عمر الحمدي
عمر الحمديالحمدي

822

تخيل أنك قررت أن تكتب مقالة دسمة في موقع «ساسة بوست» أو أي موقع آخر، ترسل المقالة، تُراجع، تُنشر، ثم … «بوووم» تصبح ذائعة الصيت في أيامٍ قليلة، تنتشر كالنار في الحطب، تصبح حديث «المفسبكين والمغردين»، يصل إليها ملايين البشر، وأنت تقف مذهولًا أمام ما حدث، لم تكن تتخيل أن تنتشر هذا الانتشار الواسع الذي من الممكن أن ينقلك من قائمة الـناس العاديين إلى قائمة الأثرياء.

الفرصة تأتي في العمر مرة

هذا ما قالته كاتبة المقالة التي لخصت تجربتها بعد ذلك في مقالة نشرت في «inc.com»، لقد بدأت القصة بعد موت زوجها وبحثها عن وسائل أخرى تساعدها في تدبير مصاريف الحياة، لذا بدأت في الكتابة المدفوعة، مقالات تنشر في بعض المواقع المشهورة مقابل 15 دولار، ثم كانت على موعد مع أقدار الله التي غيرت حياتها إلى الأبد، فقد كتبت مقالة بعنوان «13 شيء لا يفعله الأشخاص الأصحاء نفسيًا» في إحدى المواقع، تلك المقالة انتشرت بشكل واسع، وقرأها الملايين خلال أيام معدودة، ثم بعد ذلك حولت حياتها المهنية وأصبحت ثرية تكسب دخلًا سنويًا مكونًا من 7 أرقام.

الانتشار الفيروسي

قبل عدة أشهر، نشر صديقي فيديو في فيسبوك، كان لطفلة تعزف بشكل مذهل على آلة القانون الموسيقية، ذهب لينام، ثم عاد، وإذا بالفيديو قد شاهده مليون شخص، وحقق عشرات الآلاف من المشاركات، أما التعليقات فلم يعد قادرًا على متابعتها أو الرد عليها، وقف مذهولًا أمام حجم الانتشار والتفاعل، كيف وصل لهذا العدد، وليس في عدّاد متابعيه سوى عدد قليل من الأشخاص.

إنه الانتشار الفيروسي في العالم الرقمي، قد تكتب شيئًا أو تنشر رابطًا، فيصبح حديث الناس في الشبكات الاجتماعية، بنقرة زر بسيطة يصل إلى العشرات، ثم نقرات متتابعة ومركبة على هذا الزر العجيب المسمى بـمشاركة، يصل للمئات، ثم الآلاف، وهكذا تصبح شبكة واسعة متشعبة حتى يصل إلى مليون أو 10 مليون إنسان على هذا الكرة الأرضية في ساعات أو أيام.

شيء مخيف! أليس كذلك، لكنه فرصة لأن يصبح الإنسان مشهورًا في غمضة عين، لأن يصبح الفقير غنيًا بدون جهد، لكن من جهة الأخرى؛ الأمر ليس سهلًا، الصعوبة تكمن في إشعال الشعلة الأولى وسط كومة القش، ليس بإمكان أي محتوى عادي أن يشعلها، أنت بحاجة لشيء مميز فعلًا، لمادة استثنائية حقًا، حتى تنطلق وتشق طريقها بين صفحات المستخدمين.

نعود لقصة المقالة

تقول Amy Morin، كاتبة المقالة: كنت كلما أقوم بإعادة تحميل الصفحة Refresh، يزيد عداد القراءات بـ 10 آلاف قارئ، علمت أنها فرصة قد لا تتكرر، وأنه يجب علي اتخاذ الخطوة التالية، أن أستثمر هذا الانتشار الفيروسي وأستفيد منه.

كانت أول خطوة قامت بها هي تحويل تلك المقالة إلى كتاب، لقد تلقت الكثير من رسائل الشكر والعرفان بعد كتابة المقالة، طلبات لمقابلات ودعوات للكتابة، كانت إحدى الرسائل من وكالة متخصصة في النشر تقترح عليها تأليف كتاب في نفس الموضوع، ووعد بالتنسيق لها بالنشر في إحدى كبريات شركات النشر، لذا فقد عكفت على الكتابة طيلة الأسابيع التالية، وبعد أشهر معدودة تم نشر الكتاب، ثم ذاع صيته واشتهر اسمه.

كان يجب عليها أن «تعافر» أو كما عبرت عنه بـhustle، تواصلت مع المشاهير الذين نشروا مقالتها في صفحاتهم، بدأت بنشر اسمها وحساباتها الاجتماعية، كتبت عدة مقالات في عدة مواقع وصحف مشهورة، ثم ألفت الكتاب وتم نشره، لكنها لم تتوقف، أنشأت «كورس» تدريبيًا في الصحة النفسية والعقلية، قدمت خدمات استشارية للشركات والمؤسسات، تحدثت في عدة برامج إذاعية وتلفزيونية، كان كل نشاط يؤدي إلى التالي، ثم هي الآن تستعد لنشر كتابها الثاني.

عندما أتت الفرصة، كانت مستعدة

الفرصة قد تأتي في لحظة غير متوقعة، لكن يجب أن يكون الشخص مستعدًا لها، وقبل ذلك، يجب أن تكون هنالك بنية تحتية قادرة على حملها، إيمي لم تكن كاتبة متخصصة، لكنها في الأصل معالجة نفسية ومحاضرة أكاديمية، لقد كتبت المقالة عن خبرة عميقة بهذا المجال، لم تكن مجرد مقالة عادية مجمعة من أفكار الآخرين، كان يقف خلفها معرفة حقيقية، لكنها أحسنت تبسيط العلم الذي قد لا يفهمه العامة، وقدمته في قالب بسيط ومشوق.

عملت إيمي بكد بعد ذلك الانتشار الواسع للمقالة، مضت في تلك الطُرق التي فُتِحَت أمامها، لم يكن المضي فيها سهلًا، الكثير منا ربما تُفتح أمامهم العديد من الأبواب، لكنهم يفضلون كنباتهم المريحة، يفضلون تضييع أوقاتهم فيما لا يوصل لشيء، عبر أروقة تلك الشبكات الاجتماعية وفي دهاليز يوتيوب الغائرة، وعندما يشاهدون نجاح أحدهم، يمتعضون ويقولون: ياله من محظوظ.

في خضم هذا العالم الرقمي المفتوح، نحن نرى فقط قمم الجبال، نرى نجاح الناجين وجوائز الفائزين، لا نعرف كم تعبوا وسهروا، كم هي مرات الفشل التي مروا بها، لم نشاهدهم وهم يمضون في مشوار تعليمهم، ولم نراقبهم وهم يصقلون موهبتهم، فقط نرى النتائج الختامية، تلك النتائج التي تشعرنا بالإحباط، وأفضل حل لمكافحته، هو أن تصرف النظر عن كل ذلك، وتنطلق في صنع مستقبلك بجد وكفاح، أن تستمر في التعلم والعمل، وربما في أحد الأيام، يتقاطع خط كفاحك مع خط الحظ، فتبتسم لك الدنيا، وتبدأ في قطف الثمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك