المشهد 1

بعد يوم دراسي طويل , يتمدد على فناء أحد المدارس العتيقة , القميص فقد بعض أجزائه , ووجه الصبي ما زال يحمل آثار المعركة , يحيط به بعض من الأصدقاء المشردين , الولد لا يبكي رغم انكساره , الآخرون يضحكون بهستيريا , ويذكرونه وأمه بكل خير, هو يحب أمه بالتأكيد، لكنه لم يعد قادرا على تحمل المزيد من الضرب, لا ذنب لهذا المسكين سوي طيبته المبالغ فيها, طيبته التى جعلته مسخا وسط أقرانه يفعلون به ما يحلو لهم.

يتحرك أحدهم تجاه زميلنا الممدد على الأرض, يمسك بحقيبته التى القيت بجواره ويشير بيده إلى بركة ماء عفن قد استقرت فى جانب الفناء ليحدد المكان الذي سيستقر فيه مجهود الصبى طوال ثلاثة أشهر من الدراسة.

وعلى غير المتوقع يصرخ الولد ” يا عم حرام , الشنطة فيها كتاب دين ! ” , قالها وتمنى لو ابتلعته الأرض, تمنى لو أنقذه “كتاب الدين” هذه المرة.
ينظر حامل الحقيبة إلى رفاقه , يعض على شفتيه متململا ثم يلقيها مرة أخرى بجانب الولد, يقترب من أذنه ليهمس ” متجيبهوش المرة الجاية يا روح أمك “. يرحل الجميع و يبقى الولد ممددا على التراب يتذكر تلك الآية التى قرأها مع أبيه ذات يوم :

 
” وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ( 22)” لا يدري هل توافق الآية هذا الموقف أم لا , لكن حسبه أنه سيعود لمنزله الآن وسيحمد الله على ذلك كثيرا !

 

مشهد 2

ضوء ساطع وسط الغرفة, أربعة أشخاص يلتفون حولها وقد نامت علي سرير يتوسطهم, يتناول أحدهم مشرط الجراحة ويشير بيده الأخرى إليها كي تهدأ من روعها, تأخذ نفسا عميقا وتكتمه بينما الطبيب يشق طريقه عبر بطنها, هذه المرة هي تشعر بالخوف لا الألم, فالأول يبدو أن لا سلطان عليه، والثاني يكفيه بضع ملليجرامات من المخدر, ربما تشعر بالخوف من أن تفقد ولدها كما فقدته مرتين قبل ذلك, كلتا المرتين اكتفى بقضاء تسعة أشهر برفقتها ثم يرحل فى هدوء.

حسب قول الاطباء هذه فرصتها الاخيرة كي تنجب , فحالتها الصحية لا تسمح بتكرار التجربة, فرصتها الأخيرة أمام أعين الناس التى لا ترحم ولسانهم الذى لا يستريح, وأمام أهل زوجها الذين لن يدخروا جهدا فى التفريق بينها وبينه إن لم تنجب له ذرية تحمل اسمه, لا تريد من الله سوي أن يكون بجانبها هذه المرة, أن يرزقها بمن يعينها على الحياة.

تفكر فى هذا كله وقد غابت عن الغرفة بمن فيها للحظات, يرتد اليها بصرها لوهلة, الطبيب يمسك شيئا ما بكلتا يديه, يبكي الشئ فتبستم, ينظر اليها الطبيب فيجدها تهمس فى هدوء:

” وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ”

مشهد 3

الليلة الأخيرة قبل بدء امتحانات الثانوية العامة , تجلس على سريرها وتبدأ فى ترتيل بضع آيات من القران, تقرأ سورة يس, هي تحب تلك السورة وترتلها كلما أحست بضيق الموقف كما أوصتها أمها المتوفية منذ زمن, آية تلو أخرى وصفحة تدفع صاحبتها حتى انتهت السورة, كانت تقرأ بعينيها فقط فى واقع الأمر.
كان ذهنها فى عالم آخر, يدور فيه أسئلة حائرة, هل ستحقق ما تمنت هذا العام, يحالفها الحظ وتجد نتيجة لمجهود شهور طويلة ثقيلة, المخيف فى الأمر إدراكها أن الدراسة جزء من الحياة, والحياة يحكمها القدر لا المنطق, قد تجتهد ولا توفق لسبب لا تعلمه, فما العمل حينها؟

 

 

هل يقف القدر فى صفها فتصبح طبيبة كما رغبت أمها, هل يعفو الله عما كان منها من أخطاء, أم يعاقبها على سوء عملها الآن وفى هذا الموقف بالذات؟

الله غفور, الله رحيم, وهى فى أشد الحاجة لكليهما الآن , فقط تجتاز هذه المرحلة من الحياة بخير وسيصبح كل شئ على ما يرام , لا يعقل أن يتخلى عنها الله حين تحتاجه , وأن لا تجد طريقه حين تسعى إليه, كان معها حتى وإن تركته فكيف يتركها الآن!

تضع المصحف بجوار أوراق المذاكرة , تمسك ببعضها تقلبهم حتى تقع عينيها على بداية صفحة ما وقد كتبت فيها ذات يوم :
” أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ”

مشهد 4

 
داخل أروقة أحد المساجد , يفترش جمع من الناس الأرض , متحلقين أحد الأعمدة الضخمة , يجلس وسطهم رجل بعمامة بيضاء وجواره اثنين – شاب و شيخ – قد مدوا بإيديهم أمامه ليتصافحوا .

 

 

يوجه الشيخ حديثه إلى الشاب قائلا : ردد ورائي “إنى استخرت الله تعالى وطلبت منك أن تزوجنى ابنتك وموكلتك على كتاب الله وسنة رسوله ”
يردد الشاب ثم يلتفت المأذون إلى الشيخ يخبره بكلمات إن أتمهن يكمل عقد قران ابنته الوحيدة, لتنتقل بهذا من بيته إلى بيت زوجها ليكملا الدرب سويا, كل ما يتمناه الشيخ لابنته فى هذه اللحظة أن تكون قد أحسنت الاختيار, أن تكون قد فازت بمن هو أفضل منه كثيرا , قد يغار منه حينها، لكن يكفيه أن يطمئن عليها بصحبة من على هذه الشاكلة. هى الأقرب إلى قلبه فى هذه الدنيا, أحبها حتى أودع فيها من روحه الكثير, ومن ثم أودعها الخالق كي يحفظها ويتم عليها سعادة الدنيا والأخرة, حسبه أن يكافؤه الله فيها ولعله يسمع منه فيستجيب .

ينتهى المأذون من عمله , يدعو للعروسين بالبركة وطيب العيش , يقوم الأب ليسلم على زوج ابنته يشد على كلتا يديه , و يهمس فى أذنه أن ” رفقا بالقوارير”

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, الله, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد