“هؤلاء الذين يبغضون الديمقراطية نادرًا ما يهاجرون إلى دولة مستبدّة متسلّطة، إذا ما اضطروا لذلك.”
الناشط السياسي المعارض للنظام الصيني “جو شونج”

 

(1)

 

اعتصرني الألم الشديد وأنا أرى الملايين من جموع المصريين يَخرجون في تظاهرات حاشدة ضدّ نظام الرئيس السابق حسني مبارك، وأنا بعيد عنهم بآلاف الكيلومترات في بلد تكاد درجة حرارتها تصل إلى 25 درجة تحت الصفر في هذا الشهر من العام.

اختلطت برأسي أحاسيس شتّى؛ منها الشعور بالخوف على باقي أسرتي في مصر؛ منها الإحساس بالفخر وجموع المصريين تحاول أن تَسطر تاريخًا جديدًا لهذه الأمة التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ؛ منها أيضًا الشعور بالغيرة والحَسرة معًا لأنني لم أكن متواجدًا في ميدان التحرير آنذاك. ولم أعرف حتى اللحظة أيًّا من هذه المشاعر غَلبت على الأخرى، ولكنني حاولت تعويض غيابي الجَسدي بالسفر من مدينة إلى أخرى للمشاركة في مسيرة تظاهر بالعاصمة السويدية ستوكهولم، شاركت فيها كافة الجنسيات تعاضدّا مع المظاهرات التي نَشبت في كافة أرجاء ربوع مصر المحروسة.

“يالا يالا مبارك سكافالا”، هكذا ردّدت الهتاف السويدي الموازي لـ “يسقط يسقط حسني مبارك” مع غيري في التظاهرة التي بدأت من أكبر ميادين العاصمة ستوكهولم حتى مقرّ السفارة المصرية هناك، وأنا أحمل ابني الذي لم يتعدّ عامه الثالث بَعد على كَتفي، وشعور الزهو بكوني مصريًا يكاد يَعصف بيّ لأول مرة في حياتي. وعندما سَمعت مثل غيري من المواطنين المصريين بالغربة خطاب تنحّي مبارك الذي تلاه عمر سليمان، اقشعر بدني بشدّة وأنا أرى زوجتي تبكي فرحًا في مشهد مهيب تَصعب على الكلمات وصفه!

ستُصبح إرادة الشعب وكلمته منذ الآن فصاعدًا فوق الجميع؛ لن نَرى أو نَسمع عن كوارث مثل حادثة احتراق قطار الصعيد أو غَرق العبارة بعد الآن؛ سيتم القضاء المُبرم على ظواهر “قوارب الموت” والهجرة غير الشرعية؛ لن نَرى إعلامًا يصطف حول الرئيس أيًّا كان بعد الآن؛ لن ننتَظر طويلاً حتى نَرى مصر في مصاف الدول الديمقراطية ذات الاقتصاد القوي.

لن تُكمّم الأفواه أو يتم استضعاف الشعب بعد الآن؛ ستُجرى إعادة هيكلة وزارة الداخلية لتُصبح بحق “في خدمة الشعب”؛ سيظلان “الشعب والجيش” يدًا واحدًا في مواجهة الظلم والطغيان وإعادة بناء البلاد. كل ذلك وأكثر دار في رأسي وكيف لا والشعب هو من فَرض كلمته وحقّقت ثورته السلمية مبتغاها وهدفها الرئيسي: “تغيير النظام”!

وبعد أربعة أعوام “عجاف” على ثورة 25 يناير 2011، تخلّلها ثورة شعبية أخرى في 30 يونيو 2013، عَرفت كم كُنت غرًّا ساذجًا مُسرفًا في أحلامي وتُرهاتي؛ فالشعب عمره ما كان من أولويات النظام، أي نظام!

(2)

إذا ما سألت متظاهرًا بسيطًا محدود التعليم عن سبب تظاهره، غالبًا ما سيكون الشق الاقتصادي الأفضل محور اهتمامه؛ فهو يريد حياة كريمة له ولأبنائه لا يضطر معها إلى العمل بأكثر من وظيفة يتلقى عليها حفنة من الجنيهات لا تَكفي لسّد احتياجاته حتى آخر الشهر.

وعلى الجانب الآخر، إذا ما سألت مسؤولاً بالحكومة، أي حكومة من الحكومات السابقة، عن اقتراحه لسبب تظاهر العمال أو الموظّفين أو المواطنين بوجه عام، غالبًا لن يَخرج تفكيره عن واحدًا أو أكثر من الأسباب التالية: الجَشع أو عدم الوطنية والإحساس بمشاكل البلد أو انتمائه للإخوان التي تستهدف زعزعة الاستقرار!

وليس سرًا الوضع الاقتصادي المتردي الذي تَعيش فيه البلاد منذ اندلاع ثورة 25 يناير، وكانت الأنظمة المتعاقبة على حُكم البلاد في الفترة السابقة بدءًا من المجلس العسكري مرورًا بالرئيس الأسبق محمد مرسي، وصولاً إلى الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، تلوم “عجلة الإنتاج” المتوقّفة بسبب الاعتصامات الفئوية وغير الفئوية والتظاهرات هنا وهناك، التي أثّرت سلبًا على الاقتصاد، ناهيك عن أن التركة ثقيلة ومديونيات البلاد تقصم الظهر، وغيرها من العلل والحجج!

ويبدو أن جميع من تولّوا حكم البلاد في السنوات الأربع الماضية تناسوا أن أحد مطالب الثورة كان توفير “عَيشًا كريمًا” للمواطنين، وانتشال أكثر من 40 بالمئة من الشعب من تحت خطّ الفقر، وفقًا لأحدث تقارير الأمم المتحدة. وبالتالي فإن المواطنين أرادوا وضعًا أفضل مما كانوا عليه قبل الثورة، وليس حتى مساويًا له، لذا فإن محاولة إلقاء اللوم عليهم دائمًا دون إيجاد حلول لجذب استثمارات إضافية وخلافه من الحلول الناجعة الأخرى على المدى القصير وذلك البعيد لتنشيط الاقتصاد، ما هي إلا تناقض واضح للمطالب التي جاءت بها ثورة يناير!

وفي الوقت الذي تصرّح فيه الحكومات السابقة بأن المواطن محدود الدخل هو الأهم عندها، نجد أن قراراتها تتعارض وبشدّة مع محدودي الدخل هؤلاء؛ فقرار خفض الدعم التدريجي عن السلع والخدمات إلى أن يصل إلى الصفر في القريب العاجل والذي انتهجته حكومة محلب والرئيس السيسي، أسفر عن وصول التضخّم إلى مستويات غير مسبوقة.

وفي النهاية، ازدادت أسعار الوقود والغاز الطبيعي وكذا أسعار الكهرباء والمياه، وأخيرًا أسعار الخضار والأطعمة، ليكون الحلّ اللولبي العظيم الذي ينتهجه المسؤولين المصريين في عدم أكل البامية والطماطم واللحوم وغيرها من السلع “الغالية” والاستعاضة عنها بالبطاطس والصلصة، على حدّ قول اللواء “عاطف يعقوب”، رئيس جهاز حماية المستهلك!

أما عن تشغيل المكيّفات التي تستهلك كهرباء عالية، فيمكن أيضًا استبدالها بـ “فتح الجاكيتات” و”تشغيل المراوح”، حسبما يرى “محمد شاكر” وزير الكهرباء، أو حتى تأجير أحد الأشخاص بمراوح من الريش الناعم للتبريد وترطيب الجو، فحتمًا سيكون سعرهم أرخص من أسعار الكهرباء بعد إلغاء الدعم!

وليكن “الموت البطيء” شعار الحكومة للقضاء على الشعب!

(3)

“عَيش، حرية، عدالة اجتماعية”، ثالوث رفعه المتظاهرون عاليًا ليلخّص معظم مطالبهم في ثورة يناير، على نهج شعار “حرية، إخاء، مساواة” الذي نادت به الثورة الفرنسية قبل قرنين وأكثر من الزمان.

اختار المتظاهرون يوم الخامس والعشرون من شهر يناير الذي يتزامن مع الاحتفال بعيد الشرطة، ليكون صرخة في وجه تجاوزات الشرطة في حقّ المواطنين على مدار عقود من الزمان.

ولن تتأتى “الحرية” و”العدالة الاجتماعية” إلا عند وَضع حد لتجاوزات وانتهاكات جهاز الشرطة، هكذا يَرى المتظاهرون. اللواء حبيب العادلي وضبّاطه مسؤولون عن مقتل “خالد سعيد” الذي يراه البعض أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع ثورة يناير، لذا كان مطلب “إعادة هيكلة” وزارة الداخلية ضرورة ضدّ من اعتبرها البعض الذراع الطويلة للنظام المصري لتثبيت وتوطيد أركانه وزرع الخوف في نفوس المواطنين!

بطبيعة الحال، وزارة الداخلية شأنها شأن أي مؤسّسة أخرى في العالم بها سلبيات وإيجابيات، وكان كل ما يطلبه المتظاهرون القضاء على السلبيات وتعزيز الإيجابيات، ومحاكمة رموزها الذين نكّلوا بالمصريين كثيرًا. ولكن، بعد أربعة أعوام، خَرجت تلك الرموز حرة دون مساءلة، ولم تنتهِ تجاوزات الشرطة في حقّ المواطنين أيضًا!

نعم، بعد أربعة أعوام، لازالت الشرطة تقتل المتظاهرين السلميين مثلما حَدث مع شيماء الصبّاغ، ولازالت تردّ الردود نفسها بأنها تستخدم الخرطوش فقط ولا يوجد عندها قنّاصة وتتحلّى بضبط النَفس إلى أبعد الحدود، وإذا ما تجرّأت وسيلة إعلامية على نَقد الأداء الشُرَطي أو فضح الانتهاكات، يتم تقديم بلاغات للنائب العام ضدّ الصحافة والصحفيين بغية إرهابهم وتكميم الأفواه، مثلما حَدث مؤخّرًا مع مؤسسة المصري اليوم التي نَشرت ملفًا ضد الشرطة بعنوان “ثقوب في البدلة الميري”!

الطريف في الأمر أن نيابات جنوب وشرق وغرب وشمال ووسط القاهرة وعدد من المحافظات الأخرى تحت إشراف النائب العام قد كَشفت قبل تحقيق المصري اليوم عن وجود مخالفات خطيرة داخل غرف الحجز بالأقسام؛ تمثّلت في كثرة عدد المتهمين بما لا يتناسب مع مساحات تلك الغُرف بالإضافة إلى سوء الإضاءة والتهوية، ووجود دورات مياه “غير آدمية” وتعطّل التكييفات بالأقسام ومنع دخول الأدوية وسوء التهوية وغيرها من المخالفات الجسيمة!

ولكن، ستظلّ الشرطة في خدمة الشَعب… الموزمبيقي دون شك!

(4)

لم تَقم ثورة يناير بطبيعة الحال ضدّ الإعلام ورموزه “المتعفّنة” في حدّ ذاتهم، ولكن إذا ما ذُكر على الملأ شعارات مثل القضاء على الفساد وإسقاط النظام، فلابد أن يتم القصاص من أولئك “المطبّلين” للنظام والذين يتقاضى بعضهم شهريًا مليونًا وربما مليونين من الجنيهات نظير كتابة مقالات تمجّد في حكمة سيادة الرئيس و”طشّة الملوخية” و”ليه بنحبك يا ريس”، وجَعل مصر وأخبارها الصحفية تتمحور حول الرئيس وعائلته!

نعم “سمّم” الإعلام القومي المملوك للدولة حياة المصريين البسطاء لعقود من الزمان، من خلال تزييف الحقائق و”تلميع” النظام ورجاله، ما جَعل من أولويات الثورة القضاء على هذه الظاهرة!

ولكن، بعد أربعة أعوام على ثورة يناير، سيطر “الصوت الواحد” على المشهد الإعلامي في مصر، وعادت الأمور أسوأ مما كانت عليه أيام مبارك؛ فرجال ونساء الرئيس السابق في المؤسّسات الإعلامية نجحوا في “التحوّر” والتعايش مع كافة الأنظمة التي جاءت بعدها. بمعنى آخر، تحوّل من كان ضدّ الثورة و”خالد سعيد” و”وائل غنيم” أيام مبارك إلى التمجيد بأسمائهم بعد “نجاح” الثورة الوقتي، ثم تحوّلوا إلى الوقوف مع المجلس العسكري ثم التحيّز للإخوان قبل الانقلاب عليهم وأخيرًا الوقوف في صفّ الرئيس السيسي!

ومع إغلاق العديد من المنابر الإعلامية التي تهاجم الجيش المصري عقب ثورة 30 يونيو الشعبية، فضلاً عن تضييق الخناق على بعض الإعلاميين الذين حاولوا انتهاج منهج محايد نسبيًا في برامجهم مثل ريم ماجد ويسري فودة ودينا عبد الرحمن، ناهيك عن إيقاف برنامج باسم يوسف الذي ينقد فيه الأوضاع السياسية بالبلاد، بات الإعلام المصري كله، بشقيه القومي والخاص، بل والحزبي أيضًا، يَصطف حول الرئيس السيسي وسياساته، وقلما نَرى على الشاشات أو الصحف أو أي وسيلة إعلامية أخرى نَقدًا لسياسات الرئيس، وإن من الممكن انتقاد حكومته على أية حال، وفي أضيق الحدود!

لازال الإعلام المصري بعيدًا عن المواطن العادي؛ فإن كانت اهتمامات الأخير تتعارض مع النظام ورموزه، فإن الأولى مراعاة مصلحة النظام على ما عداها. ومع كل نظام من الأنظمة التي تَلت ثورة يناير، تظلّ تتردد شعارات على شاكلة لا مساس بحرية الإعلام ولن يتم إغلاق قناة أو صحيفة أو يتم التحرّش بالصحفيين وخلافه، إلا أن الواقع أكثر دراماتيكية؛ فالتدخّلات الرقابية على الصحف والقنوات التلفزيونية على أشدّها، كما لازال الدستور الأخير الذي صُدر في يناير 2014 يحتوي على بعض المواد التي تُجيز الحبس في بعض قضايا النَشر والإبداع، ناهيك عن تجاهل المادة الخاصة التي تجيز حق الصحفيين في الحصول على المعلومات وعدم وَضع ميثاق شَرف إعلامي يَكفل حرية الإعلام حتى الآن!

وياريت يتم التخلّص من جميع من ينتقد السيسي، “ونرتاح علشان نشوف مصلحة البَلد،” على حد قول الإعلامي “تامر أمين”!

(5)

هناك دون شك العديد من العوامل الأخرى التي سَاهمت في تأجيج مشاعر الغضب بين متظاهري ثورة 25 يناير، منها الفساد بمظاهره المختلفة وشراء السلطة بالمال، وعدم وجود مناخ ديمقراطي سياسي بالمعنى المتعارف عليه، وتآكل ما يُسمى بظاهرة التسامح الديني بين عنصري الأمة: المسيحيين والمسلمين وهو ما كان يميّز مصر قبل عقود سابقة، ما يَستلزم معه تجديد الخطاب الديني لمواجهة تطرّفات العصر.

كل تلك الآفات مجتمعة، لازالت تهيمن على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر حاليًا، أي بعد مرور أربع سنوات على ثورة 25 يناير المجيدة. المطلب الأساسي للثورة وهو “تغيير النظام” لم يتحقّق للأسف؛ فبرغم تنحي مبارك وتسليمه السلطة للمجلس العسكري ثم من بعده تولي الرئيسين مرسي والسيسي، الحكم، على الترتيب، إلا أن نظام مبارك لازال يَنخر في عظام الأمة بكل فساده وتداعياته؛ مبارك الأب حر طليق دون أي محاسبة، وأبناؤه علاء وجمال براءة كذلك من كافة التهم المنسوبة إليهما.

بل إن جمال شوهد مؤخّرًا يزور منطقة الأهرامات ويأخذ الصور التذكارية مع الجميع. ورغم الحُكم الأخير بالسجن ثلاثة أعوام لمبارك وأربعة أعوام لابنيه في قضية “القصور الرئاسية” وتغريمهم جميعًا 125 مليون جنيه، إلا أنه لازال هناك مرحلة “النقض” على الحكم، أي قد يستغرق الأمر شهورًا إن لم يكن أعوامًا أخرى من الانتظار لمعرفة مصير آل مبارك!

أما رموز الثورة والمدافعين عنها، فإما محبوسون لأعوام طويلة يَعلم الله متى يَخرجون مثل أحمد ماهر أو علاء عبد الفتاح، أو معتزلين العمل السياسي بأكمله؛ فلا نكاد نَسمع شيئًا عن وائل غنيم أو أسماء محفوظ أو عمرو حمزاوي!

في النهاية، أدرك جيدًا أن الثورات والتغيّرات الاجتماعية تأخذ وقتًا طويلاً حتى يتم جَني ثمارها؛ فالثورة الفرنسية أتت بديكتاتور آخر مثل نابليون بونابرت قبل التحوّل نحو المسار الديمقراطي، وكذا استغرق الأمر أكثر من قرنين من الزمان على كتابة الدستور الأمريكي ليتولّى سُدّة الحكم رئيسًا أسود اللون، رغم أن الدستور كان يَنصّ على المساواة بين المواطنين جميعًا!

لذا، ورغم كل شيء، لازلت متفائلاً وأرى بصيص الضوء في نهاية النفق المظلم، ولو “عايز تنتحر؟…براحتك، بس افتكر إن الحياة حلوة” وفقًا لأحدث الحملات الإعلانية غير المفهومة بالإسكندرية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد