عندما قامت ثورة يناير  (كانون الثاني) لم يكن أيٌّ من الداعمين لها يؤمن إيمانًا حقيقيًّا بالديمقراطية، أو تداول السلطة. كل ما في الأمر أن إسقاط مبارك كان الهدف الأسمى الذي سعى إليه الجميع خلال 18 يومًا، ثم انفرط العقد عن تحالفات بين الإخوان والعسكر، ثم الليبراليين والعسكر، ثم أسقط العسكر الجميع وانفردوا بالسلطة حتى اليوم.

ثورة يناير ليست تاريخًا في السياسة فقط. ينبغي النظر إليها بوصفها صراع أجيال، جيل جديد يرفض أن يعيش داخل حظيرة السلطة، وجيل آخر يستمرئ المذلة والاستبداد، ولا يتنفس إلا داخل القفص.

كل شخص كان عمره 15 عامًا (في المرحلة الإعدادية) عند قيام ثورة يناير 2011، تخرج في الجامعة، وأصبح عمره الآن 22 عامًا. هذه الأجيال الجديدة تمتلك هواتف ذكية وحواسيب يشاهدون من خلالها العالم. الأجيال الجديدة تحسُّ بالعار لأنها لا تعيش في بلاد مثل تلك التي يشاهدونها في التلفاز أو في يوتيوب، ولا يبتلعون أي مبررات لغياب الحرية والديمقراطية. التغيير قادم لا محالة.

قبل ثورة يناير كنا نعتقد أننا نمتلك دولة ومؤسسات ونظامًا. بعد الثورة تبين للجميع أن الدولة في الشرق الأوسط لا تتجاوز بنيتها بنية العصابة التي يديرها لص كبير ومجموعة بلطجية يحتجزون شعبًا بكامله.

الحكام في الشرق الأوسط والمنطقة العربية ليسوا ضد الإسلام أو الحركات الدينية، إنهم فقط ضد الحركات التي تنادي بالخروج على الحاكم الظالم المستبد، يمكنك من هذه الناحية فهم الترحيب المبالغ فيه والاحتضان الكامل للحركة السلفية الوهابية في مصر ومنطقة الخليج؛ لأنها لا تجيز الخروج على الحاكم، حتى ولو جلد ظهرك وأخذ مالك.

غريب أمر بعض المثقفين العرب من اليسار. إذا كانت الديمقراطية في صالحهم وأتت النتائج كما يحبون، إذن الديمقراطية جميلة ومناسبة لمنطقتنا، وإذا جاءت النتائج على خلاف ما يحبون كرهوا الديمقراطية، وتحالفوا مع الأنظمة المستبدة من أجل إسقاطها.

أظنها المرة الأولى التي تصبح الثورة -هذه الأيام- فرض عين على كل واحد منا. التهديد هذه المرة لا يطال حرية الإنسان فقط، بل يطال الأرض والمقدسات. المستوى الجديد من العمالة للحكام الجدد على استعداد لبيع الأرض والعرض من أجل الاحتفاظ بكراسي الحكم. الثورة الآن مطلب ديني وإنساني بكل المعاني.

وصلت الروح الحلقوم، وتجاوزت المجازر كل ما كنا نتخيله. أعواد المشانق أصبحت قريبة من رؤوس الجميع، أصبحت أخبار الإعدام مثل أخبار الطقس اليومي. ورغم هذا يرفض كثيرون منا أن نتحد. هل يجب أن يساق كل واحد منا إلى المشنقة حتى يدرك أن الخطر يُحْدِق بالجميع الآن؟ وإن لم نتحد في هذه اللحظة ضد هذا الخطر، فمتى نتحد؟

هل يدرك المتشاحنون الآن في مصر عاقبة أن ينجح الديكتاتور في تجاوز عقبة مسرحية الانتخابات الرئاسية في مصر؟ إذا استطاع الديكتاتور تجاوز 2018 بسلام فأغلب الظن أن كل أحكام الإعدام سيتم تنفيذها بأريحية، وما رأيناه من أحكام عرفية في الفترة الأولى من حكمه لن يقارن بالخطر القادم. أتمنى أن نكون على قدر المسؤولية.

ليس للثورات كتالوج، وليس لها مدارس للحصول على ماجستير أو دكتوراه. المدرسة الحقيقية للثورة هي العمل السياسي والشوارع والمعتقلات. لا توجد أي ثورة تشبه الأخرى. كل المحاولات التي نبذلها لإلصاق التجربة المصرية والعربية بثورات أخرى في العالم لا جدوى منها.

حتى الديكتاتور العربي شخص مختلف. مشهد النهاية للقذافي وعلي عبد الله صالح مثير للدهشة فعلًا. كان يمكن لكليهما أن يهرب بعيدًا من البداية، وأن يحاول النجاة والعيش آمنًا في مكان آخر بملياراته التي امتصها من دماء الشعوب، لكنه آثر أن يموت محتضنًا العبث والخيبة والخراب بلا سبب منطقي واحد لهذه النهاية البائسة.

– «عمرو خالد»، و«معتز عبد الفتاح»، و«محمد حسان»، وغيرهم كثير، هل تتذكر هؤلاء النجوم أنصاف الآلهة؟ أنا أريدك أن تتخيل لو نجحت ثورةُ يناير وأصبح هؤلاء نجوم الصف الأول بالنسبة للجماهير العربية. شاءت إرادة الله أن تتعرض ثورة يناير وأهلها لمحنة كبيرة، وأن يصبح الانتماء لثورة يناير أمرًا محفوفًا بالمخاطر، وظهر كثير من هؤلاء النصابين والأدعياء على حقيقتهم. أليس هذا مكسبًا كبيرًا، حتى الهزائم أحيانًا تحمل بداخلها انتصارات صغيرة مهمة.

كل مطالب الثورة مؤجلة حتى هذه اللحظة. الخبز، والحرية، والعدالة الاجتماعية ما زالت مطالب مفتوحة. المستبدون العرب يعتقدون أن هذه الثورة مؤامرة عالمية لإسقاط الأنظمة العربية. أما المواطن العربي فهو في نظر حكامه كلب أليف معروف بالوفاء، لا يمكن أن يثور على حكامه المستبدين.

في الماضي كان هناك عقد اجتماعي بين الديكتاتور والشعب. أيها الشعب الطيب، سوف أقدم لك الطعام، والملابس، والدواء بشرط أن تقبل الاستبداد وأن تُسَبِّحَ بحمد المستبدين. هكذا فعل عبد الناصر، والسادات، ومبارك. كانت هناك مكتسبات اجتماعية مقابل الصمت على الاستبداد. النسخة الجديدة من الديكتاتوريات العربية تطلب انصياعًا كاملا بلا مقابل. مطلوب أن يرضخ المواطن العربي، وأن يستسلم تمامًا للسلطة بدون أن يحصل من السلطة على أي مقابل، وهو أمر محفوف بالمخاطر. لا يمكن أن يعيش المواطن العربي إلى الأبد على الخوف من مصير سوريا والعراق حتى لا يفكر في الثورة. مستحيل أن تسير الأمور هكذا إلى الأبد، الثورة قادمة لا محالة لأن أسباب وجودها أكثر إلحاحًا من ذي قبل.

الناس في مصر والمنطقة العربية الآن نوعان: نوع كاره لما يحدث ويتمنى الخلاص، ونوع آخر مستفيد من الأوضاع الحالية أو منخدع بها. لا ترهق ذهنك كثيرًا مع أولئك الذين لا يشاهدون الشمس في منتصف نهار يوليو (تموز)، ويطلبون منك أدلة على وجودها. المعارك معهم بلا طائل كأنك تحارب طواحين الهواء. في رأيي ليس لهم عقاب أفضل مما هم فيه.

يجب أن يكون شغلنا الشاغل في السنوات القادمة شيء واحد، وهو تأسيس نظام ديمقراطي يحترمه الجميع ويدافعون عن بقائه، ويبذلون أرواحهم ضد من يحاول الخروج عليه. لقد خسرنا كثيرًا جدًا من محاولة إنتاج ديمقراطية انتقائية. الحرية يجب أن يستفيد منها الجميع، بما فيهم أعداؤنا، أما أن أكون إسلاميًّا وأحرم منها الجميع، أو ليبراليًّا وأحرم منها الإسلاميين، فقد أثبتت التجربة أن هذا محض عبث، ومستحيل. الحرية إما أن تكون للجميع أو لا تكون لأحد.

صورة علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر وغيرهما كثير في السجن استطاعت أن تزيل كثيرًا من المهانة التي لحقت بالتيار الليبرالي من جراء التصاق صورته الذهنية بأشخاص من عينة عبد الحليم قنديل وجورج إسحاق وغيرهما ممن يبحثون في ظل كل ديكتاتور عن موطئ قدم؛ لكي يعيشوا بجانبه يقتاتون على فتات مائدته.

صورة محمد البلتاجي، وصلاح أبو إسماعيل، وغيرهما كثير ممن يقبعون في السجن الآن بلا جريمة أزالت هي الأخرى كثيرًا من المهانة التي لحقت بالتيار الإسلامي بسبب ارتباط صورته بأشخاص نعرفهم جيدًا يعيشون الآن في أمان بجانب الديكتاتور يُصدِرون له الفتاوى التي تبيح الاستبداد وتستحلّ الدماء.

اليوم الذي ينجح الجميع فيه في الارتفاع فوق الأيديولوجيات والتقسيمات الفكرية البائسة التي أضاعت الثورة هو اليوم الذي سوف تنتصر فيه هذه الثورة. ليس العيب أن نختلف أو تكون لدينا اتجاهات فكرية مختلفة، لكن العيب أن يكون هذا الاختلاف أداة الديكتاتور من أجل إفشال الثورة واغتيالها. سوف نتعارك كثيرًا لأن هذه المعارك ظاهرة صحية، لكن بعد مرحلة تأسيس نظام يقوم على الحرية للجميع. قبل هذا كل معركة انتحار مجاني وموت بلا طائل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد