إن حركة التاريخ وسنن الحياة في هذا الكون تبين لنا أنه لا يوجد نصر دائم ولا هزيمة دائمة، كما أنه لا نهضة دائمة ولا تراجع دائم في التاريخ إلا بتوفر أسباب ومقومات هذه النهضة أو النصر.

والسنن الكونية لا تحابي أحدًا، فمن يمتلك مقومات النهضة سينهض وعليه أن يحافظ على مقوماتها وأسبابها لكي يحافظ على نهضته ونجاحه، والحفاظ على النجاح أصعب من تحقيقه.

فكما تصدرت الأمة الإسلامية العالم لعدة قرون بسبب تحقيق مقومات النهضة، وتراجعت الآن بسبب عدم محافظتها على مقومات النهضة، وتقدمت الأمم الأخرى لأنها امتلكت هذه المقومات، والتاريخ لا يرحم أحدًا؛ لذلك أرى أنه أية أمة تريد أن تنهض فلا بد من توفر المقومات الآتية التي تتميز بها الأمم المتقدمة:

1- الحرية

من أهم مقومات نهضة الأمم هي الحرية؛ فالأمم والشعوب الحرة هي الأقدر على الصدارة وعلى الإبداع والتمييز والانفتاح في جميع مجالات الحياة، والشعب الحر تكون تحركاته منضبطة بضابط ذاتي وأخلاقي بدافع داخلي بدون تأثير خارجي يفرض عليه ما يريد، بعكس الأمم والشعوب التي تعيش تحت العبودية والظلم والطغيان تكون عاجزة وضعيفة وغير قادرة على الإبداع والإنتاج إلا في الحدود التي يسمح بها الطغاة وتغلق العقول والأفواه إلا بما يرضي أصحاب القرار والقيادة لهذه الشعوب، والتي غالبا ما تستخدم القوة والترهيب للسيطرة على شعوبها كما هو واقع أغلب الدول العربية والإسلامية.

2- العلم

عندما تتوفر الحرية في أية أمة فإنها سوف تتجه للعلم والاطلاع والاكتشاف في جميع المجالات والاختصاصات، ولا يخفى على أحد أهمية العلم في تحقيق نهضة الأمم؛ فكلما كان المجتمع متعلمًا ومتقدمًا في العلم كلما كان أقدر على تحقيق النهضة، ولذلك الدول المتقدمة في العالم والمتطورة تتميز بصفة مشتركة أنها دول متقدمة في العلم بكافة مجالاته وجوانبه، وكذلك تتميز بتخصيص ميزانيات ضخمة من أجل تطوير العلم والبحث العلمي.

أما الدول المتأخرة والمتخلفة فلا تهتم بالعلم ولا بالبحث العلمي بالقدر الذي يحقق نهضة علمية حقيقية يمكن من خلالها أن تنهض وتتصدر هذه الدولة.

ولو تابعنا الدراسات التي تبين كم يقرأ الفرد في في الأمم المتقدمة مقارنة بالأمم المتأخرة لوجدنا فرقًا هائلاً يبين مدى الفجوة الموجودة بين التخلف والتقدم.

وكما جاء في .«تقرير التنمية الثقافية» للعام 2011 الصادر عن «مؤسسة الفكر العربي» أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنويًا بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنويًا.
فهذا الفارق الكبير يبين لنا أن العلم من أهم مقومات نهضة الأمم.

3- القيم الإنسانية

ومن المقومات المهمة والضرورية لنهضة الأمم هي القيم الإنسانية والحضارية الموجودة في ذلك المجتمع كالعدل والتعاون والإيجابية والتسامح والتعايش والرحمة والصدق والأمانة وغيرها كثير، فكلما كانت الأمة تمتلك قيمًا إنسانية حضارية في واقعها وحياتها كانت أقرب إلى النهضة والنجاح والتقدم، والمنظومة القيمية في الأمة معيار أساسي في نهضتها وفي كل مجال من مجالات الحياة قيمة عليا محورية على الجميع احترامها وتقديمها على باقي القيم الأخرى، فمثلاً القيمة العليا في المستشفيات هي الصحة وما سواها قيم ساندة والخطط والإجراءات فيها يجب أن تدعم هذه القيمة، وكذلك القيمة العليا والمحورية في الجامعات والمدارس هي العلم وفي المصانع الإنتاجية هي القيمة العليا وهكذا.
فالمنظومة القيمية في المجتمع من أهم مقومات النهضة للأمم والشعوب.

4- العمل والإنتاجية

ومن الصفات التي تتميز بها الدول المتقدمة والأمم الناهضة أنها تمتلك شعوبًا عاملة ومنتجة في جميع المجالات كالصناعة والزراعة والتجارة وغيرها وليست شعوبًا كسولة تستورد كل شيء ولا تحقق اكتفاء ذاتيًا في الصناعة والزراعة وغيرها مما يحتاجه الإنسان في يوميات حياته، والعمل والإنتاجية هي من عوامل القوة لدى الأمم التي تساعد على نهضتها.

5- المرونة

والذي أقصده بالمرونة هي القدرة على التكيف مع التطور الحاصل ومواكبته في جميع مجالات الحياة العلمية والعملية والتقنية وغيرها، وكذلك المرونة في الحصول على مقومات النهوض للأمم والتي قد تحتاجها في المستقبل، وكذلك المرونة في التعامل مع الأزمات والتدخل بإيجابية في حلها بالطرق الحضارية التي تلائم العصر من أجل تجنب الصدام بين الأمم والحضارات، فالأولى من التصادم هو التعاون والتكاتف في الخير والابتعاد عن الحروب والفوضى قدر المستطاع من أجل الحفاظ على النضام والمنظومة القيمية في المجتمع؛ لأن الفوضى والحروب من أهم أسباب تأخر الأمم وتراجعها لما تستنزفه من طاقات بشرية ومادية وتفكك مجتمعي وقيمي كناتج بديهي للحروب والفوضى، وبذلك تتأخر الأمم؛ فلابد من المرونة في التعامل مع الأزمات.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أذكر أن هذه بعض مقومات نهضة الأمم الأساسية من وجهة نظري، وهنالك مقومات أخرى كثيرة لا يسع المجال لذكرها، وأكتفي بهذه المقومات الخمسة (الحرية، العلم، القيم الإنسانية، العمل والإنتاجية، المرونة).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نهضة الأمم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد