هنا يعود الكاتب ويصر على التأصيل لجهاده ولكن هذه المرة بشكل مختلف وهو التأصيل من منطلق الشهادة الشرعية، وهو بذلك ينحو بعيد السبيل عن الصواب ويحيد عن الحق بشكل كامل حتى أنه لم يفرق بين فئات المسلمين المختلفة وتصانيفهم وأحكامهم الشرعية, بل وخلط بين الأمور الشرعية المقضي فيها والأمور الدنيوية السياسية المضبوطة شرعيًا والمتروك للعباد فيها إعمال العقل, ثم المفارقة أنه اتجه من ذلك الكلام السطحي المغلوط بتوجيه حديثه عن الثورات العربية بل ولجماعات الجهاد ونرى ذلك في:

• قال: جعل الإسلام كل قتال لرفع الظلم جهادًا:
واستشهد:

عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أهلهِ فَهُوَ شَهِيدٌ” رواهُ أبو داود، والنَّسائيُّ، وغيرهما، وصححه الألباني – رحم الله الجميع – في صحيح الترغيب والترهيب: 1411.
قلنا:
قال الشَّيخ العلامة محمد ناصر الدين الألبانيُّ – رحمه الله:
الشَّهيدُ في الإسلام له حالتان:

إما أن تكون شهادته حقيقيَّة، وإما أن تكون شهادتُه حُكميَّة، وليست حقيقيَّة.

الشهادة شهادتان:

1- الشَّهادة الأولى: هو القتيل مِن المسلمين يقعُ شهيدًا في المعركة وهو يُقاتِل في سبيل الله؛ فهذا هو الشَّهيدُ حقيقةً، وهذا له أحكام معروفة في الإسلام.

فهو لا يُغسل، ولا يُكفَّن، ويُدفن في ثيابه التي تَضمَّخت بالدِّماء الزَّكيَّة، ويُدفن في المكان الذي وقع فيه صريعًا. هذه أحكام خاصة بالشَّهيد في المعركة.

2- ثمَّ هناك شهادة حُكميَّة، ولا يترتب من ورائها شيءٌ من هذه الأحكام المتعلِّقة بالشَّهادة أو الشَّهيد الحقيقيّ.
هذا النَّوع من الشَّهادة؛ وهي الشَّهادة الحُكميَّة، إنما تُنقَل – بطبيعة الحال – مِن ما حكم الشَّارع الحكيم بأن من اتَّصف بكذا؛ فهو شهيدٌ.

مثلًا: يقول الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَن مات دون ماله فهو شهيدٌ، ومن مات دون دمهِ فهو شهيدٌ، ومن مات دون أرضه فهو شهيدٌ، من قتله بطنه فهو شهيد، من قُتِلَ في الغرْق أو الهدم فهو شهيد، من قُتِلَ بداء السّلِّ فهو شهيد، المرأة الجمعاء تموت في نفاسها فهي شهيدة).

هذه بعض النَّماذج مما صحَّ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه أطلق عليه اسم شهيد، ومع ذلك فالعلماء مجمعون على أن هذا الإطلاق لا يعطيه فضيلة الشهيد حقيقةً الذي مات في المعركة؛ وإنَّما هو من باب التَّقريب في الفضل؛ يعني هؤلاء الذين أَطلق عليهم الرَّسول عليه الصلاة والسَّلام أنَّهم أو أن كل واحد منهم شهيد، له فضل لا يساويه في ذلك سائرُ النَّاس الذين لا يموتون في حالةٍ من هذه الأحوال.

وعلى ما سبق فإن الشهيد حقيقة هو شهيد الجهاد في أرض المعركة تحت راية الإسلام وبأمر من إمام المسلمين ومن غير ذلك فهو الشهيد حكمًا ويظهر ذلك في الفرق بين أحكام الشهداء وغيرهم.
فللشهداء فضل لا يساويهم فيه غيرهم من سائر الناس.

قال: (فالجهاد ليس موقفًا اعتقاديًا ضد الكافرين..)
قلنا:

كنا قد أشرنا مسبقًا أن الكفر مسوغ للقتل ابتداءً.
*(ولذلك كان من الجهاد الذي أمر به الإسلام: قتال المسلم الباغي، وصد المسلم الصائل، والأخذ على يد الظالم المسلم).
وهذا فيه خلط ولبس لمفهوم الجهاد (جهاد الكافرين) بأنواع القتال الأخرى والتي فرق بينها الإسلام والعلماء باعتبار عوامل مختلفة مما يوضح أن لكل قتال حالته الخاصة وجمعهم الظلم لدين الله، نوجزها في التالي:

أولًا: التفرقة بين دار الحرب الأصلية (دار الكفر) ودار الردة والأحكام المتعلقة بكل دار،
فدار الردة: (لا يهادنون على موادعة – لا يصالحون على مال – لا يجوز استرقاقهم وسبي نسائهم – لا تغنم أموالهم).

ودار الحرب الأصلية – دار الكفر – ( يُهادنون – يُصالحون على مال – يُسترقون وتُسبى نساؤهم – تُغنم أموالهم).
ثانيًا الفرق بين دار الإسلام ودار الردة:

1- وجوب قتالهم مقبلين ومدبرين.
2- إباحة إمائهم أسرى وممتنعين.
3- تصير أموالهم فيئًا لكل المسلمين.
4- بطلان مناكحتهم بمضي العدة وإن اتفقوا على الردة.

*الفرق بين قتال دور البغي من جهة والكفار والمرتدين من جهة أخرى:

قال الماوردي ويخالف قتال البغاة قتال المشركين والمرتدين من ثمانية أوجه.
1- أن يقصد بالقتال ردعهم ولا يعتمد به قتلهم، ويجوز أن يعتمد قتل المشركين والمرتدين.
2- أن يقاتلهم مقبلين ويكف عنهم مدبرين ويجوز قتال أهل الردة والحرب مقبلين ومدبرين.
3- أن لا يجهز على جريحهم وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين.
4- أن لا يقتل أسراهم وإن قتل أسرى المشركين والمرتدين ويعتبر أحوال من في الأسر منهم، فمن أمن رجعته إلى القتال أُطلِق، ومن لم يؤمن منه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق ولا يجوز أن يحبس بعدها.
5- أن لا يغنم أموالهم ولا يسبي ذريتهم.
6- أن لا يُستعان لقتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي وإن جاز أن يُستعان بهم على قتال أهل الحرب والردة.
7- أن لا يهادنهم إلى مدة ولا يوادعهم إلى مال، فإن هادنهم مدة لم يلزمه فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم وإن وادعهم على مال بطلت الموادعة، العبرة في ذلك المصلحة.
8- أن لا ينصب عليهم العرادات ولا يحرق عليهم المساكن ولا يقطع عليهم النخيل والأشجار لأنها دار إسلام تمنع ما فيها وإن بغى أهلُها.

*قال فما استشهد به على قوله: (فالجهاد ليس موقفًا اعتقاديًا ضد الكافرين..):
قال تعالى: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين” سورة البقرة آية 190.
قلنا:

أما هذه الآية كانت في بداية الجهاد في المدينة وأمر فيها بالقتال والكف عمن كف عن المسلمين.

ونسخت هذه الآية بآيات أخرى منها قوله تعالى: “واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم”.
وفي قوله تعالى: “ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين” أي قاتلوا في سبيل الله (ولا تعتدوا) أي لا ترتكبوا المناهي.

وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم في المناهي: (اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا ولا أصحاب الصوامع).

وأما عن حديثه عن آيات القران الواردة في قتال (الكفار) أو قتال (الناس) من غير تحديد وأن (ال) فيها عهدية وليست استغراقية.

فنحن على قولين:
أولهما وهي قاعدة فقهية، أن (ال) عندما تدخل على الكلام فإنما يراد بها العام وتخصيصها يكون على وجهين إما متصل وإما منفصل.

فالمتصل: الاستثناء والتقييد بالشرط، والتقييد بالصفة.

والمنفصل: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، والكتاب بالسنة، والسنة بالسنة، والسنة بالكتاب، والنطق بالقياس، ونعني بالنطق قول الله تعالى، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانيهما: واتجه علماء لأن تخصيص القتال هو خاص بالآخر أي تخصيصه للسبب المتواجد في الآخر (الكفر) فالقتال مرتبط بوجودهم لهذا السبب، وعليه ذهب كثير من أهل العلم أن الآيات هذه ليست منسوخة لأن فيها تهييجًا على العدو وإغراءً بقتاله.

وعليه فالحرب كانت مبنية على معادلة الكفر والإيمان ابتداءً وليس على العدل والظلم كما اتجه الكاتب، على أن العدل والظلم يندرجان داخل الكفر والإيمان.

** قال: فالقائلون اليوم بقتال الكفار بإطلاق – ممن لا يميزون بين الصيغتين العهدية والاستغراقية في نصوص الجهاد – إما أنهم غير ملمين بلسان العرب ودقائق استخدامه، أو أنهم غير مطلعين على تفاصيل التجربة النبوية التي شملت موادعات مع قبائل عربية وثنية، ومعاهدات مع يهود المدينة، ونصارى نجران، ومجوس هجر، تحولت بموجبها الطوائف الثلاث جزءًا من شعب الدولة الإسلامية في العصر النبوي، مع احتفاظها بدينها المخالف لدين الإسلام.

قلنا: وهذه الفقرة تحديدًا ليس لها علاقة بالبحث العلمي الذي يتحدث عنه الكاتب لا من قريب ولا من بعيد بل ويمكن اعتبارها تعديًا بالقول ممن لا يملك ولا يعلم.
وخلاصة القول:

أجمع العلماء على وجوب قتال الكفار الأصليين والمرتدين ووجوب قتال الممتنعين عن إقامة شرائع الدين والبغاة والمتأولين.

أما الكفار الأصليون فيجب غزو دورهم ودعوتهم للإسلام مرة كل عام على الأقل متى توافرت القدرة.

والمرتدون عن الدين أو الممتنعون عن إقامة شرائعه فيجب على المسلمين إعادة الديار التي ارتدت إلى الإسلام ولا يجوز إقرارهم على ردتهم بحال من الأحوال، فإن عجزوا فانتظروا حتى يعدوا لذلك ولا يسقط عنهم واجب الإعداد وإن سقط عنهم واجب الجهاد أثناء الإعداد له.

وأما البغاة فيجب على المسلمين نصرة الإمام إن كان عادلًا حتى يلزمهم بالكف عن بغيهم وإعادة ديارهم إلى ديار أهل العدل مع إلزامهم بطاعة إمام أهل العدل، وإن عجزت بأهل العدل القدرة عليهم الإعداد ولا يجوز لهم إقرار البغاة على بغيهم.

وأنه لا حرمة لدور الكفار ما لم يكن هناك عقود صلح أو موادعة.

يجب على المسلمين الالتزام بما يوقع من عهود واتفاقات سواء كان عقود ذمة أو صلحًا وموادعة، ولا يجوز لهم نقضها ما لم ينقضها الطرف الآخر أو ننبذ إليهم على سواء.

** قال: ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بمسالمة الكفار المسالمين، بل استعان بالعديد منهم سياسيًا وأمنيًا ودعائيًا: أفرادًا مثل أبي طالب، والمطعم بن عدي، وعبد الله بن أريقط، وصفوان بن أمية، ومعبد الخزاعي. ودولًا مثل الحبشة. وقبائل مثل خزاعة. قال ابن هشام “وكانت خزاعة عيْبةَ نُصْحٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمُها ومشركُها، لا يُخْفون عنه شيئًا كان بمكة” (سيرة ابن هشام).

وفي هذا نقول: وفي أي سياق قيل أنه لا يمكن الاستعانة بالكافرين أو من ماثلهم في مثل هذه الأمور بل إن الإسلام قد وضع للاستعانة في مثل هذه الأمور الحياتية والسياسية ضوابط.

وهنا الكاتب يقوي تأصيله لفكرته في عدم اعتبار الكفر مسوغًا للجهاد وأن موادعة الكافرين والعيش بينهم ومعهم في سلام دون أدنى اعتبار لاختلاف الدين والاعتقاد هي الأصل.

وهذا يعتبر خلطًا للمسائل والاستشهاد بموضوع الاستعانة بالكافرين ليس له علاقة بالجهاد ولا تأصيله.

** قال: وإنما اغتر القائلون بتعميم القتال اليوم بجوانب من الفقه الإمبراطوري الموروث الذي نشأ في سياق تاريخي اتسم بحرب الكل على الكل، وكانت الخطوط الفاصلة بين الإمبراطوريات يومها خطوطًا دينية في أساسها. ولو أن هؤلاء ردوا هذا الفقه الإمبراطوري إلى نصوص الوحي والتجربة النبوية، وحاكموه بهما بعيدًا عن ربقة التقليد، لاكتشفوا جوانب الضعف والخلل فيه، وبُعده عن روح الإسلام وقيمه الكلية، مثل العدل والحرية.

قلنا:

الادعاء بأن الجهاد وتوسيع رقعة الإسلام هو فقه إمبراطوري فذلك ما يطلق عليه بكل تأكيد أنه مقولة استشراقية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهو ترسيخ للدولة القطرية والقومية مقابل دولة الإسلام الموحدة، وضد الدين لتصوير الجهاد على أنه كان وسيلة لتوسيع الرقعة واستغلال ثروات الشعوب، لأن الجهاد أصلًا شرع كما اتفقنا لإعلاء كلمة الله.

**قال: فنحن اليوم في مسيس الحاجة إلى إحياء سنن الجهاد وبيان رسالته الأخلاقية وحكمته السياسية في السياق المعاصر. وسنكتفي هنا من ذلك بإشارات ذات صلة بسياق الثورات العربية اليوم، آملين التوسع في الموضوع في جهد لاحق بعون الله:

** قلنا: السياق المعاصر هو سياق الثورات العربية، والذي يجب فيه مراعاة الحالة العامة للأمة هل هي حالة تمكين أم حالة استضعاف وهو ما لم يراعِه الكاتب في أي جزء من أجزاء مقالته.

قال:
أولًا: لأن مناط الجهاد في الإسلام هو رفع الظلم حصرًا، فليس من المصلحة أن يصوغ المجاهدون قتالهم بلغة اعتقادية صارخة، هي لغة الحرب بين الكفر والإيمان، والولاء والبراء. لقد جعل الإسلام كل قتال لرفع الظلم جهادًا كما بيّنا، فثورات التحرير الوطني، وثورات التحرر السياسي – مثل الربيع العربي – من أعظم الجهاد، لأنها قتال ضد الاستعمار والاستبداد، وكلاهما خوض في دماء الناس وأموالهم وحقوقهم بغير حق.

**قلنا: بيّنا مناط الجهاد في الإسلام ووضحنا معنى الظلم وفق إطاره الحاكم، أما التحدث عن أصل ثم استدراكه بقوله ليس من المصلحة فهذا خلط للأصل (التمكين) بالحالة الاستثنائية القائمة (الاستضعاف) والكاتب فيها يناقض نفسه.
** قال: ومن أعظم الجهاد أن تهب جماهير الأمة للقتال دفاعًا عن حريتها وكرامتها، وحقوقها الإنسانية، وثروتها المهدورة، وأوطانها المستباحة. وليس من اللازم أن يرفع الناس راية دينية ليكون قتالهم جهادًا، بل يمكن القتال أيضًا تحت راية الوطن والكرامة والحرية والاستقلال، دون أن يخل ذلك بمعنى الجهاد، أو بقبوله عند الله تعالى، فكل إعلاء للحق والعدل هو إعلاء لكلمة الله تعالى.

وتزداد المصلحة في تجنب لغة الكفر والإيمان حينما يصطف الأحرار من أهل الوطن الواحد – مسلمين وغير مسلمين – ضد غازٍ خارجي أو مستبد داخلي، فالعبرة بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني. وربما يكون أنبل المجاهدين في الثورات العربية اليوم هم من يجاهدون إيمانًا واحتسابًا لتحرير الناس لا لحكمهم، ودون مراءاة دينية، أو جعجعة سياسية.

** قلنا: يكرر الكاتب خلط الحالة الأصلية (التمكين) بالحالة الاستثنائية (الاستضعاف) ويقوم بتحرير مصطلح الجهاد وفق الحالة التي يصفها وهي حالة الاستضعاف ويؤصل لأن الجهاد هو جهاد الظلم وأن تأصيله لا يخل بمعنى الجهاد أو قبوله عند الله تعالى.

*ويقول بأن الجهاد (كما يدعيه كأصل) يمكن أن يكون تحت أي راية مثل راية الوطن.

قلنا: وتناسى الكاتب أن من شروط الجهاد في الإسلام أن يكون تحت إمارة الإمام المسلم وتحت راية لا إله إلا الله على أن الشهيد في الإسلام هو المجاهد تحت راية لا إله إلا الله.

وعليه فالجهاد يجب أن يكون كأصل تحت راية الإسلام وتحت إمارة الإمام المسلم.

قال: وتزداد المصلحة في تجنب لغة الكفر والإيمان حينما يصطف الأحرار من أهل الوطن الواحد – مسلمين وغير مسلمين.

قلنا: وذكر المصلحة مرة أخرى في تجنب لغة الكفر والإيمان والاصطفاف مسلمين وغير مسلمين والاستشهاد بها لتأصيل جهاده، وهي من الأمور المختلف عليها وليس مقطوعًا فيها ولحقها بعبارة (فالعبرة بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني) أي تبنَّى الفقه المقاصدي وهذا يكون وقت الاستضعاف وله حالته الخاصة وأحكامه الخاصة ولا يمكن تأصيله بل هو فرع بُنيَ على أساس.

** قال: إن قتال حكام الجور لا يمنح الثوار المجاهدين شرعية سياسية وحقًا تلقائيًا في حكم الناس رغمًا عنهم، فغاية الثورة تحرير الناس لا حكمهم، ولا يحق للمجاهد أن يفرض نفسه حاكمًا للأمة بسابقته الجهادية. فالأمر في الإسلام شورى، وللأمة أن تختار المجاهدين حكامًا لها، أو أن تختار غيرهم ممن هم أبصر بشؤون الحكم. وليست البراعة القتالية مرادفة للبصيرة السياسية، وقد رأينا في بعض التجارب الجهادية أشجع المقاتلين وأسوأ السياسيين، فلكل ظرف رجاله، وكلُ ميسر لما خلق له.

ومن الخطيئة الشرعية والخطل السياسي أن تُنصّب حركة جهادية نفسها حاكمة للأمة، مستبدة بتدبير شأنها، فتفتات على عامة الناس، وتتجاوز مبدأ الشورى القرآني، فتستبدل ظلمًا بظلم. وهل ظلم أكبر من أن تُطلق جماعة صغيرة أيديها في شؤون أمة كاملة دون رضا منها، أو يُنصّب فرد نفسه خليفة على مليار ونصف مليار مسلم دون استشارة منهم؟! وأي عبثية أسوأ من أن يكون المقاتلُ ضد الاستبداد مستبدًا؟!

** قلنا: يؤصل الكاتب كالعادة في هذا المقال لأمور جزئية ويضعها في نصاب كلي كأصل.

فالحديث عن تنصيب الإمام يوجب التحدث عن صورة كلية لا جزئية بدايتها هل الفراغ كلي أم جزئي ووضع الأمة والمخاطر المحدقة بها.

حتى أنه ناقض نفسه في الفقرة التي تليها عندما قال: نعم، يحق للعسكري المتمرس أن يبادر باستلام القيادة دون تفويض في حالة الفراغ القيادي بساحة الحرب، وقد فعل خالد بن الوليد ذلك في غزوة مؤتة بعد استشهاد الأمراء الثلاثة، وبوّب الإمام البخاري للأمر بعنوان “باب من تأمر في الحرب من غير إمرة إذا خاف العدو”. لكن هذه حالة حربية استثنائية لا يمكن تعميمها من جيش إلى أمة، ولا نقْلها من ساحة القتال إلى ساحة الحياة العامة. أما من تأمر من غير تأمير الأمة له فيما وراء ذلك، فقد تجاوز أمهات القيم السياسية الإسلامية، وخالف الشرع من حيث أراد خدمته.

فهو يقول أنها حالة استثنائية ووقعت أثناء الحرب وهذا هو نطاقها ويستشهد بها على قوله العام في الفراغ الكلي.

ولكن ما القول في قطز وما القول في شارل ديجول وإبراهام لينكولن وهؤلاء كانوا عسكريين وتصدوا لسدة الحكم فهل يمكن الادعاء أن أيًا من هولاء القادة العسكريين كانوا لا يملكون الرؤية السياسية ودراية بالواقع والمصلحة؟

**فصل القول:

قام الكاتب خلال مقاله:

* باجتزاء الآيات والأحاديث.

*وضع تفسير للآيات القرآنية والأحاديث يوافق تأصيله الباطل (التأول) وفصلها عن واقعها وأحداثها.
* تحرير مصطلحات شرعية بمخالفة ما أقره أهل السنة والإجماع.
* الاجتهاد دون تحصيل أدوات الاجتهاد بل واتهام الآخر بأنه لا يملكها.

**مما أدى إلى:

* التحريف في عقيدة الجهاد بل وهدمها وإنشاء فكرة مشوهة وتأصيلها.
* استخدام مصطلحات استشراقية كالفقه الإمبراطوري وتلبيسه على الفتوحات الإسلامية.
* مخالفة السنن الكونية بالادعاء أن التغيير لا يحتاج نخبة وإنما يأتي على يد الشعب أولًا، وأنه لا يمكن للقيادة العسكرية التصدي للحكم.

*التناقض التام في داخل كل فقرة، والتناقض بين كل فقرة وسابقتها أو لاحقتها.

* خلط بين حال التمكين وحال الاستضعاف، واستخدام الفقه المقاصدي كأصل.

بل وأكاد أدّعي وأجزم بعدم مراعاة أي سياق زمني وسياسي بين أي من الأدلة والآراء وما نعيشه من واقع، فبصيرته ومن اتبعه فقيرة ولا تعي الواقع ولا تكييفه فكيف لهم بالرأي فيه (الخلط بين فقه الورق وفقه الحركة).

*أخيرًا وليس آخر تلبيس كل هذه المغالطات رداء الحق بشكل إبداعي مخادع، فالمقال يوجد به شيء من الحقائق وشيء من الحق ولكنه حق أريد به باطل، وهذا ما يسميه أهل فن الكتابة الدعاية الرمادية.

وآخر قولنا أن الأخذ بما جاء في المقال من دعوة من عدم اعتبار الكفر مسوغًا للجهاد وأن موادعة الكافرين والعيش بينهم ومعهم في سلام على إطلاقها دون أدنى اعتبار لاختلاف الدين والمعتقد هي الأصل دون أدنى ضوابط بمخالفة الكتاب والسنة والإجماع سوف يؤدي لهدم الدين وقيمته فضلًا عن الجهاد. ويصبح الجهاد بهذا الشكل مسوغًا لإطلاق المصطلح الاستشراقي (التوسع الإمبراطوري) على الفتوحات الإسلامية. ويجرد الجهاد من كل قيمة ومعنى خصها الله به وشرعه من أجلها.

** المصيبة وجود صدى لمثل هذه الجهالة والتضليل والخطل الديني عند كثير من عقلاء الأمة بل والأدهى ويا للأسف هو نشرهم له على أنه منهج ويجب تحصيل ما به من علم.

 

للإطلاع على الجزء الأول

للإطلاع على الجزء الثاني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد