كانت بدايتي مع القراءة كمعظم أبناء جيلي مع مجال الأطفال التي كانت تمثل لنا المغامرة التي نعيشها في زمن لم يكن قد وجد فيه بعض الهواتف النقالة وقنوات التواصل الاجتماعي فكانت القراءة هي المتعة الوحيدة التي تتيح لنا مقابلة أناس من دول أخرى وعيش مغامرات لم يسمح لنا القدر أن نكون جزءً منها.

كنت أحب المجلات التي يحضرها أبي إلى المنزل، فأنتظره كل خميس على باب المنزل وهو يحضر مع مجلة (علاء الدين) التي يباع معها أحد شرائط الفيديو لفيلم كارتون جديد ننتظره، وكنت أنا بين علاء الدين في مصر، أو أعداد مجلة (العربي الصغير) التي يحضرها لنا أقاربنا من الكويت في زيارتهم لمصر؛ حتى وجدتها في أحد المرات بالصدفة عند بائع الجرائد، وكنت أقرأ في نغم.

على الجانب الآخر، وعن طريق أقاربي دخل حياتي بطل جديد، ضابط مخابرات عتيق برتبة عميد، يتحدث عدة لغات ويجيد كل أنواع الفنون القتالة والتنكر ويقدم كل ما هو خارق للعادة، بطل يدعى أدهم صبري، كان البطل خيالي حد التعلق به كطفل مازال يحاول أن يتعلم أكثر عن الأبطال، وبمرور الوقت كنت ازداد نضجًا وتزداد الفجوة بيني وبين أدهم صبري، كنت أحلم أن أكون هو ولكني الآن ناضج، أنا أعلم جيدًا أنه شخصية خيالية لم ولن توجد يومًا بهذا الشكل، كنت بحاجة إلى بديل، إلى شخص يشبهني أكثر، كنت بحاجة جدًا إلى منقذ، والذي أتى عن طريق أحد الكتاب يسمى أحمد خالد توفيق.

قدم لي دكتور أحمد خالد توفيق هؤلاء الأبطال على قدم من ذهب، فعبير عبد الرحمن هي من مرحلة عمرية قريبة بي تقريبًا والدكتور رفعت يعيش كل تلك المغامرات، وهو يردد دائمًا أنه لا يقصد أبدًا أن يكون بها بل أنه يريد السلام لكن المغامرات هي التي تجده والدكتور علاء يجعلنا نتفاعل معه وهو في الكاميرون، هم جميعًا ليسوا أبطالًا خارقين، إنما أشخاص يمكنني أن أكون أحدهم دون قصد، هم مجرد أشخاص ليسوا وسماء على الإطلاق فالدكتور رفعت كبير السن وأصلع وعبير فقيرة الحال، أبطال ليسوا مثاليين كالنموذج الرائع لأدهم صبري رغم كل محبتي له في المرحلة العمرية التي تسبقها مباشرة، الدكتور رفعت هو مدخن شديد النهم للتدخين رغم مساوئه كلها، إلا أنه كان يدخن دائمًا.

قدم لنا أبطال يليقون بعمرنا ويشبهوننا كثيرًا.

(جعل الشباب يقرأون)

كانت فترة صعبة جدًا في حياتي بعد فترة كنت أظن أن الحياة قد طابت لي وبدأت في الاستقرار إلا أن حالة وفاة لأحد أقاربي المقربين صغير السن، تلاها رحيل الخالة، والكثير والكثير من الضغوط النفسية، أصبحت لا أجد مهربًا، ولا منفذ والحياة تضيق، أحب فتاة تعيش في دولة أخرى ويفصلنا بحر وجواز سفر وبحكم الدراسة لا نستطيع أن نتحدث في أي وقت نريده عبر الهاتف، ولكننا نتساند لنهون على بعضنا البعض، لا أريدها أن تحمل هم مشاكلي فيكفي غربتها ويكفي جدًا أنها تبذل قصارى جهدها لتكون معي، ولكن الرياح تأتي دائمًا بما لا تشتهي السفن فحالة وفاة عندها هي أيضًا تلاها بعض التخبطات في الحياة جعلت الدنيا أصعب وأصعب.

والحياة تتخبط فلا ندري كيف سنخرج من المحنة، ولكننا نعلم أننا سنخرج منها أشخاصًا مختلفين تمامًا عن ما قبلها، تذكرت حينها مقولة لدكتور أحمد تقول: في حياة كل إنسان لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها، حاولنا الصمود قدر المستطاع، ولكننا لم ننجح كانت الأسباب عديدة أدت في النهاية إلى الانفصال.

كنت أحبها بصدق، أكثر بكثير مما تعلم هي وكانت تفعل هذا – أعتقد – ولكني تذكرت أن الحب وحده لا يكفي وتذكرت مقولة أخرى له أعتقد أنها وجدت مبررًا كافيًا للانفصال.

قلت لها: إن الناس يجب ألا تتزوج إلا لكي تأتي للعالم بمن هو أفضل، طفل أجمل منك، أغنى منك، أقوى منك. ما جدوى أن يتزوّج الشّقاء من التّعاسة؟ الهباب من الطّين؟ ما الجديد الّذي سنقدّمه للعالم سوى المزيد من البؤس؟

بعد أن افترقنا أنا وهي وذهب كل منا في اتجاه، وكأية علاقة غرامية تقليدية كان للحنين دور عظيم، كان يتلاعب بي مرارًا وتكرارًا وكنت في حيرة من أمري يجذبني الحنين للعودة ويمنعني العقل من الاستمرار والأمور تزداد تعقيدًا فلا حيلة لي في أمري ولا معلومة لدي عما يجب أن أفعل وفي محاولات بائسة للعودة باءت جميعها بالفشل زادت الأمور تعقيدًا والنفسية سوءً، ثم تذكرت مقولة له تقول: الحل الوحيد للمشاكل النفسية هو: لا تكن عاطلًا.. لا تكن وحيدًا. فعملت بها، وقد كان.

مر عام أو يزيد، تذكرت الأمر وإن لم أنسه، وكانت أموري غير مستقرة حينها، والمستقبل يبدو لي محاطًا بالغيوم، وبالتأكيد لم أكن لأخاطر بأن أصطحب أحدًا معي في رحلة مجهولة الطريق والنتائج جاء بخاطري على الفور جملة أخرى له كان يقول فيها: صدقيني.. سيأتي يوم تشكرينني فيه على أنني لم أبذل جهدًا للاحتفاظ بك!

كنت في معرض الكتاب منذ عامين مع اثنين من الأصدقاء نجوب كعادتنا في المعرض، ويبحث كل منا عن كاتبه المفضل، أو كتاب قد أتى لأجله، وكنا ثلاثتنا لم نلتق منذ زمن، ووجدنا في إحدى دور النشر ثلاثية الأعمال الكاملة لأحمد خالد توفيق، ودون تفكير قررنا أن نشتريها تخليدًا للذكرى وحبًا في الكاتب الذي نحبه ونجتمع ثلاثتنا عليه أيًا كان ذوقنا، وقررنا أن يأخذ كل واحد منا جزءً، ونلتقي كل فترة لنتبادل الأجزاء.

اختلفت الأذواق واختلف الشباب واجتمع الجميع عليه، أحبنا فأحببناه، وخصص لنا وقته وعلمه، وكان هو رفيق أحلامنا وطفولتنا، وخلق لنا أبطالًا يشبهوننا، وأكسبنا معلومات لولاه ما وصلت إلينا، وما بحثنا عنها، كان يجيد دس العلم في العسل؛ فكون جيلًا كاملًا، فوداعًا وسلامًا طيبًا، وإن كان من هم مثلك لا يغيبون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد