صحيح أن شبكة الإنترنت وفرت بيئة رائعة، وبنية تقنية متطورة لمجتمع إنساني إلكتروني كان مفيدًا جدًّا في التشبيك الاجتماعي والتواصل، وامتدت فوائده إلى الاقتصاد والسياسة والسياحة والعلاج والفضاء… إلخ. وكم التدفق المعرفي والتكنولوجي الذي وفرته في هذه الظروف، نشأت وسائط التواصل الاجتماعي، وجذبت أعدادًا هائلة من المستخدمين، يقضون عدد ساعات كبيرًا جدًا خلال اليوم، ربما يتضمن حتى ساعات العمل! هذه الوسائل أصبحت هي العالم الموازي، فالإشعارات في الفيسبوك مثلًا، والتحديثات المتدفقة على مدار الثانية ليست هي عالمك الحقيقي، كما يقول علماء النفس والاجتماع.

تجربة شهر دون إنترنت أتاحت لنا أن نتفحص هذه المقولة، ونختبر مدى صحتها، على الأقل في شقها المتعلق بوسائل المواصلات الاجتماعية، والنتيجة كانت ملفتة؛ إذ إننا كنا نعيش في ما يمكن أن نطلق عليه البعد الرابع، الذي يتميز بمجموعة من الخصائص، والتي تعمل على إخراجك من تراجيديا الواقع كليًّا أو جزئيًّا، وأول خصائصه أن المحتوى الذي يُعرض عليك في التحديثات الوقتية المتدفقة على مدار الثانية أنت لا تتحكم فيها؛ وبالتالي تصبح عُرضة لصرف اهتمامك وانتباهك لمجموعة موضُوعات تستحوذ على انفعالاتك لأوقات طويلة نسبيًّا، ربما لا تكون في قائمة أولوياتك بل فُرضت عليك فرضًا.

الاستخدام المُكثف للوسيط الاجتماعي في سياق الإشباع المعلوماتي أسس لما يمُكن أن نُطلق عليه الطمع الاستِقصائي والمعرفي وهو؛ السعي الدؤوب وراء كل معلومة جديدة، حتى ولو كانت غير ذات جدوى؛ مما يترتب عليه عدم اكتمال الدورة المعرفية في استلام المعلومة ومعالجتها والتعرض لتأثيراتها؛ وهذا ما يفسر عدم استفادتنا الجِدية من كَمّ ونوع المعلومات المتاح.

وفي السِياق النفسي والصِحي تجد أن معظم التفاعلات الإلكترونية على الإنترنت ربما لا تكون حقيقية؛ لأن الإنسان بطبعه يبحث عن الإطِراء والإعِجاب، وهو ما توافرت بيئته في الإنترنت بصورة صارخة، والفيسبوك أنموذجًا؛ وبالتالي فهو مُجتمع مُزيف، لحظِي، استعراضي، لدرجة لا تستطيع أن تقاربُه بتجمعات حقيقية على أرض الواقع؛ ومن هنا نستطيع أن نفرِق بوضوح بين الواقعِي والافتراضي.

أيضًا واحدة من أهم الخصائص التي يمكن ملاحظتها هي أيديولوجية الوسيلة؛ وهي فكره قديمة متجددة تقول بأيديولوجية الوسائل عمومًا، ونظرًا لمجموعة الوسائل الاجتماعية التي نشأت مع وجود الإنترنت فإن لديها أيديولوجية بلا شك؛ وهي مجموعة القواعد المنظمة والحاكمة لتفاعلات وتعاملات الأفراد في هذه الوسيلة أو تلك، واستخدام هذه المنظومة على المدى الطويل، ونقلها من الافتراض إلى الواقع يؤثر في نمط التعامل الاجتماعي الطبيعي، وربما يفرز خللًا فيه.
إن 30 يومًا بِلا إنترنت تُوفر لك أوقاتًا حقيقية للعائلة والأصدقاء، تختلف عن تلك التي كنت تقضيها على المنصات الاجتماعية في الشكل والمضمون بكل وضوح؛ إذ تستطيع أن ترى أن مشكلة الإنترنت الرئيسة تتمثل في أنه يصنع مجتمعًا إلكترونيًّا أقل واقعيةٍ، مقابل المجتمع الحقيقي ذي الوسط والمُحيط الحقيقي، أما المجتمع الإلكتروني فهو يتيح لك وسطًا بحسب برمجيات الذكاء الاصطناعي، وأنت تصنع محيطًا بحسب رغباتك وتمنياتك التي ربما لا تكون واقعية ابتداءً؛ ليصبح التحصيل النهائي هو مُجتمع مُزيف ووهَم كبير.

إن شهرًا بدون إنترنت يعني شيئًا أشبه بأن تكون متصوفًا وزاهدًا في بريق الحياة، ولكن هنا الزهد بالتأكيد في منصات الشبكة العنكبوتية، والاحتفاء بروحك أكثر، كما أن العيش بلا إنترنت يجعل يومك أطول، وأكثر تناغمًا وانسجامًا مع إيقاع الحياة الاجتماعي، والاقتصادي الحقيقي.

إن أثمن ما يُمكن أن تُلاحظ وجوده في ظل عدم وجود إنترنت هو ذاتك، فضلًا عن عامل الزمن الذي ربما تعتقد بأنه يتمدد ويزيد خارج منظومة الشبكة السريعة جدًا، على الصعيد الشخصي أستطيع أن أقرر بكل ثقة بأن الحياة دون إنترنت أجمل.
إذا ما سُئلت يومًا عن الإنترنت وعدمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد