الخامس والعشرون من يناير قد اقترب ليحتفل كل من كان جالسا على كرسيه يشاهد ويسب أولئك (العيال) الذين قرروا التغير متهما إياهم بكل التهم التي حفظناها عن ظهر قلب عملاء أصحاب أجندة خارجية وممولين من جميع بلدان العالم والمجرات والكواكب الأخرى أيضا.
اقترب الخامس والعشرون ليحتفل كل من حرض وهاجم وسب وشارك في إسكات أصوات الملايين، ثم عاد ليلتصق بهم محييا بسالتهم وصمودهم، ثم حرض وهاجم وأنكر، ثم عاد ثانية مصفقا بجانبهم لما عُزل النظام مستقبلا كل التهاني وكأنه كان مرابطا لا يترك الميدان، بل أقنع نفسه بذلك.
اقتربت ذكرى الثورة ليحتفل كل من لم يشارك، ولم يساند؛ ليحتفل كل من انتفعوا منها، ولم يتموها، يحتفل كل من علا منصبه، وزادت رواتبه، أصحاب الرتب العالية الذين وصلوا لها فوق أكتاف الأبطال الحقيقيين، الأبطال الذين همشوا عمدا وأبعدوا عنوة وخلت منهم الصورة، الأبطال الذين استشهدوا ليسعد من قتلهم، وأصيبوا ليترقى مُصيبهم، الأبطال الذين لم يموتوا حينها، ولكنهم يُقتلون ألف مرة في كل ذكرى حين يرقص آخرون ويتحسرون.
الخامس والعشرون من يناير كان من المفترض أن يكون احتفالا لكل من شارك ورابط وثابر وحمى، لكل من تأمل خيرا وبذل في ذلك روحه، لكل من تمسك بحلمه وتكلم حين كان الجميع صم بكم عمي، لكل من ارتفع صوته مزلزلا كل حصونهم، مذللا ستائر وهمية وضعوها أمام أعين الناس، كان من المقدر له أن يكون احتفالا لنا لا لهم، نذكر فيه شهداءنا (الورد اللي فتح في جناين مصر) كما أُطلق عليهم وقتها، الورد الذي لم يعلم بأن تراب مصر سوف يأكله، الورد الذي ظن بأن روحه باستطاعتها أن تفعل أكثر بكثير مما حدث، كان من المفترض أن نحييهم في كل ذكرى أن نُذكر كل محاول لخمد نيران الثورة بموقعة الجمل وجمعة الصمود وجمعة الغضب وغيرها الكثير من المحطات التي إن سألت أحدا عنها الآن ما سمعت إلا الصمت.
لم نكن نتصور يوما أن يحتفل قاتلنا بإنجازنا، أن يُلصقوا بنا ما يسموها إنجازات في العصر الذهبي الجميل الذي تعيشه مصر حاليا والحالة السياسية الرائعة والحرية والأمن كما يطلقون، ولا أرى الروعة التي يرونها ولا الأمان الذي يتحدثون عنه، لم نثر من أجل حرية محبوسة ولا أمان مشروط ببقائهم، لو كنا نعلم ذلك لما ثورنا، كنا ارتضينا الفساد وسار كل منا يبحث عن قوت يومه، كنا تجاهلنا الأحداث السياسية ونسينا الوقائع وتأقلمنا مع الظلم البين ورضينا به، كنا استقبلنا مقتل خالد سعيد وسيد بلال بالترحم عليهما وصلاة الجنازة فقط كنا لن نزيد عليهم قرابة الألف شهيد، وآلاف المعتقلين، فمثلا كان أحمد بسيوني قد بقي حيا يصور بكاميرته سلمى وآدم ولديه، وبقي كريم بنونة حيا يرزق، لكان بيننا الآن حسين طه وأحمد إيهاب ومصطفى الصاوي وغيرهم الكثير، لما كانت السويس قدمت أول شهداء الثورة ولما كنتم الآن تقرأون أسماء نسيتموها.
لو كنا ندرك أن قاتلينا يومها ستميل كفتهم ونُخَون نحن، لكنا صمتنا صمت المتخاذلين اللامكترثين، فلا نهتف مع أغنية (مطلوب زعيم)، ولا تحركنا أغنية (إزاي) وتبكينا أحيانا، لم تكن لتبهرنا كلمة الحرية، ولا يستهوينا هتاف، كنا عشنا كالبقية في (مفرمة) الدنيا ومررنا في الحياة هونا.
الذكرى السابعة للثورة تقترب لتزيد ألمنا، ليخونونا مجددا، وينتهكوا حقوقا ويسلبوا أحلاما زرعناها نحن، وحصدوها هم، تقترب الثورة لتذكرنا بكل من مات هدرا ولم يأت حقه وراحت روحه هباء، تقترب لتذكر كل مصاب بإصابته وكل حالم بهوان حلمه وكل متأمل بزوال الأمل، تأتي لتتأكد من أنها قد نُسيت وبأن ما حصدنا منها شيئا سوا (بلاي ليست) أغاني كانت تحرك مشاعرنا ونهتف معها.. كل ما تبقى هي بلاي ليست تهون على القلة المتبقية آلامهم وتعزيهم في ثورتهم.
عزيزي الذي مازال بك بعض من أمل نعم جميعهم عبروا ونحن مازلنا خلف الساتر الترابي الذي وضعوه لنا، تلك الأسلاك الشائكة التي تنهش في أرواحنا، أرادوا لنا الموت بعدما وهبناهم الحياة فلا أسعدهم الله بما أخذوه عنوة.. صديقي الثوري مع إيقاف التنفيذ، تنتظرنا أشياء عدة، وأيام ستهدم كل ذي جهل بنى بُنيانه فوق أحلامنا، سيُبهت سارقينا، وتأكل أفعانا ثعابينهم فنعود مُنتصرين منتشين رافعي الرايات، ما زالت هناك رسائل تنتظر وأدعية ستُستجاب، ونصر ما هو ببعيد، عزيزي الثوري.. فليضحكوا ما شاؤوا؛ فنحن آخر الضاحكين، أعانك الله وإياي وأعاد لنا الرغبة في العيش، والغد، والدنيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد