(1)

 

كان (علي بن أبي طالب) – رضي الله عنه- بعد مقتل الخليفة الثالث أمام مسارين أو اختيارين اثنين لا ثالث لهما:
الأول: عدم الموافقة على البيعة، وعندها سيبقى وضع المدينة كما هو بل ربما ازداد سوءًا وهو المتوقع بشدة؛ فيعيث هؤلاء العابثون في الأرض فسادًا وقتلاً للناس، هذا بالإضافة إلى انقسام المسلمين وتفرق كلمتهم، وهذا ما يخافه العقلاء وأهل الإِيمان.

الثاني: قبول الخلافة والرضا بالأمر الواقع وذلك من أجل: إعادة الثقة والطمأنينة إلى نفوس المسلمين، وإقرار الأمن وإعطاء الهيبة للخلافة، ومن ثم تطبيق منهج الله في الأرض.

ومع أنه – رضي الله عنه- كان على يقين بأن السير في المسار الثاني أمر فيه مشقة كبيرة وعناء شديد؛ فهو – حتى وهو الخليفة- لن يستطيع إقامة الحدود على الجناة والتحقيق معهم إلا بعد مرور مدة، ريثما يستتب الوضع، ويتمكن الحكم، وتستعيد الخلافة هيبتها، وهذا ما لن يدركه فئة من الناس؛ وسيظلون يطالبون بالقصاص، وهو غير قادر عليه، ويسألونه إقامة الحدود على القتلة وهو غير مستطيع؛ إذ ما تزال المدينة في مجملها بأيدي أولئك القتلة، ولا بد قبل ذلك من إخراجهم وتوزيعهم في الأمصار، وتفريق كلمتهم!

ومن جانب آخر كان يدرك أن عددًا من الصحابة سينظرون للأمر “بنظرة مثالية” بعيدة بعض الشيء عن الواقعية وسيرفضون البيعة، ولكنه – وهو الذي لا يخشى في الله لومة لائم ولا يعرف المداهنة في الحق- لم يجعل ذلك الرفض يوقفه، فاضطر إلى ترك بعض الرافضين في مقابل الارتكان في أخذ البيعة الشرعية إلى بعض رجال الشورى الذين ينظر إليهم الناس ويميلون إليهم كـ(طلحة) و(الزبير) – رضي الله عنهما-،إضافة إلى الجموع الغالبة من جمهور المسلمين، ورأى استمهال إقامة الحدود ريثما تتاح الفرصة – ظنًا منه أن الناس سيتفهمون هذا-، ذلك أن إعادة الأمن والنظام وإقامة الخلافة واجب شرعي أكثر أهمية وأولوية.

ونتيجة لكل هذا، قبِل الخلافة بعد إصرار الناس عليه وبعد أن تمنع عنها ورفضها؛ فهو الزاهد فيها وفي الدنيا جميعها.

 

 

وقَدَّر الله له أن يحمل عبء المرحلة – التي لعلها الأشد والأقسى فيما مر على الأمة- فكان لها حتى النَّفَسِ الأخير.

 

(2)

 

ذلك وقد حاول أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) – رضي الله عنه- أن يثني كلا من سادتنا أم المؤمنين (عائشة) والمبشَّريْن بالجنة (طلحة والزبير) – رضي الله عنهم أجمعين- بأن يرجعوا من الكوفة وقد خرجوا في محاولة لإجراء القصاص على بعض المعروفين من قتلة (عثمان) – رضي الله عنه-؛ فلما رفضوا في البداية ذكَّرَهُم مفاوضهم ورسول الخليفة إليهم (القعقاع بن عمرو) – رضي الله عنه- بأنهم لما لم يصبروا، وذهبوا بأنفسهم للقصاص من قتلة (عثمان) – رضي الله عنه-، واستطاعوا قتل أحدهم وهو (حكيم بن جبلة) خرجت لهم قبيلته بكاملها تعصبا له، يعني أغمدوا سيفًا واحدًا فقام لهم ستة آلاف سيف!

هنا اقتنعوا بحجته، لما انتبهوا إلى أنه يرى ما لا يرون.

وأدرك الجميع أنه لم يؤخر القصاص من ضعف ولا تخاذل!

 

(3)

أما خال المؤمنين كاتب الوحي ووالي الشام (معاوية بن أبي سفيان) – رضي الله عنه- فقد خرج على الخليفة الشرعي (علي بن أبي طالب) – رضي الله عنه- لأنه رأى وفق اجتهاده أنه ما كان للخليفة الذي بيده مقاليد الأمور أن يتهاون أو يتخاذل في القصاص من القاتلين المخربين المفسدين، ورفض إعطاءه البيعة حتى يقتص منهم، وقاتله في سبيل ما يؤمن أنه الصواب!

 

ثم مرت الأيام المليئة بأحداث عظام جسام، واستشهد (علي) – رضي الله عنه- وآلت الخلافة إلى ابنه (الحسن بن علي) – رضي الله عنه-، ثم تنازل سيد شباب الجنة الخليفة الخامس عن الخلافة لأمير الشام (معاوية) – رضي الله عنه- والذي ما طلبها قط ولا سعى إليها في حياة (علي) – رضي الله عنه-، وذلك برضا وإجماع من الصحابة الذين لا يجتمعون على باطل.

وهنا، بات الأمر كله في يد الخليفة السادس (معاوية بن أبي سفيان) – رضي الله عنه-. صارت في يده مقاليد أمور الدولة الإسلامية بأسرها، وأصبح في مقدوره أن يفعل ما كان يطالب به الحاكم الشرعي عندما كان في جبهة المعارضة.

ولكن، إذا به – وهو الذي لم يباره في عهده أحد في الحكمة وحسن الإدارة- يُعْرِضُ مرغمًا عن كثير من القاتلين! ذلك أنه قد تكشف له وقتها ما لم يكن يرى، وتبدى له ساعتئذ ما لم يعذر فيه (عليًّا) – رضي الله عنه-!

 

(4)

أما عن الأتباع المخلصين، الأغبياء، فحدث ولا حرج!

فإن أكثر ما عانى منه الخليفة الرابع (علي بن أبي طالب) – رضي الله عنه- هو أفعال المهتزين قليلي الفهم والإدراك من أتباعه، أولئك الذين تغلب عاطفتهم تفكيرهم، ويتقدم إخلاصُهم على فقههم، فكانوا وبالاً عليه وعلى الأمة كلها من بعده.

فبعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من النصر على طائفة (معاوية) – رضي الله عنه- وحَسْمِ الأمر وترسيخ دعائم الأمة ووحدتها، إذا بهم يتعاطفون – بحسهم الديني المرهف- مع رفع الخصوم للمصاحف مطالبين بالتحكيم. فأنى لهم قتالَ من يرفع المصاحف على أسنة السيوف والرماح؟!

فانظر إلى عجيب صنعهم!

في البدء ضغطوا على الخليفة لوقف القتال وقبول التحكيم حتى قَبِل برأيهم مرغمًا خوف انتشار الفتنة بين أتباعه، ثم هم أنفسهم بعد أن تم التحكيم خرجوا يشتكون لا من نتيجته، بل من المبدأ نفسه: كيف يحكِّم الرجال في دين الله؟!

ولما بارزهم بالحجة مرة وبارزهم (ابن عباس) – رضي الله عنه- مرة أخرى وأظهرا لهم ركاكة منطقهم وسطحية تفكيرهم رجع منهم خلق كثير، لكن بقيت منهم قلة (شديدة الإخلاص وعديمة الفقه)، فكان نتيجة تسرعها في إصدار الأحكام بلا فقه أن تطور بهم الأمر إلى تكفير أمير المؤمنين! ثم تكفير المسلمين الذين يتبعونه! ثم استحلال دماء المسلمين بعد تكفيرهم، مع ترك اليهود والنصارى؛ ذلك أن أولئك من أهل الذمة، بينما الكفار (الخليفة وأتباعه) ليس لهم في دين الله ذمة!!!

ثم لما قاتلهم الخليفة الشرعي – الذي ما فعل إلا بعد أن عاثوا في الأرض فسادًا وروعوا المسلمين وسفكوا دماءهم- قاموا بالتآمر عليه وقتله وهم يظنون أنهم يتقربون بهذا إلى الله!

وكم عانت الأمة من ويلات سلاح الإخلاص عندما لا يجد يدًا فقيهة توجهه إلى العدو بدلاً من أن تنغمد في صدر الصديق!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد