء الضحايا، أو حرب تنشأ من أجل مصالح اقتصادية واستحوذ اقتصادي، شبيهة بإقامة حرب ضروس في الجاهلية بين العرب من أجل ناقة أو دابة، فيتم إبادة من يباد فيها، وكلها كانت من أجل الموارد، فالجاهليات لم تتغير.

كل هذه المؤسسات والنهج الدولي الذي أوضحنا تناقضه تحمل قيمًا هامة وفعالة نحتاج لها ولكن ما نريده هو تفعيلها بحق، ولاتكون أداة لازدواجية المعايير، ولا نريد أن يفهم المتلقي بأن ما نشجبه هو القيم ذاتها ولكن نشجب كيفية التعامل معها.

وحتى وسائل التواصل الاجتماعي وأشهرها الفيس بوك كوسيلة للتواصل مع الآخر والشعوب المختلفة لن ينأى بنفسه عن أي أحداث كبرى في العالم ليخرج خارج الخلاف أو يتعاطف مع كل الأزمات في العالم على حدود متساوية تعزيزًا لقيم العدالة وإيمانًا بحرية الشعوب التي تنتهك في صراع لكي يتعاطف معاها ويعمل لها صورة تحمل علامة مائية ترمز لألوان قضية ما ورأى أنه يقصرها لدعم المثليين جنسيًّا ودعم فرنسا بعد حوادث باريس الأخيرة مع عزائنا للضحايا.

واﻷدهى واﻷمر عندما يقوم أحد بنشر رواية أخرى تعبر عن حقيقة أو خبر ما ولكن لا يدعم وجهة النظر الرسمية التي ابتغاها رؤساء دول العالم الكبرى بجعلها رسمية ﻷنهم فقط من يمنحون أيضًا صك الحقيقة الرسمية فبسهولة جدًّا تجد موقع فيسبوك يستطيع أن يحذف مستخدمين أو يرسل رسائل يوجه فيها المستخدمين بعدم نشر أخبار تعزز العنف أو أن المشاهد المعروضة بها مشاهد عنيفة وضحايا أو غير حقيقية، بالرغم من أن نشرات أخبار الدنيا كل يوم تعزز لقيم العنف والحروب التي أنشأتها الدول الكبرى وصور الضحايا لا تفارقنا في كل مشهد، ولكن هيهات فعنف عن عنف يختلف، وضحايا عن ضحايا يختلفون أيضًا.

أرى هذا المشهد من عالمنا الحالي في جاهلية للقرن الواحد والعشرين لا تختلف كثيرًا عن جاهليات أخرى أسميناها جاهليات بينما هي بالمقارنة بما نقوم به فهم متقدمون حداثيون عنا، فكفار قريش أنفسهم عندما تنشأ عندهم أزمة بين القبائل المختلفة، لم يخرج أحد منهم وقتها استحل لنفسه حقًّا يسمى بالفتيو لكي يقضي على قرارات كل القبائل المجتمعة في سبيل غطرسته وسطوته، ولم يخرج آخر يمتنع عن المشاركة في أعمال سقاية الحجاج أو إلغاء الاتفاقات التجارية إن لم تكن تلك القرارات لم تنتصر لقبيلته، بل كانت القبائل تتحاكم بديمقراطية حقيقة فعلية ويتحاكم الجميع بنتيجتها، هذه كانت جاهلية قريش وهذه جاهلية العالم في القرن الواحد والعشرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد