عندما تتحاور أو تتفاوض يمكنك أن تتبع إحدى هذه الخطط الثلاث:

1- الخطة العلمية العقلانية

وهي أن تعمل على ربط الفكرة الجديدة التي تريد إثباتها بأفكار علمية أبسط منها يعرفها الشخص الذي تريد إقناعه.  وهي الطريقة التي نحل المسائل الرياضية بها، أو نثبت بها النظريات الفيزيائية الجديدة، أو الطريقة التي تقنع بها أحدًا بشراء منتج بتوضيح مواصفاته الفنية المهمة التي تعلم أنه يفهمها، ويعرف أهميتها وتأثيرها على أداء المنتج.

وتستلزم هذه الطريقة بعض الجهد لتحضير وترتيب خطة الإقناع، واختبار صحتها ومنطقيتها وخلوها من المغالطات المنطقية، كما تستلزم من المتلقي حدًّا أدنى من المعرفة، حتى يمكنه استيعاب ما تقول. فيلزم مثلا قبل أن تقنع شخصًا بنظرية فيزيائية، أن يعرف مستوى معينًا من الرياضيات الذي ستستخدمه لإثبات النظرية له، أو إذا أردت أن تقنعه بجودة حاسب آلي، أن تتأكد أنه يفهم معنى كلمات مثل: معالج، وذاكرة حرة، وميجا بايت، وعلى اطلاع مناسب بالمواصفات المناسبة له.

كلما ضعفت الخلفية العلمية لمن تحاول إقناعه، أو كان منتميا لدائرة معرفية مختلفة وبعيدة، مثل أن تحاول إقناع تلميذ صغير، أو محامٍ بمنتج هندسي، أو طبيب بفكرة فلسفية، أو ملحد بفكرة إسلامية، كلما تطلب ذلك أن تهبط بالأفكار التي تستند إليها، إلى أن تصل إلى دائرة معرفية واسعة مشتركة بينكما يقتنع كلاكما بها، بما قد يصل أحيانا إلى أن تستند إلى الأفكار الأقرب للبدهية أو الفطرية المشتركة بين كل البشر، مثل أن الاثنين أكبر من الواحد، وأن البعيد أبعد من القريب، وأن الظهر يأتي بعد شروق الشمس.

وهذا ما يلجأ إليه عالم الكلام (العلم المختص بدراسة العقائد الإسلامية عقليًّا) لإثبات أفكار مثل وجود الله أو وحدانيته لمن ينتمون لدوائر معرفية لا تؤمن بوجود الله، أو تختلف معنا حول صفاته، حيث يؤدي شدة بُعد واختلاف الدائرتين المعرفيتين بين المسلم والملحد إلى الحاجة للنزول إلى أوسع دائرة معرفية ممكنة، والاستناد للمعلومات البدهية الأولية المشتركة بين كل البشر.

مزايا الخطة العلمية

أنها موضوعية، أي تركز بصورة أساسية على الفكرة المطلوب إثباتها، وأن الإثبات يكون محايدًا، ويمكن تنقيته من المغالطات العقلية ببعض الجهد، وأن الإثبات يظل صالحًا وفعّالًا مع كل البشر، بدون تأثر بمكانهم أو زمانهم أو اختلاف دوائرهم المعرفية، ويمكن لآخرين الاستفادة به، والبناء عليه لإثبات أفكار أخرى أكثر تعقيدًا، أي يصلح كقاعدة للتراكم والثراء المعرفي.

عيوب الخطة العلمية

صعبة، وتحتاج مجهودًا للإعداد والتنقية من المغالطات، وخلفيات معرفية عند المتلقي، أما أهم عيوبها أنها أصلح للاستخدام في إثبات الأفكار الجزئية، أما في الأفكار الكلية، فعادة ما تترك بعض أبواب الشكوك والتساؤلات مفتوحة.

2- الخطة الإيمانية التسليمية

وهي أن تعمل على ربط الفكرة المراد إثباتها بمصدر يحظى بثقة كبيرة وتامة عند من تريد إقناعه. مثل أن تقنع شخصًا بفكرة بأن تستند إلى آية قرآنية، أو إلى صورة منشورة في جريدة عالمية يثق بها، أو لمقولة لشخص مشهور يقتنع ويثق بآرائه، ويسلم له بصحة علمه وأحكامه.
ولا تعتمد هذه الخطة على صحة الفكرة التي تقولها، ولكن على قوة إيمان وثقة من تقنعه بالمصدر الذي تستند إليه، وهي مناسبة مع الأشخاص الذين ينتمون إلى نفس دائرتك المعرفية، حيث تؤمن أنت وهو بنفس المصادر وتثقون بها، أو مع شخص من دائرة معرفية أخرى تعرفها جيدًا، وتعرف المصادر التي تتمتع بثقة وإيمان الآخرين بها.

ولا تحتاج هذه الخطة في من تحاول إقناعه إلى خلفيات علمية معينة، أو سابق معرفة كبيرة بالموضوع الذي تحاول إقناعه به، ولذلك فهي أشهر طرق الإقناع وأكثرها استخداما في المجتمعات الأقل تعليمًا، والتي تميل للابتعاد عن التفكير العلمي.
فنجدها مشهورة جدًّا مثلًا في الإعلام العربي، أو بين الأصدقاء في شبكات التواصل العربية، أو من الدعاة الدينيين، أو عند التسويق لمنتج أو لموضة جديدة بإقناع المشتري أن نجم الكرة الذي يحبه يستخدمه ويرشحه له، أو لحزب سياسي بإقناع الناس أن المفكر الكبير أو رجل الدين المشهور منضم للحزب.

ميزات الخطة الإيمانية التسليمية

سهلة، وتستفيد من الميل الفطري للإنسان للإيمان بثوابت معرفية يستخدمها كمراجع عند الحيرة والشك، وتتناسب أكثر مع طريقة التفكير الأساسية عند البشر وهي الطريقة العاطفية التلقائية، ولا تحتاج لمجهود ضخم، ولا استعدادات خاصة من المتلقي، كما أن أثرها في إحداث الرضا وإغلاق باب الشكوك أقوى من الطريقة العلمية.

عيوب الخطة الإيمانية التسليمية

أنها تصلح فقط مع من هم من نفس دائرتك المعرفية، أو مع من تعرف تمامًا خواص دائرتهم المعرفية، فلا يصلح مثلًا الاستشهاد بآية قرآنية مع شخص غير مسلم، أو الاستشهاد بمقولة لرجل دين من مذهب آخر لا يؤمن به من تحاول أن تقنعه.
أما أهم عيوبها أنها طريقة غير موضوعية، أي أن المعيار فيها ليس صحة الفكرة نفسها، ولكن الثقة بطرف ثالث تستشهد به (كتاب أو شخص أو قناة تليفزيون) ويرتفع فيها جدًّا احتمال الوقوع في المغالطات المنطقية، أي يمكنك ببساطة أن تقنع شخصًا بفكرة واضحة الغلط، لمجرد أنك تستغل ثقته بشخص مشهور، قد لا يكون له أدنى علاقة منطقية بالفكرة، مثل أن تقنع شخصًا بصحة أو خطأ رأي هندسي لأن رجل دين مشهور ذكره في إحدى خطبه (كونه عالمًا بالدين لا يعني أنه يستطيع أن يحكم على صحة الأفكار الهندسية).

2- خطة الرغبات الذاتية

وتعتمد هذه الخطة على ربط الفكرة التي تريد إثباتها بتحقيق الرغبات الشخصية للمتلقي وتوقعاته، أي تقنعه أن ما تقوله له يلبي ويشبع له احتياجًا نفسيًا أو ماديًا، إذًا هو صحيح ومناسب. وهي أشهر طريقة يستعملها الدعاة الصوفيون، أو المسوقون البارعون، أو مروجو ما يسمى عندنا بالتنمية البشرية (أغلبهم مسوقون ومندوبو مبيعات سابقين)، أو جهات التوجيه المعنوي في الدول الشمولية، وتعتمد على معرفة المتلقي معرفة جيدة، وفهم احتياجاته وتوقعاته وأولوياتها.

ولشدة نجاحها يستعملها في عصرنا أغلب الدعاة الدينيين، حتى من المذاهب الإسلامية التي تعادي وتحارب الصوفية علنًا باستمرار، ولكنها تتعلم منها وتستخدم أساليبها في الدعوة.

 
ومن أشهر تطبيقات هذه الخطة في إعلانات بعض شركات إنتاج التليفونات المحمولة، أو شركات تسويق الفنادق والمصائف والعقارات، فنجد أن مسوق عقارات المصائف لا يعتمد على الإقناع بذكر المواصفات الهندسية للمصيف وجودة الموقع والمنشآت والخدمات، ولكن تركز حملة الدعاية على صورة شخص سعيد، أو صورة أسرة بأجسام رشيقة مع أطفالهم الأصحاء يلعبون في الرمال وخلفهم المياه الزرقاء، كنوع من الوعد أنك ستكون سعيدًا ومستمتعًا كهؤلاء. والابتعاد عن أي موضوعية في مناقشة كيف سيتم ذلك.

وتنجح هذه الخطة مع البشر الذين تعرفهم ويعرفونك جيدًا، وتستلزم منك دراستهم بصورة قريبة لفترات مناسبة، وأن يكون لك تأثير جيد عليهم، فمثلا لا تحقق هذه الخطة نجاحًا كبيرًا لشركة مبتدئة أو رجل دين ليس مشهورًا أو من مذهب مختلف، فلا بد أولًا أن يبني علاقة تأثير قوية مع المتلقين، حتى يثقوا في أنه يعرف احتياجاتهم فعلا ويستطيع تلبيتها.

مميزات الخطة الذاتية

قوية جدًّا، وشديدة التأثير، لأنك تعتمد فيها على رغبات وطموحات من تحاول إقناعه، وليس موضوعات علمية خارجية، أو تعتمد على طرف ثالث يصدقه ويثق فيه. ويمكنك بواسطتها إقناع البشر بأي نوع من الأفكار، حتى وإن كنت نفسك ترى أنها غير سليمة أو مناسبة.

عيوب الخطة الذاتية

أكثر خطة يمكن أن تتأثر بالمغالطات المنطقية، وأبعد الخطط عن الموضوعية، فيسهل أن تقنع أشخاصًا بأفكار تعرف أنت أنها خاطئة وغير مناسبة لمجرد معرفتك باحتياجاتهم، ويمكنك أيضًا أن تقنع من يلاحظ أن ما تقوله غير منطقي تمامًا، ولكنه يتغاضى مختارًا عن ذلك، في سبيل توقع تحقيق احتياجاته.
تحتاج لمهارات أو مواهب إقناع وتواصل عالية، وخبرة بمن تحاول إقناعه، ولذا تلجأ الجهات التي تستخدمه لعمل دراسات موسعة عن المستهدفين لإقناعهم بهذه الخطة. لا تأثير لها مع من لا تربطك بهم معرفة وتأثير جيد،كما أنها خطة صعبة، ونسبة المخاطرة بها عالية، وقد تعرضك لفقد ثقة من تخاطبه بها للأبد.

خطة العمل الشاملة

الأنسب دائما – إن كان عملك يعتمد على إقناع الناس بأفكار أو خدمات أو منتجات – أن تتقن وتتدرب على الخطط الثلاث، وتستخدم مزيجا منهم حسب المواقف المختلفة، ولا تعني رغبتك في أن تكون علميًّا أن تكتفي بالخطة العلمية في الإقناع، فجزء مهم من النفس البشرية يرتاح ويطمئن للإيمان، والأمانة تقتضي أن تستخدم معرفتك بطموحات واحتياجات الناس بطريقة أمينة، وأن تراعي وتحافظ على مصالحهم، وتعرض عليهم الأفكار بطريقة حقيقية بإبراز المزايا والعيوب بطريقة متوازنة، فـ”من غش ليس مني” (1)

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

(1) حديث شريف ، صحيح مسلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد