إنه مساء الخميس 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 اشعر بالتعب الشديد والإرهاق؛ عدت توًا من رحلة جميلة كانت ممتعة ومجهده في آن واحد، رحلة غريبة عبر دروب المكان ومراحل الزمان هنا آلة الزمن السطور، والصفحات والكلمات والحروف. صحبت في هذه الرحلة مبدعة ومرشدة عظيمه تعرفونها جميعًا وتعرفون اسم أشهر إبداعاتها قواعد العشق الأربعون، إنها النادرة العجيبة إليف شافاق، وكم كانت صحبتها مثيرة وغريبة! دعونى أروى لكم أحداثها بالتفصيل:

1- المرشدة المعلمة

لا أستطيع أن أصف روعة تلك المرأة، كانت ملامحها التركية تحمل مزيجًا آسيويًا وعربيًا وأوربيًا، كانت خليطًا نادرًا فريدًا جميلًا وملفتًا. وربما إن أثار الزمان على وجهها توحي بخبرة كبيرة وحكمة عميقة.

ارتحلنا أنا والسيدة إليف شافاق إلى مدن كثيرة وبقاع عدة، فشرقًا وصلنا قونية بتركيا، وغربًا حللنا نورثامبتون بالولايات المتحدة الأمريكية. تنقلنا بين تبريز والإسكندرية وبغداد ودمشق. كانت مرشدة حكيمة واعية متفتحة خبيرة، منحتني الكثير من خبراتها ودروسها التي تعلمتها في حياتها الطويلة.

أن تكون مع مثلها شيء رائع، والأروع أن تفتح لك قلبها وعقلها وتعلمك من دروس الحياة الكثير في سويعات قليلة. تنهل من جمال روحها وروعة عقلها خلاصة التجارب الإنسانية، وتتعلم أجمل الدروس الوجدانية والروحية والدينية والحياتية.

2- الشروط المسبقة

لا أخفي عليكم لدى نظرة ليست جيدة تجاه النساء المتبرجات والمتفتحات، ولكنني لازمتها رغمًا عنى بعد أن سحرتني بمنطقها، وألهمتنى بعباراتها الجميلة الرائعة؛ وبعد أن وافقت على شروطها المسبقة. سنقابل العديد من الناس، عليك ألا تحكم على أحد من مظهره أو من أفعاله، هكذا خاطبتني بنبرة المعلمة الدقيقة الحريصة الحازمة؛ وأضافت: إذا أردت أن تتعلم جيدًا يجب أن تنظر للناس جميعًا على أنهم مصدر للإلهام والتعلم. وافقت في البداية، ولكنها شعرت بأنني أطلق الأحكام سريعًا على البشر فتوقفت، وأكدت على أنني يجب أن ألتزم وألا أصدر أحكامًا على اى من الناس الذين سوف أقابلهم.

3- قونيا الساحرة

وانطلقنا سويًا إلى أولى محطاتنا المتعددة، إلى قونيا بتركيا؛ في قونية القديمة أرشدتني في جولات عديدة بين بيوتها القديمة وأسواقها ومساجدها يا لها من مدينة رائعة يفوح فيها عبق الشرق والغرب هناك ترى العلماء والتجار والمتسولين والباعة الجائلين وحوانيت التجار وحتى بائعات الهوى وحانات الخمور.

هنا المدينة مكتسية بحلل الصوفية والدين هنا الحياة بخيرها وشرها. زاحمنا الناس واكتظت الطرقات بموكب مهيب همست معلمتى أنه موكب العارف الجليل جلال الدين الرومي، تحركنا مجبرين مع الموكب حتى وصلنا إلى مسجد قونية الكبير حيث امتلأ المسجد عن آخره بمحبي الشيخ الجليل؛ الذي بدأ يتكلم بصوت رنان جهوري مملوء بالحب والعلم والجلال.

4- شمس الشاعر الحكيم

ولما أدركنا الوقت انطلقنا بعيدًا إلى أقصى المدينة والتقينا بالحكيم الفيلسوف الشاعر الملهم جميل الشكل والقلب شمس التبريزى الذي يقطر لسانه حكمة، وجمالًا، وروعة، وأدبًا، وتواضعًا، وعلمًا. لقد سمعنا من شمس قواعد رائعة هي خلاصة الحياة وكنوز النفس أسرارها: جمالها، قبحها، عدلها، ظلمها، نقائها، تغيرها وحتى خيبتها، ومعاصيها، وسقطاتها.

كم أنت عظيم أيها الحكيم الجوال! لقد علمتني الكثير والكثير؛ فى حين أننا ننشغل بتغير كل من حولنا وما حاولنا تعلمنا أن نهتم أولا بتغيير أنفسنا، وقلوبنا وأرواحنا؛ وألا ننشغل كثيرًا بالقشرة الخارجية، أن نعنى ونهتم بالروح والقلب.

يساعدنا شمس ويعلمنا أن نتقبل الناس الذين نعايشهم أو نقابلهم؛ حتى وإن تباينت اتجاهاتنا ومعتقداتنا وألسنتنا وألواننا وحثنا أن ننظر إلى أخطائهم وسقطاتهم بعين التواضع والخير.

فما كان من خير فيهم ففينا شيء منه، وما كان من شر فيهم ففينا جزء منه. كلنا لآدم، وكل ابن ادم خطاء، وخيرهم من شغل بنفسه وتصحيحها وتقيمها وترفع عن الانشغال بمن حوله.

إن أسوأ الناس عملًا وأقلهم قدرًا يسامحه الله ويتجاوز عنه حينما ينظر إلى نقاء قلبه ولو في موقف عابر.لم أقتنع يا شمس كيف هذا؟ هكذا أجبته فنظر إلى باسمًا مشرقًا، وقال لي اسمع يا بنى: ألم يغفر الله للبغي لأنها سقت كلبًا شربة ماء! عندها صمت، وأطرقت أفكر كم هي واسعة رحمة ربي! وكم نضيقها نحن ونقسمها طبقًا لقواعد استحقاق وأحكام ليست من حقنا أن نضعها أو نطبقها!

علمني شمس أيضًا أن القلب والروح هما أهم ما في الإنسان، هما جوهره الثمين وكنزه الغالي، وهما منبع الصلاح ومصدر العطب وقلب الجنة ونعيمها، أو ويل التعاسة وجحيمها. ومهما اجتهد المرء في العبادة فلن يتبقى له شيء ينتفع به، إلا ما علق بروحه وعقله وقلبه فأصلحهم وأضاءهم وزادهم من الله قربًا ومن الناس حبًا وتواضعًا.

5- صنوف من البشر

وفي صحبة معلمتي تعرفنا على بيبرس الذي اهتم بمراقبة الناس وتتبعهم، وانشغل بتقويمهم وتوجيههم وفي نفس الوقت لم يدرك سقطات ذاته وأخطاءه الفادحة.

في قونية أيضًا هناك معلمون وطلاب؛ وكالمعلمين في كل زمان ومكان، مشتغلون بالعلوم عن مغزاها وبالمعارف عن حكمتها وأثرها، ومهمومون بالتدريس عن التعليم وبالتعريف عن التغيير وبالتحصيل المعرفي عن التغير السلوكي والإصلاح الوجداني، وهم يصنعون تغييرًا حتمًا؛ تغييرًا في المعارف والمعلومات؛ لا تغييرًا في الأخلاق والسلوك فيكون تغييرًا سطحيًا، لا عميقًا، وتغييرًا ظاهريًا، ولن يكون أبدًا مؤثرًا.

وفي طرقات قونية القديمة ترى البسطاء والشحاذين والمهمشين والعصاة والساقطين ومدمني الخمور هؤلاء يقترب منهم شمس ويتعامل معهم بإنسانية ورقة؛ ومثل هؤلاء يسلبهم المجتمع إنسانيتهم في مقابل أخطائهم وينزع عنهم كل خير وكل أمل. أما شمس الرائع فيطلع على مواطن النور والنقاء فيهم، ويعرفهم بها، ويرشدهم إليها، ويضع أيديهم على كنوزهم المخبوءة ويشعرهم بقيمتهم وآداميتهم؛ وبقدرة الخالق فيهم ورحمته بهم. فيمد لهم طوق النجاة من بحور الغواية والسقوط ويمهد لهم طريق النجاة والخلاص. ويهديهم مشاعل تضيء لهم طريق الإياب إلى خالقهم والعودة إلى رحماته وفضله.

لم يتعال عليهم شمس، ولم ينعزل عنهم، ولم يتأفف من تلوثهم ومعاصيهم وقاذوراتهم مع مكانته المرتفعة وطاعته وفضله، بل عايشهم وعرفهم وساعدهم. وتقربا للمولى مد يديه فغسل عنهم ما علق بأجسادهم وأرواحهم من أوحال المعاصي وسقطات الآثام. فأحبوه وقدروه وتعلموا منه دروسًا لم يكن ليتعلموها من ألف واعظ وألف معلم.

هذا درس آخر في التواضع، فكلما زاد العلم زاد التواضع، وكلما زاد الجهل زادت الأنا والانتفاخ والكبر والهلاك. العالم الذي يحمل العلم الحق كغصن الشجرة الذي يحمل كثير الثمار فيميل تواضعًا بما يحمل.

يتبع، الجزء الثاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!