جمهورية ميدان التحرير

تتوالى ذكريات الثمانية عشر يومًا التي تعد أجمل أيام مرت علي شخصيًا، والتي أشرف أني قضيتها داخل هذا الميدان العظيم، مع أطهر ما أنجبت الست مصر.

بدأت جمهورية ميدان التحرير في التكون شيئًا فشيئًا، فقد تطور شكل الميدان وتطورت مراحل تكوينه تبعًا لتطور الأحداث. فشكل الميدان في الثلاث ليال الأولى التالية لجمعة الغضب، يختلف عن شكله بعد بدأ المليونية الأولى، ثم اختلف الشكل تمامًا بعد معركة الجمل إلى يوم التنحي.

في الثلاثة أيام التالية لجمعة الغضب، كانت أعداد المعتصمين في الميدان ليلًا قليلة؛ فقد كان حظر التجول يبدأ من الرابعة، ثم أصبح من الثالثة عصرًا، وانتشرت الفوضى في الشوارع كما كنا نسمع من الشباب المتوافدين من خارج الميدان؛ مما جعل معظم الناس تكون لجانًا شعبية أمام منازلها. فكانت التظاهرات تبدأ في الصباح وعلى آخر اليوم تنكمش الأعداد ويتبقى فقط من قرر الاعتصام وعدم الرحيل. في هذه المرحلة كان للميدان ليلًا طعم خاص، فرغم الأعداد القليلة فإننا كنا نشعر بالأمان. مجموعات صغيرة متفرقة هنا وهناك، بعضهم يعزف، والآخر يشعر، ومجموعات تغني ما تحفظ من أغاني الشيخ إمام وعم أحمد فؤاد نجم. تعلمت في هذه الليالي النوم جالسًا، والنوم في الهواء الطلق حتى دون غطاء؛ ففي هذا الوقت لم تكن الخيام قد نصبت بعد، فكنت أجلس في صينية الميدان وأضع يدى على خدى وأنام، أو أمدد على العشب الأخضر وأستيقظ مع أول ضوء للشمس يصطدم بعيني، أو على يد أحد الشباب الجميل يوقظني ليعطيني قطعة جبنة نستو وقطعة بسكويت بالعجوة للإفطار، ففي الأيام الأولى لم يكن هناك أي مطعم قريب مفتوح، اللهم إلا كشك صغير بالقرب من الميدان هو الذي غامر ولم يغلق، وبعده قرر توم آند بصل أن يفتح أبوابه، حتى إن الطوابير كانت تمتد خارجه لعشرات الأمتار، وكانا هما المنفذين الوحيدين القريبين للمأكل والمشرب. أما من كان يطمع في المزيد فكان عليه المشي حتى شارع إبراهيم القباني المتفرع من شارع محمد صبري أبو علم؛ ليأكل من مطعم صغير هناك، ويجلس على مقهى صغير بجواره، والذي كان تقريبًا يفرش الكراسي في الممر بالكامل؛ حتى يكفي هذا الكم الكبير من البشر المتوافد عليه.

في هذا الوقت لم يكن هناك في الميدان منصات قد نصبت بعد، ولا عدد كثير من اللافتات، ولا خيام في صينية الميدان، ولا لجان تفتيش عند المداخل؛ لأن عددنا كان قليلًا أثناء الليل، ولم يتطور شكل الميدان ويمتلئ بكل ذلك إلا بعد المليونية الأولى، مليونية يوم الثلاثاء 1 فبراير (شباط) 2011. حتى اكتمل شكل جمهورية ميدان التحرير بعد معركة الجمل، بعد أن اتفق الثوار على عدم الرحيل وترك الميدان؛ فأصبح بالفعل وكأنه دولة متكاملة منفصلة عن العالم الخارجي، داخلها أناس مترابطون رغم عدم معرفتهم بعضهم بعضًا، على أبوابها بوابات بشرية من أبنائها المتطوعين لتأمينها، يتناوبون تلقائيًّا على الحراسة عند الطلب، تعامل مثالي بين أفرادها؛ فلا يتذمر أحد إذا ما أوقفه أخوه يطلب منه بكل أدب أن يريه بطاقته الشخصية للتأكد من أنه ليس عنصرًا مندسًا، يتكاتف أفرادها عند الإمساك بأي عنصر بلطجي أو مخبر أو حزب وطني، حتى يسلمه إلى مدرعات الجيش التي تحيط بالميدان، من يضيع منه شيء يذهب بكل بساطة إلى مركز الأمانات لكي يجده هناك وهو موقن أنه سيجده كما هو، حتى ولو كان شيئًا ثمينًا كموبايل أو ساعة أو حافظة نقود، كان الشباب يحوط على البنات والنساء في دوائر لحمايتهن من الزحام دون أن يعرفوهن.

كان الكل مجتمعًا على قلب رجل واحد وعلى حلم واحد؛ مما جعل الجميع باختلاف أيديولوجياتهم يقضون ليلهم مجتمعين في دائرة واحدة حول نار يوقدونها يتدفؤون عليها من برد الشتاء القارس، وهم يناقشون حلمهم بكل سلاسة وود دون أن يبالوا بأن السلفي يجلس على يمينه اشتراكي ثوري، وعلى يساره فتاة ليبرالية يجلس بجوارها إخواني، كان المسيحيون يحرسون إخوانهم المسلمين أثناء الصلاة في قلب الميدان بعد أن توقفت الصلاة بزاوية عباد الرحمن؛ لتحويلها لأول مستشفى ميداني في التحرير، وكانت وزارة الإعلام داخل جمهورية ميدان التحرير عبارة عن شاشة بروجيكتور كبيرة معلقة على العمارة الشهيرة في قلب ميدان التحرير قبل أن تنصب أمامها منصة الميدان الرئيسة، والتي فيما بعد اتخذت منها قناة الجزيرة مقرًا لها. كنا نجتمع عليها ليلًا لمشاهدة آخر تطورات الأحداث على قناة الجزيرة، التي رغم إيقاف النظام لها كان يتكمن الشباب من الحصول على ترددها أولًا بأول لعرضها.

سبحان الله كان هناك إحساس غريب بالطمأنينة والسكينة يملأ صدر من يدخل الميدان، كنت أظن أنني وحدي من لديه هذا الشعور، إلا أنني عندما سألت الكثيرين ممن أعرفهم أو لا أعرفهم شخصيًا من أهل الميدان، كانوا يؤكدون لي إحساسهم بهذا الشعور نفسه الذي كان يعد غريبًا في هذا الوقت الحرج. فبرغم قلقنا الشديد في الأيام الأولى من أن مدرعات الجيش قد تهجم علينا في أي وقت لفض الميدان واعتقال الجميع أو تصفيتهم، خصوصًا مع قلة أعدادنا ليلًا، فإننا لم نكن نشعر بهذا الشعور الغريب بالراحة إلا داخل الميدان، وبمجرد الخروج من بوابات التأمين إلى خارج الميدان ينتابنا شعور بالغربة والقلق وعدم الأمان، ويظل هذا الشعور يتملكنا إلى أن نعود مرة أخرى إلى داخل حرم الميدان. مما دفعني في إحدى الليالي إلى أن أطلب من أحد الشباب الذي يرسم ويكتب على الأسفلت أن يكتب بالبنط العريض «تم تحرير ميدان التحرير وجاري تحرير باقي الوطن». كنت أشعر بذلك وقتها؛ فقد كان من الطبيعي أن يكتب أي أحد ما يشاء، وأن يرسم ما يشاء بكل حرية ودون أي قيود، لم يكن يحدث هذا إلا في مكان واحد، فقط داخل جمهورية ميدان التحرير.

لذلك، وبالرغم من كم الإحباطات الحالية والعبث الذى يحيط بنا، والفرقة التي قتلت أحلامنا، فإن من عاشوا تلك اللحظات ورأوا كيف كانت وحدة أهل جمهورية ميدان التحرير لم تكن مستحيلة، يوقنون تمامًا أنه في يوم ما ستجتمع القلوب مرة أخرى على الهدف نفسه، يعلمون أن هذا الحلم الجميل لن يموت، ويؤمنون بأن الثورة مستمرة.

وللذكريات بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد