لست هنا في معرض الحديث عن أسباب مجزرة فض رابعة، فالأسباب معلومة والقاتل معروف، ومن ترك الضحايا في قلب الميدان ليواجهوا الموت معروف أيضًا، التساؤل هنا عن ماذا جنينا بعد قتل أكثر من ألف نفس بريئة في الشوارع ظلمًا وعدوانًا، وهل حقًّا تحققت وعود ما قبل المذبحة؟

 محمد علي باشا والمذبحة الأشهر

لماذا لا نتعلم من التاريخ؟ يقال إن التاريخ هو ذاكرة الأمة وضميرها، كذلك فإن الوعي التاريخي هو من أهم الموارد المعرفية لثقافة الحاضر ورؤية المستقبل، وأن أمة لم تستفد من تاريخ تجاربها السابقة ولم تعيه جيدًا ستكرر دائمًا أخطاءها ولو بعد حين.

يحكي لنا التاريخ عن الوالي محمد علي باشا، الذي تولى حكم مصر مطلع القرن التاسع عشر بعد ضغوط شعبية بقيادة عمر مكرم. وما أن لبث في الحكم حتى أزاح معارضيه واحدًا تلو الآخر، ثم ارتكب المجزرة الأبشع بقتله أكثر من 400 مملوك فيما يطلق عليه «مذبحة القلعة» في الأول من مارس لعام 1811، كان المماليك من أسوأ الخصوم السياسيين، فما بين مؤامرات ونقض العهود والتحالف مع الإنجليز، إلا أن التخلص منهم بهذه الطريقة كان أشبه بالجريمة المنكرة التي ترفضها الأعراف ويندى لبشاعتها الجبين. بعدها ساد الخوف والرعب قلوب سكان المحروسة، وما عاد الناس يهتمون لأمر الحكم أو الحاكم؛ ليتحقق لمحمد علي ما أراد، وينفرد تمامًا بالحكم دون معارضة تذكر.

يقول المؤرخون إن أمينة هانم زوجة محمد علي صدمت بما فعل زوجها، وأنها امتنعت عنه حتى ماتت، محمد علي نفسه لم يهنأ بفعلته ولم يرتح ضميره حتى كانت نهايته حزينة، الرجل أصيب بالخرف في سنواته الأخيرة وصار عاجزًا عن إدارة شؤون البلاد حتى عزله ابنه إبراهيم باشا، لتوافيه المنية بعدها بشهور، ولم يحضر جنازته أي من السفراء الغربيين، بل وصفت المراسم بالمتوسطة.

قد يحسب لمحمد علي أنه هو بالفعل مؤسس دولة مصر الحديثة بمؤسساتها الباقية حتى الآن، إلا أنه بارتكابه لهذه المذبحة الوحشية أيضًا مسئول عن قتل روح المشاركة السياسية لدى جموع الشعب المصري، ووئد مبدأ محاسبة الشعب للحاكم بعد أن استفاد منها في تنصيبه واليًا على مصر؛ فصار الشعب المصري بعدها إرثًا لأبناء أسرة محمد علي جيلًا بعد جيل.

مجزرة رابعة والوعود الزائفة

ما قبل أحداث الفض كانت حرب التصريحات مستعرة من كل اتجاه، أتذكر جيدًا كلمات الكاتب الصحفي حلمي النمنم «وزير الثقافة الحالي» في أحد المؤتمرات النقاشية المصورة عن التعديلات الدستورية -قبل مذبحة فض رابعة بأيام قليلة- حين خرج علينا قائلًا: «علينا ألا نكون رومانسيين، لا يوجد شعب أخذ حريته وديمقراطيته بدون دم! في دم نزل ودم هينزل وهينزل». الكلام يبدو مقنعًا، ولكن عفوًا يا سيدي فالتاريخ يخبرنا بأن الدماء لا تأتي إلا بمزيد من الدماء، والمذابح لا تأتي سوى بالطواغيت، ولنا في سيرة محمد علي باشا عبرة وآية.

تسمع حينها من هنا وهناك أن القضاء على الإخوان وفض الاعتصام سيحقق الاستقرار والرخاء الاقتصادي، وأن مليارات الخليج في الطريق، وأن النهضة والحريات والدولة الديمقراطية ستتحقق ربما على أيدي من انقلبوا على الديمقراطية ذاتها منذ أيام. هكذا باعوا الوهم للناس حتى صدقوهم لدرجة جعلت رجل الشارع لا يحزن ولا يتعاطف لمقتل المئات في الشوارع، رجالًا ونساءً وأطفالًا.

ما يزال هذا اليوم المشئوم حاضرًا في ذهني بتفاصيله المحزنة، ما زلت أذكر العنوان الرئيس في جريدة الإندبندنت ذائعة الصيت صبيحة اليوم التالي «إنه يوم العار في مصر»، مشاهد القتل والدمار والدماء المؤلمة، إلا أن مشهدًا واحدًا كان الأكثر حسرة وإيلامًا في النفس، كانت صورة لأكثر من شاحنة تبريد خضار وفاكهة تقف بجوار مشرحة زينهم، لا لشيء إلا لاستيعاب العدد الهائل من الجثث الذي ضاقت به مشرحة زينهم. وقتها أيقنت أن الدماء في مصر أصبحت أرخص من أي شيء فيها.

عندما قال الجنرال: سنتين كمان وهتستغربوا مصر بقت كده إزاي!

مرت ثلاث سنوات، وقد جرى في النهر مياه كثيرة، لا تبدو مصر دولة ديمقراطية مدنية تكفل الحريات، بل إن شئت فقل دولة أمنية تقمع الحريات وتعتقل المعارضين وتكمم الأفواه، يستولي فيها الجيش على النصيب الأكبر من مشاريعها الاقتصادية، كما أنه يقود عبر لواءاته نظامها الإداري، دولة انخفضت فيها قيمة عملتها إلى النصف في وقت قياسي، وتضاعفت أسعار السلع بشكل جنوني، بل وتواجه عجزًا في ميزانيتها يقترب من 12%، جعل الحكومة المصرية تطلب المساعدة المالية العاجلة من صندوق النقد الدولي لإنقاذها من الإفلاس، مستسلمة لكل شروطه وإملاءاته، ولك أن تتخيل معي عزيزي القارئ، دولة تلقت خلال ثلاثة أعوام ما يربو على 20 مليار دولار من المساعدات الخليجية بلا جدوى، هل سيجدي معها نفعًا قرض صندوق النقد الدولي؟ بالطبع سوء الإدارة قد يذهب بنا إلى أبعد من الفشل بكثير، وعلى المواطن المصري أن يتحمل الإجراءات التقشفية القادمة، وليدفع ضريبة الفشل الذريع للقيادة السياسية، هذا هو الحال في مصر بعد ثلاث سنوات لا أكثر من مجزرة الفض، وما تلاها من أحداث.

منذ أيام، سألت صديقي المؤيد بشدة للجنرال، عن القرض الدولي وسعر الدولار والغلاء، وهذا الانهيار الاقتصادي الوشيك، فنظر لي وبدا متأثرًا بشده ثم قال: إنه الحظ العثر يا صديقي. فقلت في نفسي لا والله، إنها لعنة الدماء التي أصابتنا جميعًا. فللدماء لعنة ليس على من يسفكها فقط، وإنما على من فرح ورضي وبرر وأفتى، وحتى من سكت وغض الطرف عنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد