ميدان التحرير – محراب الثورة

ربما لم يكن مخططًا لرمز المسجد أن يكون من العناصر الفاعلة في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) لكن في حقيقة الأمر أنه منذ بداية الأحداث ثم تطورها فيما بعد كان للمسجد دور عظيم في ثورة يناير لم نعتد عليه منذ عقود طويلة. ربما لم يلحظ البعض ذلك ولكنها وجهة نظر شخصية نابعة مما عايشته بنفسي وأحسست به.

فبداية الأحداث المصيرية للثورة كانت بانطلاقها يوم جمعة الغضب 28 يناير 2011 من المساجد، فلا ينسى أحد المسيرات الغاضبة التي انطلقت من مسجد الاستقامة ومسجد مصطفى محمود وجامع الفتح وأيضًا الجامع الأزهر والذي كان بالنسبة لي هو مكان الانطلاق في جمعة الغضب رغم أني منعت من دخوله يومها واضطررت للصلاة بمسجد سيدنا الحسين قبل التحاقي بالمظاهرات.

وعندما استقر الوضع بعد جمعة الغضب باعتصامنا في ميدان التحرير، كان الميدان يتحول في أوقات الصلوات الخمس إلى مسجد كبير يضم الثوار والمتظاهرين المصلين الذين كانوا في كثير من الأحيان يصلون في حماية إخوانهم المسيحيين. لا أنسى أول «صلاة ظهر» في اليوم التالي لجمعة الغضب عند سجودي على أسفلت الميدان وجلد جبهتي يلسعني من بقايا آثار قنابل الغاز المسيل للدموع ورائحته النفاذة التي ظلت على الأسفلت فترة طويلة لدرجة جعلتني أتنفس بصعوبة أثناء السجود. لن أنسى الدعاء أثناء الصلوات وترديد كلمة آمين بحرقة شديدة خارجة من القلب خلف كل إمام يصلي بنا في الصلوات الخمس ويدعو لمصر وللثورة والثوار ولنصرنا على الظالمين. لا أنسى صلاة الجمعة في الميدان وكأننا نصلي في الحرم المكي من شدة الزحام. لا أنسى شرف المشاركة في صلاة الغائب على القائد العظيم اللواء سعد الدين الشاذلي والذي جاء تكريمه في الميدان في صورة صلاة مهيبة تخلد ذكراه الكريمة والتي صادفت يوم جمعة تنحي مبارك 11 فبراير (شباط) 2011. لا أنسى لحظة تنحي مبارك نفسها والتي صادفت لحظة سجودنا أثناء صلاتنا العشاء مع المغرب جمع تقديم والفرحة العظيمة أثناء السجود والتي كادت تدفعني لترك الصلاة والقفز فرحًا بالانتصار. كثيرًا ما تحول صحن ميدان التحرير لجامع كبير في أوقات الصلوات بالرغم من وجود مسجد عمر مكرم وزاوية عباد الرحمن وذلك لأنهما كانا يقومان بدور آخر غير إقامة الصلوات سنسرده في السطور القادمة.

أول مستشفى ميداني

كان لزاوية عباد الرحمن دور عظيم في الثورة المصرية. فقد تحولت هذه الزاوية الصغيرة في لحظات إلى أول مستشفى ميداني في الثورة المصرية. ويعتقد الكثيرون أن هذا المستشفى الميداني قد بدأ يوم معركة الجمل لكن الحقيقة أن زاوية عباد الرحمن قد تحولت فعليًا لمستشفى ميداني يوم السبت 29 فبراير 2011. وقد حضرت حدث تحولها بنفسي عندما كنا نصلي صلاة العصر ذلك اليوم. فبينما كنا نصلي بشكل طبيعي سمعنا أثناء الصلاة أصواتًا صاخبة عرفنا فيما بعد أنها للمتظاهرين في محمد محمود يحاولون الوصول لوزارة الداخلية وأن القناصة من فوق مبنى الداخلية تضربهم. بعد أن انتهينا من صلاة العصر سريعًا شاهدنا أول حالة قادمة للمسجد ولا يمكن أن أنسى أول شاب دخل علينا يحمله الشباب وهو يصرخ من شدة الألم وبعد أن وضعوه على أرضية المسجد بدأ يرتجف ويصرخ ماسكًا رأسه. التف الناس حوله فجريت لمعرفة ماذا يحدث خارج المسجد فرأيت أعدادًا كبيرة من المتظاهرين في شارع محمد محمود ومدرعات الجيش تقف في منتصف الشارع لمنع المتظاهرين من التقدم والوصول لوزارة الداخلية. ومنذ هذه اللحظات تحولت زاوية عباد الرحمن من مكان صغير بين عمارات التحرير إلى أول وأعظم مستشفى ميداني في ثورة 25 يناير وبعد ذلك انضم إليه الأطباء المتطوعون وجمع له الشباب الأدوية والمستلزمات الطبية حتى تم إعداده لكي يصبح مستشفى متكاملًا.

جامع عمر مكرم

أما مسجد عمر مكرم فلم يحتفظ بدوره مسجدًا فقط طوال الأيام الثمانية عشرة وإنما كان مسجدًا وملجأً للنوم بالإضافة أيضًا لاستغلال دورات المياه. فقد كانت دورات المياه في عمر مكرم هي تقريبًا المكان الوحيد لقضاء الحاجة داخل الميدان. ولا أنسى وقوفي في الطوابير لأكثر من ساعة في معظم الأحيان لكي أتمكن من دخول الحمام. فقد كانت الطوابير على الحمام تمتد بالأمتار من خارج المسجد لداخله حتى تصل إلى الحمامات بالداخل في آخر المسجد. وكنا نحاول أثناء وقوفنا في الطوابير أن نتغلب على الرغبة الملحة لقضاء الحاجة وطول الانتظار بمناقشة الأحداث أو التندر عليها وعلى حالنا الصعب وكان البعض ينطق الشهادتين عندما يتمكن أخيرًا من الوصول لدورة المياه داخل المسجد. أما على مدار اليوم وخصوصًا أثناء الليل فكان المسجد يمتلأ عن بكرة أبيه بالثوار الذين لم يجدوا ملجأ يحميهم من برد يناير القارص إلا بقضاء الليل داخل المسجد. كنت وأنا صغير أسمع تعبير «نايم على سيفه» كناية عن النوم في مكان ضيق جدًا ولكن داخل مسجد عمر مكرم شاهدت وجربت بنفسي التطبيق العملي لهذا المثل الشهير، فقد كنا بالفعل ننام على سيفنا حتى يتمكن أكبر عدد من الثوار أن يجد مكانًا لكي ينام فيه. وطبعًا لا أحد منا كان يهمه ضيق المكان ولا الرائحة النفاذة فقد كنا ننام من شدة التعب دون أن ندري بأي شيء حولنا. وعندما يحين وقت الصلاة يمر الناس على النائمين ليوقظوهم لكي يخلو صحن المسجد والاستعداد للصلاة.

وبالرغم من جمال الصلاة داخل عمر مكرم لكن الحقيقة أني شخصيًا كنت أشعر دائمًا بشعور مختلف عند الصلاة على الأسفلت مع الجموع في قلب الميدان، فقد كان للصلاة بالخارج طعم آخر وروحانية عجيبة تشعرك حقًا أنك تقف في محراب كبير، محراب من نوع خاص، محراب الثورة. لذلك كلما أتذكر هذه اللحظات الرائعة وهذا الكم الهائل من الدعاء لمصر والثورة وعلى الظالمين، يعود إليّ الأمل من جديد وأوقن بأن الله لن يخذل هذا البلد المبارك ولن يخذل هذه الثورة المباركة وأن هذه الثورة إن شاء الله ستظل مستمرة.

وللذكريات بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد