نحن مساكين جدًا، أو في الحقيقة نحن نرغم أنفسنا على أن نكون كذلك، فحتى هذه اللحظة قد نكون ممن لم يفكر قط إلا في أن  29 فبراير يمكنه أن يجعل السنة كبيسة، وهذا ما يميزه، وربما فكر بعضنا بأن يومًا لا يتكرر في كل عام هو يوم يستحق أن نجهّز من أجله شيئًا ما يخصنا نحن دونًا عن الكون.

 

لماذا أقول ذلك؟

مستعرض غوغل (Google) مثلاً

وبمجرد أن تدق الساعة 12:00 ص معلنة بدء اليوم الجديد 29 فبراير، يلهينا بفيلم كرتوني يعرضه في واجهة المستعرض، ربما لأنه مثلنا يفكر بشكل سطحي وهذا احتمال ضعيف طبعًا، وربما كان يريد أن يلهينا فعلاً لنتنحى عن المجال ونترك للآخرين – المهتمين والبارعين في استغلال مثل تلك الأفكار – نترك لهم فرصة اكتشاف الكون واستخلاص نتائج زيادة يوم في السنة بين كل 4 سنوات ومعطياتها وأسبابها وهذا أيضاً احتمال ضعيف، واحتمال غير ضعيف هذه المرة في أن يكون فعلاً يريد أن يدل الوافدين إلى صفحة المستعرض لما تنتجه بعض المواقع بشأن هذا الخصوص، أن يشير إلى مداخل يمكنها أن تضيء بأفكار جميلة،  أو حتى يعرض ما تنتجه الأقلام المهتمة بصناعة المحتوى عبر الإنترنت.

ولكن هناك احتمالاً قويًا جدًا في أن يكون غوغل قد اختار هذا اليوم بالذات ليخلق مبدعًا جديدًا، ليضيء على مشروع ما جديد، أو حتى ليلهم أحدًا ما بفكرة أو نص أو طريقة لتنفيذ شيء يفكر به بالفعل.

 

مثال آخر/ فنانون أبدعوا

سيناريست هاوٍ يقوم بكتابة فيلم كارتون كامل عن يوم 29 فبراير من خياله المبتدئ، ليجد خياله متجدد الخصوبة يفكر بأشياء أخرى، يكبر، يتسع، يتضخم، ويتسلسل في الأحداث فينتج فيلمًا آخر وآخر حتى لا تتوقف السلسلة، يجد كونًا آخر بانتظاره ليقتحمه، وفي كل عام يخترع قصة جديدة عن السنوات الكبيسة مرة يغوص في عالم البحار والكائنات البحرية في هذا اليوم، في مرة أخرى يحلق في الفضاء، مرة يخترع خيالاً علميًا وقصص أطفال مشوهين ولدوا في هذا اليوم، وكلما اشتعلت أرض خياله خصوبة كلما نبتت ملايين الأفكار لاحقـًا حتى احتار في كيفية تسجيلها وإنتاجها، فأصبح السيناريست فريقـًا ثم مؤسسة ثم عالمًا.

مثله روائي يجد في السنة الكبيسة رقمًا مهمًا ليكتب فيه رواية، عن سنة كبيسة عن حدث فيها ويجعل لأحداثها علاقة غريبة مع هذا الكون مع معطيات الموقف، يدعوك للتأمل في كل شيء يحصل من حولك، بدلاً من الاعتماد على العواطف وفلسفة الأشياء حسب هواك، تجده يدعوك لربط الأجزاء ببعضها.

مثلهما أيضًا فنان منذ اليوم الأول من السنة بدأ يرسم لوحات من الواقع ويتأمل جزءًا محددًا من هذا الكون ثم يطرح الفكرة، ليأتي أحدهم وينتقده بأنه ضيع وقته ولم يستفد شيئًا، لكن فجأة يدخل ناقد آخر ويقول إن الكون في هذا اليوم يصبح على شكل كذا، حتى لو كان يتخيل ذلك فقط، ويستشهد بلوحات الفنان التي ربما يكون خطأ أو جرة ريشة قد غيرت معالم صورة منها.

 

مثال أخير: بلا تعليق!

كثير ممن  طالعت ما كتبوه في هذا اليوم كان ضمن إطار المناسبات، ولدوا أو تزوجوا أو أنجبوا أو انتحروا أو صنعوا مناسباتهم الخاصة في هذا اليوم الذي لا يتكرر كثيرًا، هم ومن حولهم يشعرون بالتميز/ بالغبطة/ بالحسد/ بالاختلاف/ بالعبقرية أو باللاشيء، ولكم حرية التخيل:

شخص قرر أن يتزوج في مثل اليوم قد ينشد التميز فعلاً، أو قد يكون بخيلاً فينشد الاقتصاد في إقامة حفلات الذكرى السنوية للمناسبة فلا يضطر لذلك إلا مرة واحدة كل أربع سنوات، ثم يشكو في الأعوام الثلاثة الأخرى من زوجته التي تصر أن تقيم حفلاً لثانية واحدة بين الساعة 11:59 من مساء 28 فبراير، والساعة 12:00 من صباح الأول من مارس.

بنت قررت أن تلد لتهب مولودها تاريخًا مميزًا فخضعت هي لعملية جراحية وكان يمكن أن تصبر يومًا واحدًا وتلد بشكل طبيعي، شخص قرر أن ينتحر في هذا اليوم قد ينشد ألا يوجع من يحبونه بتذكر الحدث سوى مرة واحدة بين كل 4 سنوات، أو قد يكون لئيمًا لدرجة أن يحرق كل ما يمكن أن يفكروا فيه ليجعلوا هذا اليوم الفريد متميزًا.

فتاة مثلاً، قررت أن تعترف بحبها للرجل الذي تحبه في هذا اليوم، إنها تنشد التميز لكنها حين افترقا – يا حرااام – أصبحت تشكر الله أن السنة كانت كبيسة ولن يمر 29 فبراير إلا كل مدة طويلة وربما، ربما تصنع قصة أدبية ليست عابرة في حياتها، أو تتشاءم – المسكينة – من كل 29 فبراير حتى لو كانت تعيش حب حياتها فيما بعد، فتاة تحسد صديقتها على الدلال الذي يحفها به زوجها كل 4 سنوات مرة؛ لأنها مولودة في 29 فبراير. وهو رومانسي ويحب أن يدلل زوجته.

آخرون يتعلمون شيئًا جديدًا في هذا اليوم بالذات، يضيفون لأنفسهم خبرة جديدة، يبدؤون العمل في هذا اليوم، يخوضون مغامرة مختلفة، كل تلك أفكار، والمهم ليس أن تفعلها وحسب بل أن تترك لها المجال لتنجب المزيد وتفتح شهيتك لإنتاج وإنجاز المزيد الجديد والمذهل والمدهش فيما بعد.

 

ماذا عن يومك أنت؟

يومك الكبيس، نعم نعم، أعلم أن كل أيامنا كبيسة في الوطن العربي، لكنني أتحدث عن 29 فبراير بالتحديد، ما الذي حصل ويحصل معك ومعي ومعنا عند إطلاق العنان للتفكير في مثل هذا اليوم؟

هناك أشخاص فكروا فعلاً بشكل إيجابي، أنا مثلاً فكرت في أن هذا اليوم المتميز يزيح عن كاهل أيام الأسبوع رتابة أن تحوي التاريخ نفسه بدورة رتيبة جدًا على مر السنوات، فصنع بهجة خاصة للأيام، ولست أدري فعلاً، ربما أصنع من ذلك قصصًا للأطفال لاحقـًا، أو أغنية جديدة، أو فكرة أخرى مختلفة كليًا، أعلم أنها ليست فكرة بديعة لكنها فكرة تستحق أن أضعها في مذكرتي؛ لأنني ربما أبني عليها شيئًا ما لاحقـًا، لكنني كتبت ذلك ليكون محفزًا لي ولغيري.

ما خطر ببالي هو ليس كل شيء، هو ليس بالتأكيد أهم شيء، لكنني وددت أن أقول إن الذي حصل ويحصل هو الإبداع، الإنجاز، الإنتاج، التميز الحقيقي، صنع علامة فارقة، التحرك لخطوة حقيقية ربما تكون الأولى، كل ذلك يحصل بمجرد إطلاق العنان للتفكير والانسياب معه كسمكة تسبح في الماء لا تخترع طريقة للحياة إنها تنساب وتكتشف وتنساب وتجد وتنساب وتفعل، بلا حدود، بلا اختراع لعوائق غير موجودة، بلا تعذر بما يعترضنا.

هكذا بالضبط أشعر بأن الحياة تصرخ في وجه انغلاقنا يوميًا: أيها البشر، دعوني أتسرب إليكم، فقط أزيلوا الحواجز التي تخرعونها، اتركوا التصرفات التي لن تستفيدوا منها واتبعوا نبضي في أرواحكم، أطلقوا سجيتكم.

 

أخيراً،

أصدقائي العرب بالتحديد: كل 29 فبراير وأنتم خلّاقون، فريدون منجزون، متميزون، معطاءون، مبدعون، منتجون، متألقون، ناجحون، … هكذا سأقول “وأنتم بخير”؛ لأنني أعلم أنكم بهذا الشكل ستكونون فعلاً بخير!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإبداع, العرب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد