أدركت شهرزاد قيمة الصمت فغزلته في حكاياها تمامًا مثل حديثها، كانت تسكت عن الكلام المباح كلما أدركها الصباح، تتقي غضبًا لا تعلم مداه بسلاح الحيلة والشوق، والذي لولاه ما بقيت على قيد الحياة، إلى هذا الحد قد يصبح الصمت فضيلة، إلى الحد الذي يفصل بين الحياة والموت. رغم ذلك، تكاد تلك الفضيلة أن تنسى تمامًا في عالم يحثنا كل دقيقة على الحديث والتعبير والإفضاء بشتى الطرق والوسائل. كل يقف ملوحًا على حائطه الفيسبوكي أو منبره التويتري أو غيرها من منابر عصر المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعي مجتهدًا في الحديث والتعبير. ليس أن التعبير في حد ذاته نقيصة، ولكن الحديث الدائم هو الذي لا يعد من الفضائل.

كثيرًا ما تساءلت كلما استخدمت إحدى وسائل التواصل الاجتماعي عن سبب واضح  لهذا الإفراط، تارة أفكر فيه كوسيلة للتشويش على شيء ما، تارة أظن أن المسألة تتعلق بمجتمعاتنا العربية وعرفها في الكتمان الذي لم نأل جهدًا في التحرر منه ما إن وجدنا متنفسًا للحديث، ثم خطر في بالي أن المسألة قد تتعلق بالتعبير، اعتقادنا الدائم أن الحديث أولى في التعبير وأن الصمت سمة الانطوائيين أو الجبناء والغامضين، لذا بحثت عن أمثلة كان الصمت فيها أهم من الكلام والفعل، وخلصت لقائمة من أربعة كتب وفيلم كل منها يرى الصمت من منظور التواصل وليس العكس.

الهدوء: قوة الانطوائيين في عالم لا يتوقف عن الكلام

تتناول سوزان كين في هذا الكتاب النمط الانطوائي وإشكالية توجه المجتمع نحو الأشخاص الانطوائيين باعتبارهم يعانون من عيب ما يجب التعامل معه وتغييره. بينما تطرح وجهة نظر مغايرة مبنية على تجربتها الشخصية وكذلك عددًا من المشاهدات والدراسات العلمية والتي تثبت أن الانطوائية هي نتاج تنوع طبيعي في الأنماط الشخصية تمامًا كالنمط الانفتاحي، وكلاهما يخضع لكثير من التأثيرات كعوامل الوراثة والسمات الشخصية وظروف البيئة المحيطة. وتنتقد كين محاولات العالم الحديث المتمثلة في نظمه الاجتماعية في تصدير صورة سلبية عن الأشخاص الانطوائيين في مقابل تصوير النمط الانفتاحي أو الاجتماعي على أنه النمط الطبيعي والغاية التي لا بد للكل من الطموح لها ومحاولة تحقيقها، مشيرة إلى تداعيات مثل هذا التوجه على المجتمعات المعاصرة خاصة أن كلا النمطين له نقاط ضعفه وقوته التي ينفرد بها وتؤهله للتفاعل بشكل خاص مع محيطه والإنتاج فيه. إن هذا الكتاب رغم عدم تعامله مع الصمت بشكل خاص، إلا أن قراءته تعد ملهمة في طرح رؤية مغايرة لطرق التعبير والتواصل وعلاقتها بالصمت والكلام على حد سواء.

رجال في الشمس لغسان كنفاني

الصمت هنا تعبير عن الأمل والألم في آن، فالرواية التي تحكي قصة ثلاثة فلسطينيين حاولوا عبور الحدود من البصرة للكويت طمعًا في حياة أفضل، يموتون تحت أشعة الشمس الحارقة وهم مختبئون في خزان دون أن يصدروا صوتًا أو يطرقوا جدرانه، بينما سائق الشاحنة يحاول إلهاء موظفي دوريات الطريق. يتركنا كنفاني بعد الانتهاء من القراءة مع السؤال الذي تطرحه الرواية: «لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟» معنى تلك اللحظة التي آثروا فيها الصمت على النجاة. من ناحية قد يأتي الصمت هنا تعبيرًا عن أملهم في العبور رغم كل شيء، رغم مواجهتهم الموت ذاته، ومن ناحية أخرى يحمل الصمت احتمالًا لمعنى خيبة الأمل والخذلان، كفلسطينيين خبروا معنى الاستنجاد سنين طويلة حتى أدركوا أن لا حياة لمن تنادي، وفي كلتا الحالتين يضع الصمت القارئ في مواجهة نفسه، متسائلًا إن كان الأمر سيشغل اهتمامه حقًا بهذا الشكل لو كانوا طرقوا الجدار ولم يتمسكوا بصمتهم حتى النهاية، أم أن خيارهم الوحيد صمت أبدي لا يضاهيه دوي المدافع.

قصة شرق ما لملتون حاطوم

تتناول هذه الرواية حياة عائلة ذات أصول لبنانية في مدينة مناوس بالبرازيل في إطار من تفاعل تلك الأسرة مع عالمهم الجديد وسكانه سلبًا وإيجابًا. الرواية التي تدور في فلك الاستشراق كفكرة قائمة على الاستغلال المبرر بدعاوى نشر التنوير والحضارة، تضم في شخوصها «ثريا آنجلا»، طفلة صغيرة بكماء هي نتاج علاقة غير شرعية بين ابنة إيميلي وأحد السكان الأصليين، والتي رغم بشرتها الخمرية التي تنم عن أصول مختلطة ترفض أمها كشف هوية والدها. في عمرها القصير، تنشأ غير مدركة للرفض المحيط بها من أغلب أعضاء أسرتها، تقضي ساعات طوالًا تراقب الساعة ذات البندول في باحة بيت جدتها، مفتونة بها رغم عدم قدرتها على سماع صوتها المدوي والمفزع أحيانًا.

إن صمت ثريا هو الصورة الأهم في التعبير عن صراع الثقافات الدائر في الرواية، فبراءتها من ناحية وولعها بساعة لا تستطيع سماعها من ناحية أخرى يشير إلى بكارة الأرض التي تنتمي لها في مواجهة تعطش تلك الأرض للتعرف على الآخر وثقافته، كما يشير إلى ولع ساكنيها بحضارة عجوز يفتقرون أدوات قراءتها ومعرفة وجهها الحقيقي. تلك الحضارة التي لا تشير لمكان ما فحسب، بل  لزمن آخر كما يضعها أحد شخوص الرواية: «عندما تغادر مناوس فإنك لا تغادر مكانًا، بل بالأحرى زمنًا».

ملحمة الأوديسة لهومر

لما طال غياب أوديسيوس بطل ملحمة هومر الشهيرة الأوديسة، توافد الخاطبون لبيته من كل صوب وحدب يطلبون يد زوجته، أو كما ظنوا أرملته، بينيلوبي. جرت العادة وقتها على استقبال الخاطبين وإحسان ضيافتهم حتى تعلن العروس عن اختيارها أحدهم. لكن بينيلوبي التي لم تفقد الأمل في عودة إديسيوس ولا تملك من أمرها شيئًا سوى حيلة واسعة، أعطتهم وعدًا بإبداء رأيها فور انتهائها من صنع كفن حماها، فكانت تغزل بالنهار في ساحات القصر ثم تتسلل ليلًا لتنقض ما غزلته، وكان أن ظلت على هذا المنوال أربع سنين حتى اكتشفوا أمرها. لم تصمت بينيلوبي عن الكلام كله، صمتت فقط عن اختيار زوج لا تحبه، كان صمتها ونسيجها الذي بدا وكأنه لن ينتهي أبلغ من الكلام تعبيرًا عن رفضها اتخاذ زوج آخر، ولكنها كعادة زمانهم لم تجد من يستمع لها كما يجب.

ملكة جمال الشمس المشرقة

يتناول الفيلم قصة عائلة ترشحت طفلتهم لخوض مسابقة من مسابقات الجمال حيث تدور غالبية أحداثه خلال رحلتهم للوصول لمقر المسابقة بأحد شواطئ كاليفورنيا. العائلة التي تبدو كمعقل للخيبات بين أب يعمل متحدثًا تحفيزيًا فاشلًا والجد المطرود من دار العجزة لتعاطيه المخدرات وخال حاول الانتحار مؤخرًا، لا يبدو وجود ابن أكبر قطع على نفسه وعدًا بالصمت غريبًا بينها. يعلل الابن أولًا قسمه أنه قرأ لنيتشه في محاولة لإضفاء معنى فلسفي على قراره، ثم لا تلبث أمه أن توضح أنه لم يتحدث لتسعة شهور حتى الآن وأن الأمر مرهون بالتحاقه بمدرسة الطيران والعمل طيارًا ليفي بوعده ويكسر صمته.

خلال الرحلة، تحاول أخته الصغيرة، من باب التسلية، عمل اختبار نظر له، ليكتشف خاله إصابته بعدم قدرته على رؤية الألوان، ما يعني استحالة عمله طيارًا. يحاول دوين القفز من العربة فتتوقف عائلته ليخرج راكضًا ثم ينثني صارخًا  بصورة غاضبة: «تبًا!»، الأمر الذي يظهر طبيعيًا لشخص اكتشف للتو أنه عاجز عن تحقيق حلمه. لكننا عندما نجده يحاول إثناء أخته الصغيرة عن الصعود على خشبة المسرح والأداء خوفًا منه على مشاعرها ورد فعل جمهور لا يرحم، وطلبه سابقًا من خاله ألا ينتحر في نوبة حراسته له، يتضح أن خوفه من الفشل هو دافعه الحقيقي للصمت ودرعه في مواجهة مناخ محموم من الرغبة في الظهور كدليل وحيد على النجاح. إن صدمة دوين لم تكن لاستحالة تنفيذ حلمه، ولكن فشله في تجنب الألم النفسي رغم كل محاولاته إلى الحد الذي دفعه لتجنب حتى الحديث مع من حوله.

إن الصمت ما هو إلا msx مختلف من التواصل الذي يعطي مساحة أوسع للتعبير، ليست أوسع فحسب، بل في كثير من الأحيان أصدق وأكثر شفافية من الكلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد