في أواخر عام 2010 اندلعت الثورة التونسية التي أدت إلى سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، واهتم الفلسطينيون – شأنهم شأن سائر الشعوب العربية – بأمر هذه الثورة، وكانوا مع قرار الشعب التونسي، ثم بعدها بفترة قصيرة حدث شيء أكثر قربًا، حين بدأت مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن ثورة في مصر، ثورة أخرجت مئات الآلاف من المصريين في ميادين مصر يطالبون بإسقاط النظام السياسي وتطبيق الحرية والديمقراطية، كان تصديق الأمر صعبًا على أي قاطن في غزة يدرك مدى ديكتاتورية النظام السياسي القائم بمصر.

لكن سرعان ما تأكد أمر ثورة 25 من يناير، بثت الصور والفيديوهات، وكان الهتاف في ميدان التحرير يهز قلوبنا فرحًا، أكثر من 20 يومًا لا يفعل غالبيتنا شيئًا سوى متابعة كل تفاصيل الثورة، قلت لصديقتي حينها المصريين منشغلون بطلبهم إسقاط النظام، ونحن الذين كسبنا فرصة التمتع بكل تفاصيل ثورتهم عبر وسائل الاعلام.

كنا نجابه بكل قوة من حاول أن يقمع فرحتنا من مؤيدي النظام المصري السابق من الفلسطينيين، ويتحدث بأن الثورة المصرية شأن لا يخصنا، كانت أكثر من شأننا، فهي التي أسقطت نظام حسني مبارك الذي عكف على إغلاق معبر رفح الحدودي، ومنع تدفق البضائع وعبور الأفراد، وهي التي طالب ثوارها في عز انشغالهم ونزف دمائهم بفك الحصار عن أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يعيشون في قطاع غزة، أيقنت أن فرحتنا واحدة، وأنه يحق لي الفرح أكثر من المصريين، ووصل أمري للشعور بأن الشعب المصري كان يقدم لنا الثورة كهدية يريد بها أن يعوضنا عما تسبب به النظام السابق لنا من معاناة.

بعد الثورة بستة شهور سافرت من غزة إلى القاهرة، لم يخفني المصير المجهول الذي ينتظر هذا البلد بعد نجاح الثورة وسقوط النظام، وكانت بشاشة المصريين تزيح عني كل التخوفات التي قرأها المحللون السياسيون، لم أكن أشعر بجمال (أم الدنيا) كأيام تلك الرحلة، فقد كساها الجمال مع إسقاط ثوار العاصمة وكافة المحافظات الألم عن كاهلهم وكاهلنا.

كانت أمي – رحمها الله – المتعبة جدًا من العلاج تنظر بفرح لفرحتنا أنا وشقيقي ونحن نتحدث عن تبعات الثورة ونناقش توابعها، فلا تتوانى وهي التي لا يهمها الشأن السياسي عن سؤالنا ماذا يعني هذا الحدث أو ذاك، فنجيب ستنتهي كل الأزمات يا أمي في مصر، وفي غزة، وحين أخرج من البيت المستأجر كنت أتوقف للإنصات قليلًا هنا وهناك للتجمعات والمناظرات العفوية التي كان يقودها الثوار بالقرب من مجمع التحرير، لم يكن يهمني اختلاف وجهات النظر، ولا التأطير لجهة دون غيرها، المهم أنه حدث أمر كبير، المهم أنه حدث تاريخ رائع أعيشه في مكان أحبه كثيرًا، حدث كأني أقرأه بأحلام اليقظة بين دفتي الكتاب قبل أن أنتبه أني في مكان حقيقي وأستمع لثوار حقيقيين.

كان الزمن بين ثورة 25 من يناير عام 2011 وانقلاب 30 يونيو (حزيران) 2013 مليئًا بالخير لغزة التي أتى الحصار والعدوان مفجعًا على ناسها وأرضها وشجرها، لم أكن أدرك ذات يوم أن النظام المصري الذي ترعرعنا على قسوته تجاهنا قد زال، وأن بإمكاننا أن نذهب لمصر متى نشاء، وأن نرى المصريين على أرض غزة بعد منعهم من هذا الحق، ففي أحد أيام إيابي لغزة لم أنس أبدًا فرحة أحد الشباب المصري حين تمكن من اللحاق بمجموعة من زملائه للمشاركة في المعرض الأول والأخير للكتاب الذي شارك به مصريون في قطاع غزة، كاد يطير فرحًا بأنه دخل القطاع، وأن تلك غزة التي يراها نازفة على شاشات التلفاز يخطو أرضها.

وبالرغم ما مر بعد انقلاب 30 يونيو (حزيران) 2013 من أحداث مأسوية أوجعت وما زالت توجع قلوبنا، أعتقد أنه لن ينسى الفلسطينيون ألبتة ثورة 25 من يناير وخيرها الكبير علي المصريين وعليهم، فهي التي منحتنا كل شيء حُرمنا منه، وهي التي تحيي فينا أمل الحياة الكريمة، فهنيئًا لكم الفرحة بالذكرى السابعة، واسمحوا لنا أن نفرح معكم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات