تقطع الثورة مراحل نضالها ضد الفساد والاستبداد في مسارات متعرجة، لا في خطوط مستقيمة، ولا تأبه الثورة لحسابات مهما دقت، ولا لإخفاقات مهما كبرت، إنها تعرف طريقها وتظل وفية لأهدافها حتى تحققها. فالثورة كما يقول فانون عن الثورة الجزائرية ضد المستعمر قد أنشأت “حالة لا رجوع فيها”، لكن البعض يؤجل تحققها الكامل عبر سوء إدارة قيادات فاشلة، لا تعرف للاعتزال طريقًا، وأوهام نصنعها ثم نصدقها، مراهقة وتلاسن يقتلان أسس تجمعنا واجتماعنا.

وتمر الثورة بمراحل متعاقبة: لحظة التفجير حيث تزيح الغشاوات عن العيون والبصائر، وتعري الظلم والفساد، وتسقط الخوف والتردد، وتطلق الشعب حرًّا طليقًا يسترد روحه ودوره وفاعليته في التاريخ، ثم لحظة الشروع في البناء، حيث تتكشف المشاكل وتظهر القدرات والإمكانات، إلى لحظة منتصف الطريق حيث أصعب لحظات الثورة، انتهاء بلحظة التحقق حين تعرف الثورة طريقها لتحقيق أهدافها عبر رجال البناء الجديد.

في لحظات منتصف الطريق يتعب البعض، ويمل آخرون، ويخون البعض، ويرتكب الكثيرون حماقات قاتلة، وتفقد الأهداف الكبيرة بوصلتها الهادية لانغماس أطراف التغيير في معاركهم الصغيرة، تاركين المجال لقوى الثورة المضادة تهدم كل ما بنته الثورة في النفوس وعلى أرض الواقع، وتتراجع غالبية الجموع زاهدة في إكمال طريقها نحو المستقبل، فغالبية الناس لا يشغلون أنفسهم كثيرًا بنبل مواقف الثورة ولا صحة مبادئها، بقدر ما يهمهم نتائج عملياتها الفعلية كما يرونها في حياتهم العملية.

ويركز هذا المقال على ثلاث مشاكل داخلية تمثل عقبات كبيرة في سبيل استعادة مسار الثورة، وخروجها من أصعب لحظاتها: لحظة منتصف الطريق.

 

أولًا: تنحية الكائنات المتعالية على التاريخ:

تعاني بلادنا من إصابة معظم نخبها التي تتصدى لقياداتها في لحظات التغيير المصيرية بمرض التعالي على التاريخ. فتجد الواحد من هؤلاء يعيش عمره بسيطًا متواضعًا، فإذا ما ابتلى الله العباد به قائدًا، تتغير مجريات حياته وحياة مجتمعه الصغير أو الكبير، فتتضخم ذاته ويصبح المقدس مجسمًا، فلا تستطيع أن تنتقده أو تناقشه، ناهيك عن أن تخالفه، أو ترفض ما يأتي به من أفعال.. تضيع البلاد والعباد التي يحكمها، يضيع التنظيم الذي يرأسه، ويقتل الناس ويهجرون ويشردون، ويجوع الخلق وتنتشر المصائب… تضيع الثورة ويتفرق الثوار، لكنه لا يتغير ولا يتزحزح عن مكانه، إنه كائن متعالٍ على التاريخ بالرغم أنه ضئيل بأي معيار شئت تقييمه.

وتخلص بلادنا وتنظيماتنا بكافة أنواعها من هذه الكائنات المتعالية على التاريخ، شرط رئيس لاستعادة زخم ثورتنا من جديد، وهذه مهمة جموع أعضاء الأحزاب والتنظيمات والتجمعات الراغبة في تحقيق أهدافنا في غد أفضل لمصر والمصريين.

 

وهم استعلاء السلطوية:      

يظن الكثيرون –خطأ- أن السلطوية في بلادنا في حالة صعود، وأن بلادنا تستعيد تاريخها القديم مع الاستبداد بشكل أشد وطأة، وأن القادم أسوأ لا محالة، حتى أن البعض يحذرنا من مصر “مبارك” في الأجلين القريب والمتوسط.. وهي رؤى تشاؤمية تستند إلى جزء فقط من الصورة الحالية لمسرحنا السياسي. فالسلطوية في مصر في حالة أزمة، تركت الثورة فيها جرحًا غائرًا، بالإضافة لما فعله بها الزمن، وتبدل النخب المتمرسة في إدارة الفساد وتمكين الاستبداد بنخب رديئة فاسدة فقط تعيد الماضي في صورة ساخرة، وإذا أضفنا لذلك تدهور موارد الاقتصاد القادرة على إمداد السلطوية بالمعين الذي يطعم الملايين فلا تثور، والحالة الشبابية التي تعيشها مصر ديموغرافيًّا، والتي تأبى أن تعيش في الحد الأدنى بعد أن فتحت لها الثورة آفاق المعنى والمبنى، وتبعات ثورة الاتصال وتغييرات العالم من حولنا، كل هذا يجعل السلطوية حفرية قديمة تعيش وهم بعثها من جديد، مهما أدعت غير ذلك. فالدائرة ليست مغلقة تمامًا، لكن المهم أن نعرف الطريق إلى الحرية.

 

التلاسن الذي يصنع الجروح العميقة: المراجعة الأخلاقية الواجبة

مرت على ثورتنا خمس سنوات: كل شيء نزداد سوءًا بسبب تفرقنا وتشرذمنا؛ ازدادت مظاهر العنف رسوخًا.. نحن اليوم أقل انفتاحًا وتقبلًا للآخر المختلف وأشد ظلامية وانغلاقًا.. أكثر وهنًا وإرهاقًا.. تعبت أرواحنا قبل أجسادنا، وازدادت نفوسنا ضجرًا، وضاقت علينا أنفسنا وأرضنا.. تحول الوطن إلى ساحة قتال، وتحصن كل منا بذاته أو بجماعته أو طائفته أو جماعة مصالحه، وهرب أغلبنا إلى منافى الذات أو الزفت والقطران بحثًا عن راحة موهومة. لقد أسأنا الأدب عندما امتهن بعضنا البعض، وللأسف ما زال البعض يكرر نفس الأخطاء ولا يلقي بالًا لنتائج كلماته الكارثية على النفوس والقلوب والتصرفات، وتبعات هذا كله على مسار ثورتنا ومآلها.

إن المرارة التي يعبر بها كثيرون عن غضبهم تتجاوز حدود المقبول والمعقول، وهي تمامًا مثل الفجور الذي يواجهنا صباح مساء ليل نهار ممن فقدوا كل معاني الإنسانية، وصاروا يصنفون الناس ويخونوهم ويتهموهم… نحن على خطر كبير، يجب أن يتنادى العقلاء ويراجع الجميع خطاباته ويزن كلماته قبل أن يتفوه بها.

لا بد أن نعتذر جميعًا ونتوب توبة جماعية عن أخطائنا في حق قيمنا وثوابت اجتماعنا الإنساني وثورتنا قبل أن يقتلعنا طوفان الكراهية، وسوء الفهم الناتج عن سوء التعبير والإخفاق في انتقاء الكلمات، فينهي كل أمل في لم الشمل لجميع قوى الثورة من جديد.. تلك مراجعة أخلاقية واجبة على الجميع إن أردنا تحقيق أهداف ثورتنا.

 

ونظل محكومين بالأمل:

ما بين رفض لماض بغيض يحاول –واهمًا- الولوج مجددًا إلى ساحة السياسة والاجتماع أشد بأسًا وتنكيلًا، متسلحًا بخبرة ما جرى في يناير ويونيو وما بينهما، ومستعينًا بتعب غالبية أبناء الشعب وضجرهم، ومعونة قوى خارجية وإقليمية تستميت في دفن الثورة، ومستعدة لدفع كل الثمن المؤدي لذلك، وبين تطلع لمستقبل واعد ونظام سياسي جديد يحقق العيش والحرية والكرامة الإنسانية بشرت به ثورة شعب.. تقف مصر في منتصف الطريق، تنتظر رجال البناء الجديد الذين يحررونها من الخوف والتردد والتخبط، والتفرق المذموم والتلاسن القاتل، وأسر حالة الشلل الراهن ليقودوها لإكمال ما تبقى من طريق الثورة نحو تحقيق غاياتها.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد