عندما يتحد صوت الشعب من جديد.. ليكون البطل الأوحد والوحيد

كنت في الثانوية عندما جمعتني الصدفة بكتب الراحل «مالك بن نبي» رائد الفكر الجزائري، فكنت كالكفيف الذي قدر له أن يرى العالم بألوانه المختلفة لأول مرة، جعلني ذلك أرى التاريخ والحاضر والظواهر الاجتماعية والسياسية من زاوية جديدة، لأحللها بنفسي وأستخلص منها عبرًا دون الاستعانة بأي تخمينات جاهزة أنقلها عن الآخرين، فكانت بداية عهدي مع «الفكر والوعي»، وآمنت حينها أن البلاد التي أنجبت مثل هذا العبقري ذات يوم تستحق أن تنهض مرة أخرى، ورحت أنسج لي في مخيلتي حلم نهضة شاملا، يبدأ من عندنا ليشمل كل البلدان العربية والإسلامية، ويعلن لنا بداية حقبة جديدة نستعيد فيها أمجادنا التليدة، أو بالأحرى نبني فيها مجدنا الخاص، خاصة وأن ذلك قد تزامن مع بداية حركات الربيع العربي، فبقيت متابعًا دائمًا للساحة السياسية الوطنية والعربية، ناشطًا في صفوف الكشافة الإسلامية، داعمًا وموجودًا ضمن أي حراك قد يدفع بهذا البلد للأمام ككل شاب طموح يحب وطنه، مترقبًا طامعًا في شعاع نور يمكننا أن نلتف حوله لنجد المخرج سويًّا.

لم يدم حلمي طويلًا؛ فقد تتالت الصفعات في وجهي ووجه جل أبناء جيلي، لتجعلنا جثثًا على قيد الحياة، بلا روح، بلا أمل، فكانت البداية بيوميات واقعنا الذي ما فتئ يزداد سوءًا، إلى أخبار الثورات العربية التي فشلت وانهارت مخلفة وراءها أنهارًا من الدماء دون أن يكون للشعب نصيب مما أراده وخرج لأجله، وصولاً لاختطاف جماعة المافيا لجزائرنا الحبيبة لعهدة رابعة باسم رئيس مقعد غير قادر على الكلام حتى، فكانت هذه بمثابة الضربة القاضية التي جعلت الجميع يفقد الأمل في أي تغيير في أوضاع البلاد، واستمرت مسرحيات النظام الرخيصة وتواطؤ الإعلام الجبان طوال السنوات الخمس السابقة لكي يزيدنا وهنًا على وهن، ويقتل فينا كل شيء جميل، ويجعلنا نتخلى عن أحلامنا بكل يأس وقنوط، وتجعل الهجرة في أذهاننا ترتسم كأنها الحل السحري والوحيد، وبقي هذا الشعب العظيم صابرًا محتسبًا معاناته المريرة مع هذا النظام الذي تجاوز كل مستويات الفساد والسوء وعدم الكفاءة، وسار بالبلاد بثبات نحو الهاوية، وينهار اقتصادها بصورة ليس لها مثيل، وأكبر دليل على هذا الانهيار الكبير للعملة.

بحلول اليوم تكون قد مرت 30 سنة على إقرار دستور سنة 1989 الذي سمح بالتعددية الحزبية في الجزائر لأول مرة، وأعلن عن قيام جمهورية ثانية، جمهورية ديمقراطية لا يحكمها حزب واحد، ولا ينحصر مصيرها ومصير شعبها أجمع بقرار شخص واحد، بذهابه أو رحيله أو موته، أو هكذا كان يأمل الجزائريون. 30 سنة كاملة مرت دون أن يرى الجزائريون تعددية حقيقية، ولا حرية ولا ديمقراطية، ولا حتى عزة وكرامة كما ادعت شعارات السلطة، لست مخولًا صراحة لأتكلم عن دستور 89 ولا عن انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) 88 ولا عن العشرية السوداء لأنها أحداث لم أعشها إلا قصصا تروى وحكايات يرددها على مسامعنا الجيل السابق، لكنني اليوم حاضر هنا والآن لأروي شهادات جيلنا، ويمكنني على سبيل المثال أن أتحدث عن المظاهرات التي جابت كل أنحاء الوطن منذ أسبوع تقريبا، وكانت أعظمها يوم 22 فيفري (فبراير) 2019.

لقد اختلفت الآراء وتضاربت كثيرًا حول هذه المسيرات، بين من يراها موجهة ومدعومة من قبل أطراف مجهولة لخدمة مصالحها، وبين من يراها مجرد تعبير شعب عن غضبه دون وعي ولا هدف واضح، وستنتهي قريبًا حالما يفرغ هذا الأخير مكبوتاته التي طال عليها الزمن، وهناك من يجزم جزمًا قاطعًا أن هذه الأخيرة لن تحمل معها أي تغيير يذكر، وهناك بعيدا عن المشهد أولئك الخائفون من الانزلاقات الأمنية المحتملة، وعودة حالة الطوارئ، وتكرار سيناريو التسعينات، ولكن بالنسبة لي أنا الشاب الجزائري البسيط، أستطيع سرد رواية أخرى من قلب الحدث، من قلب المسيرة، من قلب الزوبعة، سأنقلها لكم بالصوت والصورة، وجرعات الأدرينالين.

في الليلة التي سبقت الثاني والعشرين من فيفري، كان الجميع مترقبًا حذرًا ينتظر بخوف هذا التاريخ، آملين في أن يمر بسلام، ليتنهدوا تنهيدة طويلة على عدم حدوث كارثة، وأكثر المتفائلين بالحدث لم يكونوا يتوقعون أن يتجاوز عدد المتظاهرين الألف، وشخصيًّا عندما رأيت كل تلك الاستعدادات الأمنية التي كانت في ساحة أول ماي قبيل الجمعة، سلمت بأن المظاهرات ستنتهي في خلال دقائق، سيفض الجمع بسهولة بالغة، وسنعود لبيوتنا حاملين خيبة أخرى، وكذلك كان شعوري حينما وقفت بعد صلاة الجمعة على بعد خطوات من الجدار الذي شكلته فرقة مكافحة الشغب لسد الطريق، لكن ما هي دقائق حتى بدأت الحشود بالتجمع، وبدأ الجميع بالهتاف «مسيرة سلمية»، وبعد ربع ساعة تقريبًا من الهتاف اضطرت الشرطة لإفساح المجال للمتظاهرين لعبور شارع «حسيبة بن بوعلي بالعاصمة» وتبدأ أكبر مسيرة في تاريخي أنا، وفي تاريخ جيلي الذي لا يعرف غيرها على الأرجح.

بقدر ما كنت غارقًا في الهتاف بين الجموع الغفيرة «لا للعهدة الخامسة»، «الشعب يريد إسقاط النظام» و«كليتو لبلاد يا سراقين»، بقدر ما كنت أقف مشدوهًا طوال المسيرة لما كان يحدث من حولي، وكنت أوقن مع كل خطوة أن الصورة التي رسمها في ذهننا «الذباب الإلكتروني» ووسائل الإعلام المحلية المأجورة والموجهة بشكل تام حولنا «نحن الشعب» هي فكرة خاطئة تمامًا، وأننا لو تأملنا قليلاً فقط في تفاصيل يومياتنا البسيطة لرأينا شعبًا طيب الأعراق يعاني تحت سطوة نظام فاسد.

فبعد أن زعموا أن الشعب متفرق مختلف لا يمكنه أن يتحد ويلتف حول رأي واحد، رأيت مئات الآلاف في مسيرة ليس لها نهاية تجوب شوارع العاصمة، ولمن كان يدعي أن المظاهرات مجرد «أعمال شغب» يخوضها شباب طائش متحمس لا يدري ولا يعي ما يفعله، حري بك رؤية شيخ يستعين بعكازته لكي يواصل المسير معنا، وعجوز قاربت الثمانين تمشي وتزغرد، وأطفال محمولين على الأكتاف ليشاركونا الهتاف «تحيا الجزائر»، كان عليك إلقاء نظرة على النساء وهن يلقين قوارير المياه من الشرفات لكي يرتوي المتظاهرون بعد أن أطربننا بزغاريد جميلة جعلتنا نشعر بنشوة الحرية.

لكل من ادعى أن الشعب الجزائري عنيف وغير واع ولا يتقن لغة الحوار، كان عليك أن ترى كيف كانت الجموع تحرص أن لا تدوس المساحات الخضراء والورود في مسيرها، كيف كنا نصفق على أعوان الشرطة كلما مررنا بهم، وكيف كنا نوقف بكل هدوء وروية كل شاب تدفعه الحماسة الزائدة لتسلق عمود أو شجرة، كان عليك أن تسمع هتافاتنا التي كانت خالية من أي ألفاظ نابية أو عنصرية، رغم كل القهر الذي عانينا منه، والأجمل من كل هذا، كان عليك رؤية النسوة اللائي كن يقدمن الورد لفرقة مكافحة الشغب كلما كانت هذه الأخيرة تحاول إيقافنا وصدنا عن الوصول «لقصر الرئاسة بالمرادية».

ولكل من كان يقول إن الشعب الجزائري فاسد الأخلاق، وإنه يفتقد لأبسط الآداب كالنظافة مثلًا، كان حريًّا بك أن ترى كيف كانت قوارير المياه مصطفة على الرصيف في نظام عجيب، إذ إن كل من يفرغ قارورته يحملها معه ليلقيها في المكان المخصص، ناهيك عن حملة التنظيف التي طالت الشوارع بعد نهاية المظاهرات، وكل هذا بعفوية تامة ودون تنظيم مسبق.

أعلم أنني لن أوفق في نقل كل الصور الجميلة التي عشتها في ذلك اليوم، وأعلم أنه حتى الكلمات لن تسعني لفعل ذلك، لكنني متيقن أنني استعدت «فخري بكوني جزائريًّا» في ذلك اليوم، واستعدت أملاً كنت قد فقدته في رؤية البلد بخير، وفي أن أعيش حرًّا كريمًا معززًا هنا يومًا ما، وأن أحقق أحلامي هنا وأترك بصمتي هنا دون أن أضطر إلى أن أهرب لأي بقعة في العالم قد تمنحني تسهيلات لتأشيرة وبيتًا وعملاً وضمانًا اجتماعيًّا كما فعل الذين سبقونا.

أعلم أن هذه المظاهرات لا تعني التغيير لكنها حتمًا البداية، فقد حطم اليوم الشعب حاجز الخوف وأسمع صوته للسلطة وللعالم أجمع، وما زال ينتظرنا الكثير من العمل قبل الانتخابات وبعدها، وخلال العهدة القادمة أيًّا كانت هوية الرئيس، لكي ننشط ونكون فاعلين في كل مؤسسات المجتمع المدني؛ لنعبر عن صوتنا، ونساهم نحن في التغيير الحقيقي الذي يحتاج للكثير من المثابرة والصبر.

لكنني متأكد من أن يوم 22 فيفري 2019 سيصبح معلمًا في تاريخ الجزائر، فهناك بالتأكيد فترة ما قبل 22 وما بعد 22، وأعلم أنني سأحمل شعور الحرية ذاك في أوصالي إلى آخر يوم في حياتي، فكأن الجزائر قد استقلت من جديد ليكون الشعب مرة أخرى هو البطل الأوحد والوحيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد