طالعتنا وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية بالعديد من مشاهد الرقص العبثية التي حفلت بها شوارع المحروسة يوم ٢٥ أبريل (نيسان) الماضي، والموافق لذكرى تحرير سيناء. عبَّر خلالها البسطاء عن فرحتهم العارمة بتحرير الأرض، فتمايل الرجال والنساء ذات اليمين وذات الشمال، بينما تتقافز أجسادهم للأعلى من حين لآخر في حركات بهلوانية على نغمات المهرجان الشعبي بالغ الرُقي «فرتكة فرتكة». البعض الآخر أحضر صورة للرئيس السيسي، وأخذوا يركضون حول الصورة في حركات دائرية محمومة، بينما المشهد الأعمق تأثيرًا كان لأحد مجاذيب السيد الرئيس يسجد على صورة فخامته؛ ليقبلها بشكل هيستيري، ثم يتمسح بها متلويًا بجسده، كمن يحتضر مسمومًا!

بالطبع أثرت تلك المشاهد في جموع المصريين، وأقنعتهم بأن شعبية الرئيس باقية، وأن مؤيديه يملأون الشوارع بمجرد توفير رجال الأمن السيارات التي تحملهم إلى الميادين، والأكثر من ذلك أنهم اقتنعوا بأن جزيرتي تيران وصنافير سعوديتان من يوم خلق الله الكون ومن عليه، وأن إرجاع الرئيس الجزيرتين للسعودية جاء من واقع تنفيذ وصية السيدة الوالدة بإرجاع الحق لأصحابه، وإنه «ما يبصش في اللي في إيد الناس»، وهذا بالطبع ينُّم عن حسن خلق الرئيس وتربيته الصالحة. وبالطبع وبعد كل الأحداث السالف ذكرها لم يعد هناك مجال للحديث في هذا الأمر ثانيةً، خصوصًا بعد أمر الرئيس القائل «ما تتكلموش في الموضوع دا تاني»!

من يوم الإعلان عن اتفاقية إعادة ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، وكل ما يحدث في مصر مأساوي بكل معنى للكلمة؛ طريقة الإعلان التي صورت الأمر كما لو كانت الجزيرتان صفقة تجارية تم توقيع عقد بيعهما في ظل احتفاء الدولة المبالغ به بزيارة العاهل السعودي، وما تلى ذلك من ردود أفعال غاضبة عبر عنها كل الوطنيين المخلصين، تلتها تبريرات حكومية بائسة ومستفزة راح يرددها إعلام الرئيس، ثم أصبحت تلك التبريرات مُضغة في فم كل مؤيد للرئيس – في الحق والباطل على السواء- واكتملت تلك الحلقة من التأييد الأعمى باحتفالية ٢٥ إبريل (نيسان) التي كان أبطالها من البسطاء المعروف للكافة طريقة حشدهم، فرأينا ما رأينا من مشاهد لم نكن نتمنى أن يكون أبطالها مصريين يرفعون أعلام السعودية، بينما يرقصون بانتشاء غريب! ونستطيع أن نَصف الأمر بأكثر الصيغ تهذيبًا ونقول «مجاذيب الرئيس» يحتفلون بذكرى مولد «سيدهم»، وكأن هذا «المشهد البائس» هو لحظة فارقة بين أخطاء يمكن تبريرها وغفرانها، وبين خطأ لن يغفره التاريخ أبدًا، فتلك اللحظة هي بحق شهادة ميلاد جديدة لرئيس باع أرض بلاده بثمن بخس في لحظة ضعف تمر بها الدولة؛ ليدفع ثمنها الوطن غاليًا من أرضه وتاريخه ودمائه!

على الجانب الآخر هناك شباب يقبعون في غياهب السجون بتهمة الدفاع عن «مصرية» تيران وصنافير، هؤلاء الشباب وإن اختلفت معهم في مواقف كثيرة، لن تستطيع سوى التعاطف معهم مدفوعًا بامتعاض لا إرادي من تلك التهمة «الدفاع عن مصرية الجزيرتين»! فجُل ما طالب به هؤلاء أن يحترم الرئيس الدستور الذي أقسم هو نفسه على احترامه، وأن يتعامل مع الشعب الذي انتخبه بأصواته الحرة بالحد الأدنى من الشفافية المطلوبة في مثل هذه المواقف الكبرى، لكن على ما يبدو أن الرئيس لا يرى سوى التقارير الأمنية التي تطمئنه وتبارك سيره نحو المجهول، المجهول الذي نخشاه جميعًا، فلا أحد يعرف ما سوف يأخذنا إليه ما يعتمل في النفوس من ضيق يتزايد؛ مدفوعًا بتدهور الاقتصاد وحصار السياسة وتدجين البرلمان وإغلاق كل النوافذ التي قد تروّح عن الناس ولو قليلًا. وما عاد لنا سوى الابتهال إلى الله أن يلطف ببلادنا ويجنبنا لحظة انفجار لن يأمن بعدها رئيس أو معارضين أو حتى عوام الناس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد