في الخامس والعشرين من أبريل كانت التوقعات مشابهة لما حدث في الواقع، على الرغم من أن الكتلة الثورية لم تخض بعد معركتها. كان تحفز الجهاز الأمني عنيفًا لأقصى درجة، وانتشر الجيش بطريقة مماثلة لأيام ما قبل الثلاثين من يونيو من عام 2013. لكن الحراك الثوري نفسه، إذ اعتمد سلمية اللامقاومة، كان مستسلمًا في مواجهة قبضة أمنية تمرح بالجنون. على مستوى الرئاسة، بعد أن نشرت جريدة الشروق ما يفيد بأن السيسي قد أصدر أوامره بعدم تكرار مظاهرات «جمعة الأرض»، استجابت بمنشور نافٍ لتتغاضى الشروق عن تقريرها، وتنسبه لمصادر مدسوسة. لكن أثبتت الاستعدادات الأمنية الخانقة صحة التقرير الذي نُسب لتلك المصادر، وقد تمت على مستوى يرقى لحكم عسكري قابض على الكل، يشعر أيضًا بالذعر.

جاء تحفز الجهاز الأمني لكبح جماح المتظاهرين على ثلاثة أصعدة لا غير، بدت أنها حصيلة لخبرة سنوات خمس. منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، أُطيح بالكثيرين وتغير مجرى الأمور جذريًّا، بشكل لا يرضى عنه النظام سواء الحالي، السيسي، أو مجلس طنطاوي/ عنان، أو الإخوان في عامهم الكئيب. تركزت القبضة الأمنية في الحيلولة دون «التجمع»(*) الثوري بأعداد قد لا تسمح بفضها. يبدو أن هذه الإستراتيجية ليس في استطاعة الجهاز الأمني الذهاب لأبعد منها، وقد نهج فيها الصعيدين: الأول، إغلاق جميع ميادين الاحتجاج والتظاهر الاعتيادية. الثاني، المبادرة بتفرقة المتظاهرين بأسرع وقت، وبأي مما يلزم (قنابل الغاز، طلقات الخرطوش… إلخ)، فإذا كان عدد المحتجين المتجمهرين 100 فلا تدعه يبقى 200، لئلا يصير ألفًا، وهكذا.

جاء الصعيد الثالث الأخير تقليديًّا باليًا، يُظهر مدى تمسك النظام بعقلية «المدرسة القديمة»، وعدم قدرته على التطوير بشكل فعلي: السماح بتظاهرة شكلية مؤيدة. ما يثير الفزع في تلك التظاهرة المفتعلة كان ظهور أطفال المشردين الذين قد تم سحبهم من الشارع قبل 4 سنوات، هل يحولهم النظام إلى ميليشيا لا دية لها؟ منذ صعوده إلى السلطة، تجلى عمل السيسي على وأد أية إمكانية لحشد تظاهرات شعبية ضده في إلقاء القبض، وإبقاء قيد الاحتجاز، طوال فترة حكمه، على كافة النشطاء من مختلف التيارات القادرين فعلًا على حشد المتظاهرين، مثل أحمد دومة، أو علاء عبد الفتاح، أو ماهينور المصري.

في خضم تظاهرات 25 أبريل اُعتقل وأُصدرت أوامر بضبط وإحضار نشطاء سياسيين مشاركين في التظاهر. على وجه التحديد تم استئصال الأعضاء بحركة 6 أبريل، التي تقف كالشوكة في ظهر النظام منذ انطلاقها قبل 8 سنوات في عام 2008، على الرغم من بعض التحفظات من قبل تيارات أخرى على مواقف لها سابقة. هذه الموجة الثالثة من الثورة لازمة، لأن هو ذا النظام الذي قُصد بهتافات «الشعب يريد إسقاط النظام» التي انطلقت في ثورة الخامس والعشرين من يناير من عام 2011. خلال تلك الفترة أضحت العلاقة ما بين النظام والشعب لأول مرة مكشوفة، ومع بعض قطاعاته، كالشرطة، تتبادل علاقة كراهية صريحة.

على الحراك الثوري أن يلتفت إذن للعبة القطاع الأخير في تتويقه، وأن يعتدل في إطلاق المسيرات الصغيرة التي لا يتجاوز عدد أفرادها العشرات، تفاديًا لتكرار ما حدث في مسيرتي ناهيا بالجيزة، وميدان المساحة بالدقي. على الحراك الثوري أيضًا أن يتكتل بشكل يقدر على استيعاب المواجهة، كما عليه أيضًا أن يعلن عن موقف واضح ضد أولئك المندسين في الملابس المدنية، الذين يعملون على افتعال الاصطدام مع قوات الأمن وإقحام الحراك الثوري في دائرة العنف، من أجل وضع حد للتكتل وعرقلة المطالب المكفولة دستورًا وقانونًا.

_____________________

(*) هذه السياسة إنما اعتمدها اللواء محمد إبراهيم في تعامله مع مناصري جماعة الإخوان المسلمين، كما ظهر في فيديو مسرب (الدقيقة الثانية/ الثالثة)؛ حيث كان يحث ضباطه على سلك أي سبيل من أجل «عدم إعطاء الفرصة للتجمع»، حتى لو وصل الأمر «للتعامل عند الجامع»، بأية وسيلة «من المياه للآلي». تمت إقالة اللواء من منصبه كوزير للداخلية بُعيد هذا التسريب بفترة وجيزة، بشكل لافت للنظر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد