بعد أن انقشع غبار الانقلاب، وحدث التقاط للأنفاس، علينا أن ندعو أنصار الشرعية في مصر إلى أخذ الدروس والعبر من انقلاب تركيا الفاشل، بعيدًا عن جلد الذات البارعين فيه، أو التقليل من قدراتهم بأسلوب مهين، لنتساءل ما الذي كان ينقصنا في مصر لإفشال انقلاب 3 يوليو؟

بداية؛ الانقلابات نوعان: انقلاب عسكري كالذي حدث في مصر، وانقلاب مدني (دستوري) كالذي حدث في تونس. الأول أقل خطرًا من الثاني، لأن الانقلابات المدنية لا تظهر عادة على أنها انقلاب! أما الانقلابات العسكرية رغم دمويتها فهي مفضوحة للجميع.

ما حدث في مصر في 3 يوليو برفض الرئيس مرسي «الخروج الآمن» بمخصصات رئيس للجمهورية، ورفض حزب الحرية والعدالة المشاركة في حكومة ما بعد الانقلاب، ورفض الجماهير الرافضة للانقلاب مغادرة الشارع رغم الرصاص، جعل العسكر لا خيار أمامهم إلا الانقلاب العسكري الفج وهو شهادة وفاة هذا الانقلاب، رغم دمويته. ولو قبل الإخوان بالانقلاب لظل العسكر على رأس السلطة ربما 60 عامًا أخرى!

دور الشعب إذن في رفض الانقلابات وكسرها لا يمكن تخطيه أو التسفيه منه أو التشكيك فيه! أما حالة المادية التي أصابت بعض رافضي الانقلاب في مصر من جراء نجاح الأجهزة الأمنية الموالية لأردوغان في صد المحاولة الانقلابية فتتسم بالساذجة وتعبر عن حالة الصدمة التي لا يزال هؤلاء يعيشون فيها!

فرغم أن أردوغان كان يعلم أن معه أكثر من نصف الجيش والقوات الخاصة في الشرطة وجهاز المخابرات الذي كان سببًا في منع اغتيال أردوغان أو اعتقاله، رغم كل ذلك، فقد دعا أردوغان أول ما دعا الشعب إلى النزول وملء الميادين!

صحيح أن أي مواجهة بين الشعب والجيش محسومة لصالح الجيش؛ وأن الدبابة لا يردعها إلا دبابة، والقوة لا تواجه إلا بالقوة، لكن وجود متظاهرين بأعداد كبيرة سيشغل القوات الانقلابية بمواجهتهم، كما سيظهر الرفض الشعبي للمحاولة (قارن بين هذا وتسلم الأيادي).

دبابة امتلكها أردوغان وافتقدها مرسي.. أجهضت الانقلاب!

إذن لا بد لكسر الانقلاب من قوة تحمي الشرعية، وغطاء جماهيري من الشعب، وقد امتلك مؤيدو الشرعية في مصر أحد هذين العاملين وافتقدوا الآخر.

الدرس الذي يجب أن نتعلمه هنا أنه لابد للثوة من أن يكون لها أجهزتها الأمنية الموالية لها والمخلصة للثورة، بعيدًا عن أجهزة الجيش والمخابرات المتآمرة على الشعب.

لقد أثبت الانقلاب العسكري في ‫‏تركيا أن اكتفاء الثوار بإصلاح الجيش المصري خطأ فادح، فبدون أجهزة أمنية موالية للثورة نحن معرضون لانقلاب جديد حتى بعد كسر الانقلاب.

ومن البديهي أن تملُّك هذه الأجهزة في وضع الرئيس مرسي وفي الفترة الزمنية القصيرة التي منحت له كان مستحيلًا! فأردوغان بعد 15 عامًا من الحكم تقريبًا لا يزال يواجه انقلابات عسكرية، ولا يزال يدعو إلى تطهير الجيش التركي، ولا يزال يواجه رفضًا من قطاع داخل الجيش وقطاع من العلمانيين والأكراد. فما بالكم بالرئيس مرسي الذي لم يُمكَّن من شيء، وواجه أقذر معارضة علمانية ومخابراتية شاركت في الانقلاب؟

من يسأل لمَ لمْ يطهر الرئيس مرسي الجيش والشرطة خلال عام، عليه أن يسأل أردوغان، الذي طالب بتطهير الجيش التركي بعد محاولة الانقلاب؛ لمَ لمْ يطهره خلال 15 عامًا؟ هؤلاء يظنون امتلاك القوة مثل طلبات الديليفري!

بعد 15 عامًا من الحكم، تحدث محاولة انقلابية جديدة في تركيا، ليست الأولى وربما لن تكون الأخيرة! محاولة قوية يتورط فيها قادة الجيوش الثاني والثالث والرابع، وقائدا القوات الجوية والبرية، وقائد منطقة حوض المتوسط، والمستشار القانوني لرئيس الأركان، ويتم احتجاز رئيس الأركان، وعضو بالمحكمة الدستورية، والاقتراب من اغتيال أردوغان أو اعتقاله ليس بالأمر الهين!

آلاف القضاة فُصِلوا على خلفية المشاركة في الانقلاب (2745 قاضيًا حتى الآن)، وواضح أن هناك عشرات الآلاف في الجهاز الإداري للدولة متورطون في العملية (هناك أنباء عن 45 ألفًا). لقد آن الأوان فيما يبدو لردغنة تركيا، لتحصينها من أي انقلاب جديد!

أما انقلاب مصر فكان معدًا له، ولم يكن ممكنًا منعه إلا بدبابة وطائرة، امتلكها أردوغان ولم نمتلكها. هكذا ببساطة صدقوني، والباقي تفاصيل. ولو كان الرئيس مرسي في تركيا، والرئيس أردوغان في مصر لما تغيرت النتائج كثيرًا! كان سيحدث غالبًا انقلاب في مصر، وسيفشل غالبًا انقلاب تركيا!

وحين يكون الأمر متعلقًا بالقوة العسكرية وحدها، تكون استمالة العناصر الجيدة في الجيش من الحنكة السياسية. الذين يعيبون على مرسي كلمة «رجالة زي الذهب»، أردوغان أمس قال لهم أنتم جيش محمد!

الخلاصة

الحنكة السياسية مهمة، لكن ماذا تفعل الحنكة في مواجهة الدبابة؟ والأخطاء السياسية يجب تقويمها لكن ما الخطأ الذي كان يمكن أن يردع دبابة؟

هنا سيتبادر سؤال: ولمَ تورطتم في هذا الأمر من الأساس؟ والإجابة في بداية المقال: حتى لا يحدث انقلاب عسكري بشكل دستوري ديمقراطي، عندها يكون الانقلاب قد نجح بالفعل!

لو كان الإخوان يفكرون في أنفسهم لآثروا السلامة، لكن من قال إن الإخوان يفكرون في أنفسهم أولًا؟ السفن أكثر أمانًا على الشاطئ لكنها لم تصنع لذلك!

يجب أن يدفعنا منظر دهس الدبابة لإرادة الناس إلى محاولة حماية هذه الإرادة بدبابة مماثلة، لا أن نستهين بقدرتنا على الحشد واقتناع الناس بمشروعنا وأن نفقد ثقتنا بأنفسنا وأن نظن أن الدبابة فقط هي من تنتصر! فلا غنى لأحد الأمرين عن الآخر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد