بعد خمسة وأربعين عاماً مضت على رحيل عبد الناصر ، يحسن بنا أن نفتح صفحات التاريخ نقلب فيها، ونقدم للأجيال بعضا من سطورها المنسية أو المسكوت عنها، فالأمة التي تجهل حقيقة ماضيها محال أن تتطلع إلى مستقبل مشرق، وسواء اتفقنا أو اختلفنا حول الرجل، فلنترك الحكم لشهود المرحلة ورجالها ، حتى نلتزم الموضوعية ما استطعنا إلى ذلك سبيلا .

 

 

وفى هذه السطور سنحاول أن نرصد لمحات من حياة عبد الناصر في ذكرى رحيله، وهو أحد رموز العسكر الذين حكموا مصر، لنعرف كيف حكموا مصر ، وماذا فعلوا بهذه الأمة ، في شهادة حق للتاريخ وللأجيال، فإلى التفاصيل :

 

 

شهادة حسن التهامي :

يذكر صاحب كتاب لعبة الأمم وعبد الناصر في كتابه ( ص 371 – 372 ) حواراً جرى بين عبد الناصر وحسن التهامي يكشف عن شخصية هذا الرجل.

 

 

طلب حسن التهامي من عبدالناصر: لعلنا نفعل شيئاً للإسلام والمسلمين،

 

فقال عبدالناصر وبالنص : ( إسلام لا، ولكن المسلمين الفقراء نعم )!

 

ومرة أخرى يستهزئ الصنم بالله ـ سبحانه وتعالى ـ حين يقول لحسن التهامي : ( انت عامل نفسك زي اللي بتقولي عليه معرفش إيه من لا ينسى؟ )

 

يقول التهامي فلم أصدق ما سمعت وقلت أستغفر الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، أنت تقصد الحق جل جلاله، جل من لا يسهو؟

 

فأعاد قوله: ( أنا عارف بتاعكم اللي بتقولوا عليه معرفش إيه من لا يسهو، ومن لا يخطئ، وانت عامل نفسك زيّهْ، فقلت، والكلام للتهامي: أستغفر الله لاحول ولا قوة إلا بالله، جل جلال الله، جل من لا يسهو، لاحول ولا قوة إلا بالله، جل جلال الله، جل من لا يسهو ، لاحول ولا قوة إلا بالله، وقلت في نفسي ولا تكاد عيناي تطيقان النظر إليه أو تراه : يا الله أهذا الذي وليته علينا؟ أهذا الذي كنا نأمل فيه خيراً ؟

 

 

شهادة خالد محي الدين:

يقول خالد محي الدين في مذكراته: إن جمال عبد الناصر طلب من أعضاء مجلس الثورة تكوين تنظيم سري للتخلص من الإخوان والشيوعيين وطبقة الباشوات الرجعية، وقال: إن عبد الناصر كان ضد الديمقراطية على طول الخط، وأنه هو الذي دبر الانفجارات الستة التي حدثت في الجامعة، وفي جروبي وفي مخزن الصحافة بمحطة سكة حديد القاهرة، واعترف عبد الناصر لبغدادي، وكمال حسين وحسن إبراهيم، أنه دبر هذه التفجيرات لإثارة مخاوف الناس من الديمقراطية، وللإيحاء بأن الأمن سيهتز وأن الفوضى ستسود إذا مضوا في طريق الديمقراطية .

 

 

و أكثر من ذلك أنه هو من نظم إضراب العمال الشهير في مارس 1954م، و أنفق عليه وموله حيث ذكر خالد محي الدين أن عبد الناصر قال له نصاً : “هذا الإضراب كلفني أربعة آلاف جنيه” .

 

 

 

شهادة أنور السادات :

يقول الأستاذ عمر التلمساني في كتابه ( قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر) : لست أنا الذي أصف ذلك الحكم ورئيسه بالغرور، ولكنه السيد أنور السادات الذي يقول: إن جمال عبد الناصر أصبح مشغولا بالخرافة، خرافة ولست حقيقة، وما بالك بحاكم صار مشغولا بالخرافات،

 

 

 

 

ويا له من طالع منحوس كان من نصيب هذا البلد أن يحكمه حاكم مشغول بالخرافات … هذه الخرافة التي زينها حواريوه وأقنعوه بها، أنه أصبح بطلا بانتصاره على إنجلترا وفرنسا، والناس جميعا يعرفون أنه لولا أيزنهاور رئيس جمهورية الولايات المتحدة؛ لرغبته في القضاء على كل وجود لإنجلترا وفرنسا في هذه المنطقة، لولا ذلك لأصبنا بكارثة كتلك التي حلت بمصر في عهد الخديوي توفيق سنة 1885م،

 

 

 

 

هذا هو تصرف جمال عبد الناصر وعهده الزاهي الجميل، فليقل المغرضون عنه ما يقولون، فالأحداث والوقائع أصدق من الأباطيل الخداعة، وإن التاريخ قاض صارم لا يداجي ولا يجامل، وهو الذي تقرؤه الأجيال المقبلة، فتحكم حكمها الصادق الصحيح مهما حاول ذوو الأغراض والأهواء.

 

 

شهادة ثروت أباظة :

ويقول أحد الضباط الأحرار وهو السيد ثروت أباظة في الأهرام الأربعاء 15 مارس سنة 1978م: ( لقد استطاع العهد الماضي أن يدمر كل القيم، ثم هو جلب الفقر والخراب على الشعب، فازدادت القيم مواتا وخذلانا وذبولا، هؤلاء الرؤوس أذناب العهد الماضي صنعتهم الأيدي النتنة التي كانت تحكم مصر قبل 15 مايو سنة 1971م).

 

 

ويقول ثروت أباظة إن حكم جمال عبد الناصر جلب الفقر والخراب على الشعب، أي وضع يمكن أن يوضع فيه حاكم جلب على أمته الفقر والخراب، والفقر يمكن أن يكون فيه وجه التسامح، أما الخراب فالشيء الذي لا يمكن أن يكون معه إصلاح، إلا أن يشاء الله على أيد غير التي جرت الخراب، لأن المخربين لا يمكن أن يكونوا زعماء أو مصلحين،

 

 

 

هذا هو جمال عبد الناصر الذي استعطف خروشوف في موسكو بإعلانه الحرب على الإخوان المسلمين، قدم دعاة الإسلام ضحية لدعاة الإلحاد، أنا لا أستطيع أن أكفر مسلما نطق بالشهادتين، ولكني أترك الحكم فيه للذي جعل قاع جهنم مثوى للطغاة الظالمين.

 

 

 

شهادة وجيه أبو ذكري :

من أهم شعارات عبد الناصر التي صدع بها رءوس العرب، شعار إلقاء إسرائيل في البحر، وهي الورقة التي كان يجيد اللعب بها، ويهدد بها غيره من رؤساء الدول العربية.

 

 

 

 

 

إليك جانبا من جوانبه الحقيقية الخفية في تعامله مع قضية فلسطين، في أخبار الخميس 5 أبريل سنة 1979م كتب الأستاذ وجيه أبو ذكري، يقول: (وكان رأي الرئيس جمال عبد الناصر، أن القاهرة ليس لديها مانع من مفاوضات مباشرة بين الأردن وإسرائيل وأنها ستدعم المفاوضات،

 

 

 

 

وفي عام 1967م التقى الملك حسين بالجنرال موشي ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الحين، وبدأت المفاوضات خارج روما، وعلمت وكالات الأنباء بالخبر، فأذاعته على العالم، وصدرت تعليمات بعدم نشر الخبر في الصحف المصرية.

 

 

وطلب الملك حسين من الرئيس الراحل عبد الناصر أن يشترك في المفاوضات المباشرة السرية، التي كانت بين إسرائيل والعرب، وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أسبق إلى المحاولة إلى الطلب الذي قدمه له الملك حسين؛

 

 

فقد اجتمع جمال عبد الناصر مع أحد الصحفيين المصريين، من حزب التجمع حاليا، وطلب منه أن يبدأ فورا بالمفاوضة المباشرة، وكانت إحدى الدول العربية – غير الأردن – قد توسطت لدى ناحوم جولدمان رئيس الوكالة اليهودية، والمقيم في باريس، ليبدأ الحوار مع الجانب المصري، وبعدها يتصاعد الحوار، ليبدأ سرا بين مصريين رسميين، وإسرائيليين رسميين، كما كلف جمال عبد الناصر أحد الوزراء المعروفين – من الضباط الأحرار – بالقيام باتصالات مع الإسرائيليين،

 

 

 

ويحتفظ هذا الوزير بأسرار كل هذه الاتصالات … واجتمع هذا الوزير عقب عودته فورا بالرئيس جمال عبد الناصر، الذي لم يتوقف عن محاولة الاتصال والحوار بالإسرائيليين).

 

 

 

شهادة موسى صبري :

إن حكم عبد الناصر لم يجلب الخراب والاضطراب على مصر وحدها، ولكن جلبه على البلاد الإسلامية كلها،

 

 

 

 

وهذا السيد/ موسى صبري يشرح لنا هذا المعنى في صورة موجزة في جريدة الأخبار الخميس 29 يونيو سنة 1978م: ( إن المخطط السوفيتي يعمل الآن كالأخطبوط، وقد كانت سنوات العمل مع جمال عبد الناصر فرصة كبرى كي يثبت الروس أقدامهم في مصر، وكانت أزمتنا مع إسرائيل هي سبيلهم إلى الوجود وانتهى بنا الأمر إلى وجود عسكري سوفيتي، تجاوز العشرين ألف ضابط وجندي وخبير وكانت في مصر مناطق عسكرية سوفيتية محرمة على السلطات المصرية، وكانت في مصر أسلحة سوفيتية، لا تستخدم إلا بأوامر من موسكو،

 

 

 

 

 

وكانت في مصر شخصيات في مواقع رسمية بدأت تعمل على أساس أنها تستمد وجودها من السلطات السوفيتية، لا من السلطات الشرعية، وبدأت موسكو تستقبل هذه الشخصيات التي كانت تتسابق في تأكيد ولائها إلى أباطرة الكرملين. ومن هذا الوجود السوفيتي في مصر امتد الوجود السوفيتي إلى العراق وإلى سوريا وبعض دول أفريقيا).

 

 

 

جرائم لا تنسى !

ارتكب عبد الناصر وزبانية الحكم في عهده أبشع الجرائم بحق المصريين والمعارضين لحكمه وفى القلب منهم قادة ورموز جماعة الإخوان المسلمين، ومنها:

 

 

 

 

 

إعدام الشيخ سيد قطب والشيخ محمد فرغلي وعبد القادر عودة وحبس زينب الغزالي وحميدة قطب وقتل الآلاف من شباب الإخوان ودفنهم دون علم أهلهم في جبل المقطم وقتلهم دون محاكمات في عدة مذابح وحشية وتصفيات جسدية كما حدث في مذبحة ليمان طرة، وجريمة قرية كمشيش، ومذبحة قرية كرداسة، ناهيك عن أهوال التعذيب في السجن الحربي وقصصه المخزية.

 

 

شهادة زينب الغزالي

تحكى زينب الغزالي في كتابها الشهير أيام من حياتي ، فتقول :” وما كاد السفاح شمس بدران يراني حتى نادى على (صفوت الروبي)، وفي حركة ، كأنه أمام آلات التصوير- فقد ازداد احتقان وجهه وارتسمت عليه غضبة عارمة، وتحجرت عيناه في مقلتيه حتى صار وجهه مثل وجه البومة – واستدار إلى صفوت الروبى ، وذراعه ممدودة إلى آخر مداها ، وإصبعه تشير إلى : علقها يا صفوت واجلدها خمسمائة جلدة! !

 

 

 

 

 

.. وحشية ما بعدها وحشية؟ وقسوة غريبة لا يعرفها إلا شمس بدران وصفوت الروبى ! وعلقوني وجهزوني للجلاد . . ! وشمر صفوت الروبي عن ساعده ، ورفع سوطه وأخذ في تنفيذ أمر مولاه شمس ! خمسمائة جلدة . . وأنا أستغيث ضارعة : “يا الله ، يا الله ” وشمس بدران يقول: أين هو الله الذي تنادينه ، فلينفعك إن كان موجوداً ! .. لو استغثت بعبد الناصر لأغاثك في الحال ! ثم أخذ بلسانه يتطاول على جلال الله سبحانه، مما تأبى ألسنة المؤمنين أن تتفوه وتتلفظ به ؟

 

 

لمحة من السياسة الخارجية

أما في ملف السياسة الخارجية فقد حقق عبد الناصر ما عجز عنه الانجليز طيلة 60 عاما وهو انفصال السودان؛ حيث يقول “سلوين لوبد”:( أعلن حكام مصر الجدد تنازلا لم يصدر من حكومة مصرية من قبل وهو حق السودان في تقرير المصير- وأدخلنا عبد الناصر في حرب اليمن ولا طائل لنا منها إلا أن تشرذم جيش مصر وساءت الحالة الاقتصادية .

 

 

 

الاستبداد من وراء الفشل

وإذا أردت أن تعرف فيما كانت تبدد أموال الشعب في سرف وامتهان، فاقرأ ما كتبه الأستاذ مصطفى أمين في جريدة أخبار السبت 1 أبريل (الموقف السياسي).(فهذا البلاء الذي يطحن الشعب الآن، ليس من الحرية، بل هو من آثار سنوات القهر والاستبداد، أيام أن كانت أموال الشعب تصرف على المغامرات والأمجاد المسرحية وعلى التجارب الفاشلة، وعلى المشروعات التي يديرها المماليك من أهل الثقة، فتهزم الجيوش، وتعلن الانتصارات، وتفلس المصانع … وتوزع الأرباح).

 

 

كانت اعتمادات تجديد التليفونات تحذف من الميزانية، وتضاف إلى المصاريف السرية، وإلى المال الذي ينفق على الدعاية في الخارج وحده، لا لمصر، ولا يستطيع صحفي أن يكتب مقالا يشير فيه إلى نتائج عدم تجديد التليفونات، وإلا أحيل إلى المحاكمة العسكرية برئاسة الدجوي، ووضع في المعتقل إلى أن يموت أو يقتل في السجن الحربي وتعلن وزارة الداخلية أنه فر من السجن والبحث جار عنه).

 

 

 

 

هذه أيها المصري المخدوع في جمال عبد الناصر، هي الأوجه التي كانت تسيل في أنهارها كل أموال مصر لا لشيء إلا للإشادة بعبقرية جمال عبد الناصر المزعومة، وبطولته الموهومة،

 

 

 

 

 

 

وما دام يعيش هو وأهله في قصر القبة منعما مرفها، وما دام اليخت المحروسة تمخر به عباب البحر الأبيض المتوسط هو وزوجه وأولاده وبناته وأقاربه ميمما شطر بيروني لمقابلة العزيز الغالي جوزيف بروز تيتو، فليهنأ الشعب بترف حاكمه واعتدال مزاجه، ويكفيه أن يأكل القديد والحشف البالي فإنه أصلح للمعدة، يا لمهزلة التاريخ الذي يتحدث بالخير عن هذا الحاكم الرهيب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب لعبة الأمم وعبد الناصر ، محمد الطويل ، المكتب المصري الحديث ، الطبعة الاولي 1987م.
قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر ، عمر التلمساني ،دار الاعتصام .
أيام من حياتي ، زينب الغزالي الجبيلي ،دار التوزيع والنشر الإسلامية – الطبعة: الطبعة الأولى 1420 هـ - 1999 م.
عرض التعليقات
تحميل المزيد