في يوم ٍما كبقية أيامنا التي نعيشها، كانت أفكاري تتزاحم وأنا أنظر إلى مشهد رجل، مسن قد أرهقه الزمن، ينحني؛ لينظف شارعاً، ويزيل الأوساخ عن الطريق، وامرأة تحمل رضيعها وهي تبيع حلوى رخيصة الثمن، وطفلا ترك مدرسته؛ ليعمل في محل نجارة، وفي عمل أكبر من أن يتحمله سنه وقوته؛ وذلك ليعيل أهله ويعين والده في كسب لقمة العيش.

 

 
وفي خضم هـذه المشاهد التي تبعث اليأس وخيبة الامل في بلد يطفو على بحر من الثروات الطبيعية والنفط، انقلب المشهد لأرى نفسي في غرفة اجتماعات مهيبة، متقمصا شخصية رئيس إقليم كوردستان كاك مسعود البرزاني، وأترأس أنا الجلسة مع مسئولي الحكومة والأحزاب المختلفة، ومع أعضاء حزبي وكوادره المهمة، وأرى نفسي أخطب وكأنني فعلاً هو بشحمه ولحمه!
وأسأل قيادات حزبي: أبعد كل هذا النضال والتضحيات من قبلي ومن قبل والدي وعمي، والتي قدمناها لشعبنا ووطننا وأبناء جلدتنا تنبري مجموعة من إخواني، سواء كانوا أقلية أو أغلبية بإتهامي بأنني أسعى للحكم؟

 

 
أيعقل أن أكون أنا كذلك؟ وأنا من قدمت العمر كله رهناً لقضية شعبي، ومجاهدة للحصول على حقوقه الضائعة المسلوبة! هل سعيت فعلا للكرسي، وقد قضيت سنوات حياتي الغضة في الجبال والوهاد والوديان، وفي بلاد الغربة والضياع والتشرد، وتحت مخاطر قصف الطائرات والدبابات والمدافع؟ وبين مخاوف التصفية الجسدية بالرصاص الكاتم للصوت أو السم أو الخنق أو الاختطاف والقتل بأية وسيلة كانت؟ أليس هذا الاتهام لشخصي يعد اتهاماً شنيعاً مؤلماً قاسياً جائراً يراد به باطلاً ؟

1- ألم يبدأ عمي الشيخ أحمد المعارك ضد المحتل، وعمل على إرجاع الحق ونصرة المظلومين والدفاع عن حقهم؟ أليس هو من ابتدأ شرارة الثورة؟

 

 
2- أليس والدي ـ ومنذ بداية شبابه ـ قد قاد المعارك تلو المعارك؛ لنصرة الحق، ودفاعا عن شعبه المظلوم، وشارك ثورة الشيخ محمود الحفيد ضد الانكليز المحتل في محافظة السليمانية؟

 

 
ألم يذهب ـ بعدما قاد مجموعة من البيشمركة الأبطال ـ إلى مهاباد وشارك مع الشيخ الشهيد القاضي محمد في تأسيس وإدارة جمهورية مهاباد سنة 1944م؟ أليس هو من قاد عمليات التحرر من استبداد الحكومات العراقية المتلاحقة منذ زمن عبد الكريم قاسم إلى زمن صدام حسين؟

 

 
ألم ينبع من رحم هذه الحركة جميع الرموز الأخرى والشخصيات العراقية المرموقة مثل الرئيس العراقي الأسبق مام جلال طالباني، والسيد نيشروان مصطفى و غيرهم كثير؟ وبعد كل هذا ألم اخصص كل حياتي و حياة أهلي وأولادي و أقربائي لنصرة شعبي الذي ملكته أمري وقدمت إليهم عمري؟

 

 
وفي الحقيقة إني أرفض كل من يقول أنني هبة إلهية لشعبي، كما أرفض من يريد أن يمحو تاريخي وحلمي الذي هو تحقيق حلم شعبي في الرفعة والسيادة وتملك زمام الأمر بين الشعوب!

أليس الإقليم حاليا يواجه تحديات خطيرة جدا، فالشعب الكردي تحت فكي كماشة الجهل والطمع والتلاعب السياسي الدولي؟ فالكل يتربص بالشعب من الداخل و من خارج العراق، ومن قِبل بعض الأحزاب في سلطة الحكومة العراقية، وبعض المليشيات، ومن قِبل القاعدة وداعش والبعثيين، إلى دول الجوار، وأيضا بعض الأطراف أو فئة من الشعب، الذي فعل : إما لأنه لا يفقه حجم المخاطر والمكائد التي تدار ضد الإقليم، وإما أنه يجاري التيار، ولا يفهمون بأن الاقليم ليس دولة مستقرة، وأنه ليس له كيان ثابت راسخ.

 

 
وكذلك هو ليس دولة كمثل الدول الأوربية؛ لكي نحمل أنفسنا ما لا طاقة لنا به! ونطالب بالمستحيل الذي لا يناسب الوقت الحالي لملابساته الجمة الخطيرة المحرجة التي تتعلق بموازنات القوى العالمية المتنفذة في تحريك مسار الشعوب! فيجب علينا إذن أن نمر بمراحل عديدة مدروسة؛ كي نصل لذلك المستوى من المطالبة والتحدي والإصرار والتنفيذ.

 

 
فها نحن في مرحلة، أحاول أنا شخصياً أن أقود شعبي إلى بر الأمان، وتملك أدوات القوة، وحسن البيان لأستطيع أن أسلم الموروث السياسي بكل ثقة إلى من نتوسم منهم العدل والقوة والكفاءة، لحمل الأمانة والقيام بعبء العمل المتوسم بمنتهى الجدية والرصانة، لكي أترك لهم دفة الحكم لمن ينتخبه الشعب منهم، وأنا مطمئن ومرتاح الضمير بدون أن أترشح من الأساس في وقت يكون عليّ لزام أن أترك الحكم دون أي خسران فيما يتطلع إليه الشعب!

 

 
فنحن في حالة حرب معلنة وغير معلنة ومباشرة وغير مباشرة فبأي منطق يطلبون مني ذلك؟ ولدي مسئولية وطنية وأخلاقية تجاه الوطن والشعب. فالكلام وتلفيق التهم واتهامي جزافا من قبل إخواني في المعارضة لأمر سهل وبسيط، وأتحدى من يأتي إلى سدة الحكم أن يطبق مثلما يدعي الآن! وأن يكونوا حكاماً مثاليين كما هم معارضون مثاليون؟

 

 
نعم أنا أقر وأعترف أن لدينا أخطاء، ولكن التربص بنا والتحديات التي تواجهنا وفي هذه المرحلة بالذات هما أكبر من أن نتشرذم ونتعارك ونتباغض إلى حد لا يصدقه عاقل، فبدلاً من ذلك يجب أن نتكاتف ونتحد ونصرف الجهد؛ لكي نمر منها بسلام ونجتاز المحنة معا يدا بيد دون أي خسران لإنجازات حققناها طوال أعوام مضت، وجهود صرفت وأعمارٍ فنيت وأجيال بنوا علينا الآمال وقدموا من التضحيات أضعاف ما قدمناها نحن!

 

 
وفجأة أفقت من الحلم على صوت رجلين يلقي أحدهما اللوم على الآخر بتجاوز السرعة التي تسببت في أضرار لكليهما، في إعطاب سيارتيهما، وما لبثت الأفكار المتزاحمة في رأسي تبحث عن حل جذري لمشكلة المرور التي أصبحت تتكرر بشكل ملحوظ ويومي، وفجأة شخص ما لا اعرفه أخذ يؤشر تجاهي ويقول: حضرات أعضاء حركة التغيير وأحزاب المعارضة، الكلام الان للأستاذ نوشيروان مصطفى زعيم حركة التغيير، وجمتُ لبرهة!

 

 

 
ثم بدأت القول متحدثاً وأنا كأنني هو؛ الأستاذ نوشيروان زعيم حركة التغيير! أنا الذي بدأ العمل السياسي لنيل حق شعبي وحريته وسني لم يتجاوز العشرين عاماً، وانتميت للحزب الديمقراطي الكردستاني، وأفنيت كل عمري من أجل شعبي وأسست مجموعة رنجدران، وأصبحت أحد مؤسسي الاتحاد الوطني الكوردستاني مع السيد مام جلال، وأنا الذي بعدما احسست بانني مقيد و لا استطيع العمل كما اريد خرجت من الحزب وأسست حركة التغيير؛ لكي أحارب الفساد وأقوم بتغيير شامل نحو الأفضل.

 

 

 

فأنا لا أستسلم أمام أي خطأ يمس الدستور ولا أريد من أي أحد أن يتجاهله حتى لو كان أخي وأقرب الناس اليّ! وأنتم تعلمون أنني لم أسع لأي منصب من المناصب في الحكومة، وخير دليل على هذا هو أنني دفعت بالشباب في الحركة لنيل تلك المناصب الحكومية!

 

 

 

وفي أثناء الاجتماع رفع سيد محمد فرج رئيس أحد أحزاب المعارضة يده وقال: وماذا تقول لنا يا سيد نوشيروان، وأنت سيد العارفين أنا لم نحمل أي سلاح طوال عمرنا، وكان كل همنا هو بناء الوطن ومساعدة الأيتام، و لم نعاد أي شخص أبداً بسبب توجهه أو انتمائه أو تحزبه، وإنما نحن آلينا ألا نهون في القيام ضد الظلم، وضد من يهين هيبة القانون والدستور وتعرضنا لأبشع أنواع العنت والتضييق، رغم أننا لم نطلق رصاصة واحدة، ولم نشارك في الاقتتال الداخلي، ولكن اليوم أصواتنا تهدر وتطمس ويغدر بها، ونحن من نتوجه بكل قلوبنا إلى تحقيق مطالب شعبنا ونرفض الذل والمهانة له!

 

 
وفجأه نظرت إلى الساعه فإذا هي تشير إلى الخامسة عصرا، معلنة بداية نشرة الأخبار التي تناقش مسألة رئاسة الإقليم والتوافق بين الأحزاب، فتوجهت بسيارتي التي لا زلت أدفع أقساطها باتجاه محطة الوقود لأعبئ منها ما يحقق لي عدم توقفها، وفجأة أبت السيارة إلا أن تتوقف في وسط الشارع؛ لأن جهاز ضخ البنزين ( الفيت پمپ) قد توقف، وبينما كنت أهم بالاتصال بالمصلح، إذ بمكالمة من البيت يخبرونني أن الكهرباء الوطنية مقطوعة وصاحب المولدة على الباب يطلب القسط الشهري، ويطالبنا بمستحقات ثلاثة اشهر سابقة، أنهيت الاتصال وملحات أخرى تتسابق إلى ذهني في تنفيذها ومنها قنينة الغاز وبرميل النفط الذي عليّ شراؤه؛ لأن الشتاء قادمٌ وعلى الأبواب.

 

 

 

كذلك احتياجات الأولاد من طعام وملابس وأدوية وغيرها كثير! فأحسست بشبه دوار وصداع، وأنا أتخبط بين هذا وذاك! إذ كيف لي أن أدفع ثمن كل هذه الحاجات الضرورية، وأنا لم احصل على راتبي منذ ثلاثة شهور، فأخذني الغضب مأخذاً وأحسست أنني سأنفجر قهراً وعدم حيلة؟ وصرخت بأعلى صوتي كفى، كفى، كفى!

لقد ضقنا ذرعاً بالكلام والمزايدات والوطنيات، نريد حياة كريمة وعادلة لا أكثر، نريد الأمن والأمان، نريد الكرامة والرفعة، نريد أن نعيش أعزاء، نبني وطننا لا أن ننشغل ونذل بسبب لقمة العيش الشريفة التي هي حقنا في الوجود، وتجود أرض الوطن بها علينا! وفي خضم الصراخ، قمت من حلم طويل يختصر حياة الناس البسطاء في هذا البلد ومعاناتهم اليومية، سجدت لله ودعوته أن يتغمدنا برحمته ويهدينا ويلطف بنا.

الخلاصة:

 

 
و في النهاية أنا لا أقصد أية إهانة أو تجريح لأية شخصية من الشخصيات التي ذكرت، فأنا أكن كل الاحترام والتقدير لكل من السيد مسعود البرزاني والسيد أنوشروان مصطفى ولجميع الشخصيات الأخرى، فلست شخصياً ضد أي شخص في حياتي. ولكني كمواطن يهمني في النهاية أن يحصل كل فرد في وطني على قوته بكرامة، والتي جادت بها أرض الوطن كنعمة معطاء، وأن يعيش كذلك بأمن وأمان وينعم بالعدالة؛ ليخدم بلده ليصل إلى مصاف الشعوب المتقدمة، فالمزايدات والادعاءات التي ليس لها أصل على أرض الواقع لا تفيد تقدماً ولا بناء ولا حياة.

 

 

وكذلك لا يريح من يركض تعباً جدا وخلال ٢٤ساعة للحصول على النفط و البنزين والمولدة والكهرباء! ليعود إلى داره وقد فقد قدرة على الإيمان بالوطن !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, كردستان
عرض التعليقات
تحميل المزيد