“كل بن آدم خطّاء” ليست مجرد كلمات إنما توجيه لظنون الناس للحسنى، ودعوة للنظر في نفسك قبل التفرغ للانشغال بتصحيح الناس، كما أن العبارة تحمل في طياتها أمرًا للواحد منا أن ارفق بحال أخيك المخطئ فأنت ولا شك ستكون مكانه يومًا تبحث عمن يرفق بك.

إحسان التعامل مع المخطئين من أرقى درجات الرقي التي نحتاجها اليوم في مجتمعاتنا، ولا يتعارض ذلك مع إنكار المنكر، فأنت بالتأكيد ترى الخطأ أنه خطأ وتنكره ولكن القضية التي نعول عليها، هي كيف تحسن التعامل مع صاحب الخطأ.

ولما كان النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – هو المعلم وكان من صفات الأولاد والطلاب القصور والخطأ وجب السؤال هنا: كيف تعامل النبي مع أخطاء من حوله، وتجيب عن هذا التساؤل السيدة عائشة في أثرها الشهير.

تقول عائشة – رضي الله عنها –: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله).

النبي الكريم جسد أروع الأمثلة في التعامل مع المخطئين من المسلمين، بأساليب مختلفة استطاع صلى الله عليه وسلم في كل مرة أن يكسب المخطئ في صفه ويقنعه بأنه مخطئ دون المساس بكرامته أو تحميله ما لا يطيق، وفيما يلي بعض غيض من فيض في هديه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المخطئين.

1- الإقناع

عن أبي أمامة قال: إن فتىً شابًا أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا مه مه! فقال: اِدنُه، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس. قال أتحبُّه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال أتحبُّه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال أتحبُّه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال أتحبُّه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. صححه الألباني.

فرق كبير بين تعامل النبي مع الفتى وتعامل من حضر الموقف معه، تعاملهم هو أشبه ما يكون بتعاملنا نحن مع المخطئين، لكن النبي استخدم الأسلوب الذي يصلح مع هذا الشاب ليبعده عن “الفاحشة” التي جاء في طلبها، فاختار النبي الإقناع، فمن المؤكد أن الدافع الذي دفع الفتى ليأتي لأطهر الناس على الأرض طالبًا منه رخصة بأن يصنع الفحشاء، لن يقيمه الزجر والعنف، فاختار له النبي الإقناع واختار له أن يضعه في موضع الناس فيرى الأمر من زاويتهم، فعرض الأمر على أهله فرفضه الفتى رفضًا وكأنه لم يأت منذ هنيهة طالبًا إياه، ثم في آخر الأمر دعا له بالطهارة والتحصين وهما ما يحتاج إليهما فعلًا.

2- التأنيب دون إسراف

عن واصل الأحدب عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حُلة وعلى غلامه حُلة، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلًا فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر! أعيرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية، إخوانكم حولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم).

أبو ذر أحد الصحابة العظام الذين ورد في شأنهم أحاديث كثيرة تبين أفضالهم وأنصحك بأن تقرأ في سيرة الرجل فستتعجب من تقواه وورعه، أخطأ وعاير الرجل بأمه وقيل أن الرجل هو بلال بن رباح، وقيل أنه قال له يا بن السوداء، وهذه عنصرية مقيتة أبى رسول الله أن تكون بين أصحابه، فعاتب الرسول أبا ذر ولكن عتاب في أربع كلمات لأنه – صلى الله عليه وسلم – يعلم أن تلك الأربع تكفي أبا ذر ليراجع موقفه، فقال له: “إنك امرؤٌ فيك جاهلية” ومن منهم في ذلك العهد النبوي يحب أن تكون فيه صفات الجاهلية؟ ثم قدم النبي النصيحة بوجه عام في باقي الحديث، ولولا تأثير تأنيب النبي على أبي ذر لما ساوى بين نفسه وبين غلامه كما هو موضح في الرواية.

3- التلميح بالغضب

وبعض المخطئين تكفيه النظرة ليعلم أنه أحدث أمرًا، يكفيه التلميح بالضيق ليعاتب نفسه فتجده يأتي لك معتذرًا، لكن العجيب الذي يدهش العقول هو تلميح النبي هنا فقد كان ابتسامة! ألقاها في وجه كعب بن مالك بعد أن تخلف عن غزوة تبوك، ابتسامة كانت كافية أن يشعر منها كعب أن النبي غاضب منه، فهو يحكي القصة فيقول وهو يروي القصة كاملة لكننا سنستعرض الشاهد فحسب:

فجئته – صلى الله عليه وسلم – فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال (تعال). فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي (ما خلّفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟). فقلت بلى إني والله – يا رسول الله – لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلًا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك).

في حكاية كعب بن مالك للقصة مواطن كثيرة توضح لك أنهم كانوا بشرًا مثلنا أنصحك بالعودة لها، علم النبي أن كعبًا أخطأ وعلم كعب من تبسم النبي أنه غاضب، وهذا كان كافيًا لكعب حتى يأتي بالصدق بين يدي رسول الله، والنبي ما نهره حتى لما علم أنه تخلف دون عذر بل ما زاد أن قال “قم حتى يقضي الله فيك”.

4- التأنيب المازح

قصة الصحابي الشاب خوّات بن جبير

روى الطبراني عن خوَّات بن جبير –رضي الله عنه – قال: نزلنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مَرَّ الظهران – اسمه اليوم وادي فاطمة شمال مكة – قال: فخرجت من خبائي فإذا أنا بنسوة يتحدثن فأعجبنني فرجعت فاستخرجت عَيْبتي – حقيبتي – فاستخرجت منها حُلَّة – بدلة – فلبستها وجئت فجلست معهنَّ، وخرج رسول الله من قبته فقال: أبا عبد الله ما يجلسك معهن؟ فلما رأيت رسول الله هبتُه واختلطتُ – أي ارتبكت وخلطت الصواب بالخطأ – قلت: يا رسول الله جمل لي شرد فأنا أبتغي له قيدًا – أي: ضاع جملي فأنا أبحث عنه – فمضى واتبعته، فألقى إليَّ رداءه ودخل الأراك كأني أنظر إلى بياض متنه – ظهره – في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره – أو قال: يقطر من لحيته على صدره – فقال: أبا عبد الله ما فعل شِرَاد جملك؟ ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟

 

فلمَّا رأيت ذلك تعجَّلتُ إلى المدينة واجتنبتُ المسجد والمجالسة إلى النبي. فلمَّا طال ذلك تحيَّنت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فقمت أصلي – لعله وقت الضحى – وخرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من بعض حُجَره فجأة فصلى ركعتين خفيفتين وطوَّلت رجاء أن يذهب ويدعني فقال: طول أبا عبد الله ما شئت أن تطول فلستُ قائمًا حتى تنصرف. فقلت في نفسي: والله لأعتذرنَّ إلى رسول الله ولأبرئن صدره، فلما قال: السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شراد ذلك الجمل؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلم – يعني نفسه أنه لم يرتكب معصية منذ أسلم – فقال: رحمك الله رحمك الله رحمك الله، ثم لم يعد لشيء مما كان.

التعامل النبوي حكيم لأقصى درجة خاصة مع الشباب لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الشباب، هنا هو يعلم أن خوّات كذب ويعلم أنه أخطأ ومع ذلك لم يواجهه بخطئه بل كفاه من ذلك أن يمازحه كلما رآه فيشعر خوات بالتأنيب فيعترف بخطئه وهذا هو المراد أن يعترف المخطئ بخطئه ولا يعود إليه.

الوقت الذي تمضيه في البحث عن أخطاء الناس وتصيدها هو عمر تهدره، والإساءة إلى المخطئ لن تحسن فيك أنت شيئًا ولن تجعلك أفضل منه، الإحسان ما كان في شيء إلا زانه، فزين تعاملك مع المخطئين بالإحسان فهم أحوج ما يكونون إلى الرفق واللين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد