يقول دِعبِل الخزاعي

أَلْقَى عَصَاهُ وَأَرْخَى مِنْ عِمَامَتِهِ  وَقَالَ: ضَيْفٌ، فَقُلْتُ: الشَّيْبُ؟ قالَ: أَجَلْ

فَقُلْتُ: أَخْطَأتَ دَارَ الْحَيِّ، قَالَ: وَلِمْ؟  مَضَتْ لَكَ الْأَرْبَعُونَ الْوُفْرُ، ثُمَّ نَزَلْ

فَمَا شَجِيتُ بِشَيْءٍ مَا شَجِيتُ بِهِ كَأَنَّمَا اعْتَمَّ مِنْهُ مَفْرِقِي بِجَبَل

بين تقلبات السنين وقف حائرًا على أطلال عمره المنصرم ،يقلب في كتاب ذكريات أيامه الماضيه يستذكر حلوها ومرّها، ويمر شريط عمره أمام عينيه وكأنّه يُشاهد فيلمًا مليئًا بالدراما والأكشن والرومانسية؛ خليط بين هَذَا وذاك كلّها اجتمعت معًا لتشكل هَذَا العُمر الراحل. هَل كان علَى صواب؟ هل أخطأ بحق أحدهم؟ هل حقق ما كان يصبو إليه؟ هكذا جلس لما بلغ الأربعين من عمره، وهو يستذكر قول اللَّه عز وجل: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).

أخذ يتفكر بهذه الآية. لما خص اللَّه عمر الأربعين في القرآن؟ ولما لم يَخُص غيرَه، العشرين أو الثلاثين، لم الأربعين بالتحديد؟ تساؤلات وخواطر تختلج في داخله، لا يوجد لها إجابات؛ لأنه لم يكن يعطي أهمية للسنين من العُمر، فهو كان في قمة الشّباب وأخذ منه العمل والحياة مأخذهما حتى كاد أن ينسى أنه بدأ يتقدّم في السن. ثقلت أحماله ومعها جسده المنهك من كثرة العدو في الحَيَاة، ليسابق الأيام، ويخطف ما يستطيع من نَصِيب له فيها. فهو يقف على أعتاب حقبة جديدة من عمره لا يعلم كم سيمكث فيها؟ هو كمن ينتظر قطار الأيام في محطة عمره لا يعلم أتكون رحلته الأخيرة أم أنه سيمكث ينتظر طويلًا ليعمر ما طاله الخراب من أيّام الصبا والشباب. هل سيعيش ليصلح ذات بينه، أم أنه سيلاقي أجله سريعًا دون أن يفعل شيئًا غير الانتظار والترقب؟ استوقفه قول اللَّه عز وجل وبدأ يبحث عن أهمية هذه الآية، وماذا تعني؟ ولم خصت هَذَا العُمر بالتحديد؟   

يقول ابن كثير: وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أي تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه. ويُقال إنه لا يتغير غالبًا عما يكون عليه ابن الأربعين. وأغلب الأنبياء بعثوا بعد سن الأربعين، حتى نبينا محمد بعث بعد الأربعين من عمره.

ولا تدل الآية الكريمة على أن سن الأربعين هو سن العِقَاب والثواب من اللَّه عز وجل؛ بل على العكس دلّت الآية علَى تمام العقل ونضوجه ووصوله إلى ذروته في التّفكير والتفكر ووزن الأمور ووضعها في نصابها الصحيح؛ لأن من بلغ الأربعين عامًا من عمره، هو بالتأكيد قد مرت به الكثير من التجارب في حياته، ففي الأربعين يكون الإنسان بين مرحلة الشّباب ومرحلة المشيب، فَهُو يفهم الاثنان في هذا العُمر، أي أنه يسْتَطيع التّفكير بمستوى مَن هُم أقل منه سنًا، ومَن هم أكبر منه؛ لأنه خاض أغلب تجارب الحَيَاة، وعاصر أناسًا كثيرين، ومرَّت عليْه أحداث كثيرة، ومواقف إما سمعها أو شهدها بنفسه.

يقول الكاتب أمين عطا اللَّه في كتابه: إلى صديقي بمناسبة بلوغه سن الأربعين، إذا كانت فترة الشّباب فترة تعلم للحكمة، فبعد الأربعين هو وقت ممارستها. وفي هذا العمر وقفة ومراجعة طبيعية يمر بها كل إنسان، ونحتاج في هذا العمر لترتيب كثير من الأشياء المتعلقة بنا، فأغلب الظن يَكُون الواحد منّا قد أستقر نفسيًا وأسريًا ومهنيًا، فينبغي أن يَكُون هذا العُمر بداية حقيقية للإنتاج والعطاء.

وفي هذا العمر يكون الإنسان أكثر منطقية وعقلانية في تعاطيه للحياة، ليس كما كان في شبابه تتحكم فيه العاطفة. وفيه من الضروري جدًا أن لا يتهاون المرء في تنظيم سلوكه الغذائي، فهو يحتاج للطاقة، فكما أسلفنا أنه يعيش مرحلة عطاء وعليه أن يمارس الرياضة غير المجهدة، مثل المشي لمدة نصف ساعة يوميًا. ومن المهم جدًا أن يقوم الأربعيني بالتسجيل والتوثيق الكتابي للمعارف التِي يكتسبها، والآراء الَتِي يؤمن بها، وهذا يشبع حاجته في تفريغ طاقاته الإبداعية، ويغطي الفجوة الكبيرة التي نعيشها في وطننا العربي بضعف التواصل وتبادل الخبرات والعزوف عن الكتابة الذي أثر سلبًا في ثقافتنا في التخطيط لحياتنا. ولابد أن نعي أن كل فترات العمر مهمة ومتميزة، ويمكن، بل تستحق أن نفرد لها مساحة من الاهتمام.

الأربعين: هي غاية النُضج والرشد، وفيها تكتمل القوى وجميع الطاقات، وتهيئ الإنسان للتدبر والتفكر بأمور الحياة وما بعد الحَيَاة، فهو سن النُضج واكتمال القوّة العقلية والجسدية، لكن ليس بعد الكمال، إلا النقص، وليس بعد الشّباب وبلوغ الأشد إلا الشيخوخة والوهن والشيب. على الإنسان في هذا العُمر أن يجتمع مع الأحباب ويغدق عليهم من حبه؛فها هو خريف عمره قد أذبل أوراق الأيام وأصفر لونها، ولم يبق لها إلا قليل حتى تقتلعها رياح الموت وتذهب بها دون رجعه. 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد