ريان خميس
ريان خميس

الشرارة الأولى

15 يوليو (تموز) 2016 أطلقت الجبهة الدولية بيادقها لتشعل الشرارة الأولى للمعركة في الداخل التركي عبر المحاولة الانقلابية الفاشلة التي أسفرت عن استشهاد 249 شخصًا وآلاف الجرحى، سعى الانقلابيون يومها إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء عبر إقصاء الحكومة المنتخبة، وإنهاء الحياة السياسية الديمقراطية في البلاد، والقضاء على صانع مجد تركيا، الرئيس أردوغان، لكن إرادة الشعب كان لها الكلمة الفصل، واستطاعت التغلب على الانقلابيين ودحرهم.

تصدت تركيا خلال المرحلة السابقة لكل الحملات التي استهدفتها سياسيًا، اقتصاديًا، ثقافيًا، وعسكريًا ونشرت مبدأ المقاومة الشرسة في كل مكان حتى بين أطياف الشعب، فكافحت تنظيم كولن وبي كاكا في الداخل، كما ظهرت مؤسسات الدولة بتسريح حوالي 38 ألف موظف ممن ثبت تورطهم في تنظيم كولن.

لم تقتصر المقاومة على الداخل فقط، بل تعدتها إلى خارج الحدود بعمليات عسكرية داخل سوريا والعراق أنهت مشروع الحزام الإرهابي التي سعت القوى الدولية لتثبيته في شمال سوريا، والذي يهدف لخلق كيان سرطاني – كإسرائيل – يقطع التواصل بين دول المنطقة (تركيا، سوريا، العراق، إيران) ويضمن إشعال جبهات هذه الدول لقرن من الزمن.

اليوم وبعد عامين من الصراع نجحت تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان بتطهير نفسها من براثن الاحتلال الخارجي، والانتقال إلى النظام الرئاسي، فلم تعد دولة قومية بالمعنى الضيق، أو مخفرًا أماميًا لحماية حدود الاتحاد الأوروبي، كما لم يعد بالإمكان رسم سياستها الداخلية من بروكسيل أو برلين أو لندن، بل يمكن اعتبار تركيا اليوم دولة محور منتشرة في ثلاث قارات.

إن كانت أصواتنا لهذا الكفاح لا تكفي، فإن أرواحنا فداء لهذه المسيرة المباركة

لقد انتقلنا عقب 24 يونيو (حزيران) إلى مرحلة الصعود الثالث الكبير هذه المرحلة التي حاولوا منعها بشدة على مدار 15 عامًا الماضية، وسعوا لإيقافها عسكريًا خلال العامين الماضيين، فبدأت مشاهد تحول تاريخي فارق وصحوة جديدة ستمتد تأثيراتها من الصين شرقًا إلى الأطلنطي غربًا، نعم لقد أدركنا أننا حجر أساس في هذه المنطقة، فعندما ننهار تنهار المنطقة، وعندما نبدأ بالصعود فإن الإقليم بكامله يتحرك معنا لنعيد رسم خريطة المنطقة، ولنقلب خططهم رأسًا على عقب.

قبل 100 عام وقع آخر انهيار كبير للأمة، فقي الوقت الذي مزقوا فيه الدولة العثمانية وبدأوا ينهبون المنطقة، انتشر اليأس في أرجاء العالم الإسلامي وصار الجميع يعتقدون أن هذا الأمر انتهى إلى الأبد، وبادر المستعمرون يدوسون بأرجلهم فوق شرفنا ومقدساتنا، يمزقون أراضينا إلى كنتونات متناحرة ليشعلوا الأزمات ويتحكموا بمواردنا كما يحلو لهم، حينها كنا نستعد للنهوض من جديد، كنا صامتين، كنا نتألم، لكننا كنا نعلم سرًّا أن ذلك الزمان سيعود من جديد. لقد انتظرنا تلك اللحظة لـ100 عام سعينا على مدارها لكسر الأغلال التي كانت تكبلنا، أعددنا كل هذا سرًّا على مدار قرن من الزمان.

اليوم نشهد تأسيس تلك اللحظة المنتظرة منذ 100 عام، الحقبة التي اشتاق إليها أبناء الأمة الإسلامية، فلن نسمح لأحد أن يستغل هذا أبدًا، لن نتعاون مع من يدنسون بأقدامهم دماء شهدائنا في فلسطين والعراق وسوريا في الوقت الذي نستلهم فيه مقاومتنا منهم. وبصفتنا من انضموا إلى حشد هذا العصر فإننا سنواصل السير في الصفوف الأولى من المسيرة الكبرى ودعمها والبقاء متيقظين تحسبا لأي طارئ يحدث.

إن يوم 24 يونيو 2018 هو بداية تاريخ جديد بالنسبة لتركيا، بداية مبادرات وتطورات عظيمة بالنسبة للحكومة وجميع المؤسسات المدنية وغير المدنية وعالم السياسة والإعلام والثقافة والاقتصاد، لذلك سنبدأ التحرك لنرسم ملامح القرن القادم انطلاقًا من مبادئنا وتاريخنا السياسي الممتد لأكثر من ألف عام، سنبني تصوراتنا الخاصة ورؤيا جديدة لعمل المؤسسات تمتد لقرون من الزمن.

العلاقات الخارجية

إن الإبقاء على مولوود جاويش أوغلو وزيرًا للخارجية يعني أن تركيا ستستمر بانتهاج نفس السياسة الدولية في المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى محاولة إصلاح العلاقات مع بعض دول العالم التي ستغير مواقفها اتجاه تركيا بعد أن آمنت أنه لا يمكن إعادتها إلى الوراء، لقد أفلست جميع طرقهم وفقدوا مصداقيتهم، وأدركوا أنه ليس هناك حل سوى قبول تركيا القوية، كما ستستمر العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ولكن ليس تحت مسمى العضوية الكاملة، بل من خلال محور تركيا وحلفائها التقليديين في الغرب (ألمانيا، النمسا) كما ستنتهي علاقة التبعية الأحادية الجانب مع واشنطن لتستمر على أرضية أكثر عقلانية ومنطقية وعلى مبدأ المصالح المشتركة.

أما في العلاقات التركية العربية فستحاول تركيا في المرحلة المقبلة البحث عن طرق لتحسين علاقاتها مع جيرانها العرب وإيجاد مساحات مشتركة لتقديم خطاب مشترك يعزز القوة، فالعلاقات مع القوى الإقليمية الكبرى كالسعودية ومصر وإيران تعتبر مهمة جدًا في هذا السياق، كما ستسعى للتغلب على العاصفة التي تثيرها بعض الدول العربية بصفتها معلم الشر عبر توافق متجانس مع الرياض لإنهاء هذا الخطر.

لنعلم جميعًا أن هذه المسيرة التي تشق طريقها خلف قيادة رائدة عبر التاريخ ستنتج حالة سياسية فريدة في المنطقة بأسرها سيشعر بها جميع من في الشرق و الغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك