شكّل الإعلان الرسمي لطهران بوجود قوات إيرانية، خاصةً في سوريا، تحولًا نوعيًّا في السياسة الإيرانية. حيث يأتي بشكل مباشر بعد الانسحاب الجزئي للقوات الروسية من سوريا في منتصف مارس 2016، الأمر الذي قد يوحي بأنه استثمار واضح للجهد المتواصل للدولة الإيرانية في الملف السوري، ومحاولة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية لصالح إيران رغم «مناورة» الانسحاب الروسي.

ويلفت النظر صيغة الإعلان الذي يعتبر الأول من نوعه رسميًّا، حيث قال منسق القوات البرية في الجيش الإيراني «علي أراسته» إن أفرادًا من القوات الخاصة التابعة للواء 65 موجودون حاليًا في سوريا، ويؤدون «دورًا استشاريًّا»، وأضاف بأن جنودًا من وحدات عسكرية أخرى سيتم إرسالهم لسوريا لاحقًا.

وهنا لا بد من التأكيد على أن الموقف الإيراني في سوريا قد تغير من كونه تحالفًا بين دولتين في بداية الثورة السورية في 2011؛ إلى اعتبار نظام الأسد هو مطيتها لتكوين هلالها الشيعي ابتداءً من طهران، ثم بغداد مرورًا بدمشق إلى بيروت. ولعل ذلك ما تحتاجه طهران لتقديم قصة نجاح في قدرة الدولة الإيرانية على التدخل الناجح في المنطقة العربية، وبسط نفوذها خارج حدودها الجغرافية، لتصل إلى ما هو أبعد ضمن الحدود السياسية والاقتصادية، الأمر الذي جعلها تضع ثقلها الأمني والعسكري والسياسي في دعم النظام في مواجهة قوى الثورة عليه.

وفي استحضار لتطور علاقة إيران «الثورة» بسوريا الأسد؛ نجد أنها بدأت مع بداية الثورة الإيرانية عام 1979، لكنها تعمقت مع الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982، فيما شكلت الحرب العراقية الإيرانية مرحلةً مميزةً في تعزيز تلك العلاقة؛ باعتبار العداء التقليدي بين نظام صدام حسين، ونظام الأسد، وكلاهما بعثي، ولكن على طرفي نقيض. وهنا لا يمكن إغفال التوتر المحدود بين البلدين في الفترة من 1987 إلى 1990 خلال حرب الخليج الثانية، والتي وقفت فيها سوريا ضد الموقف الإيراني من خلال «إعلان دمشق».

وفي تصريح واضح لمساعد وزير الخارجية الإيرانية «حسين أمير عبد اللهيان» بأنهم قدموا مساعدات لنظام الأسد بلغت 4.2 مليار دولار، منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011. تلك المساعدات التي لا يمكنها أن تكون مساعدات إنسانية للشعب السوري الذي يقتله النظام السوري بالبراميل المتفجرة، وتذبحه الميليشيات الشيعية التي تشرف عليها إيران وحزب الله! بل هي مساعدات عسكرية وأمنية ولوجستية لقمع الثورة، ولدعم النظام السوري في مواجهة قوى المعارضة المسلحة. وباعتبار كثرة اللاعبين في الساحة السورية فإن إيران ما تزال تعاني من عدة صعوبات يمكن تحديد أهمها على النحو التالي:

  1. ما تزال إيران تعاني من العزلة في المواقف الإستراتيجية مع دول الجوار مثل تركيا والسعودية، خاصةً فيما يتعلق في الشأن السوري، الأمر الذي لا يمنحها توسع في النفوذ مع اعتبار توتر العلاقة في اليمن ولبنان.
  2. التخوف الروسي من التقارب الإيراني الغربي بعد اتفاق النووي الإيراني مع دول 5+1، الأمر الذي لا يمنح طهران علاقة تحالف مع روسيا في سوريا، وهذا ما ظهر من انفراد روسيا في قرار انسحابها الجزئي من سوريا.
  3. الرفض الإسرائيلي الواضح والقطعي لوجود إيراني بالقرب من حدودها، وتخوفها من النفوذ الإيراني على الميليشيات الشيعية القادمة عبر الحدود، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على اغتيال سمير القنطار، الذي تتهمه إسرائيل بالترتيب لأعمال ضدها انطلاقًا من الجولان.
  4. التراجع الروسي خطوة، لا يعني ضعف الموقف الروسي لصالح البديل الإيراني، بل هو لصالح التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية! وهو ما كان جليًا في عدة مراحل أهمها قرار مجلس الأمن 2254، وإعلان وقف اطلاق النار.
  5. لا تستطيع الرواية الإيرانية إقناع أي من الأطراف بأن قتلاها الذين تجاوزوا 215 هم مستشارون أمنيون أو عسكريون، خاصةً بعد أن كان من بينهم رتب عسكرية سامية شملت عقداء وعمداء يتبعون للحرس الثوري الإيراني، كان من أبرزهم عام 2015 الجنرال حسين همداني الذي كان يشغل منصب نائب قائد فيلق القدس «قاسم سليماني»، وفيلق القدس يتبع الحرس الثوري الإيراني.

لا يمكن لإيران أن تتجاوز مأزقها في سوريا دون أن تقدم نفسها كشريك إقليمي، وأظنها تسير في هذا الاتجاه! ولكنها اختارت طريقًا أحمر قانيًا كان يمكن لها أن تتجنبه! فهي دولة ذات حدود واسعة، وعلاقات اقتصادية وسياسية متعددة تتجاوز الطائفية. والتاريخ يؤكد أن التنظير الإيراني لـ«البدر الشيعي» عوضًا عن «الهلال الشيعي» لا يخدم مستقبل المنطقة، ولا حتى مستقبل إيران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد