في 30 مارس (آذار) للعام الحالي 2018، قرر الشعب الفلسطيني البدء بمسيرات العودة بهدف العودة إلى بلادهم المحتلة عام 1948، والتحق بالمسيرات جموع الشعب الفلسطيني من سكان قطاع غزة المُحاصر منذ سنوات، وقد أعلنت اللجنة التنسيقية العليا لفعاليات مسيرة العودة أن الاحتجاجات والتظاهرات ستسمر لأيام عديدة، وستبلغ ذروتها في 15مايو (أيار) وهو يوم النكبة الفلسطينية، وذكرى احتلال فلسطين وتهجير أهلها قسرًا وتشتتهم في البلاد، ولم تكن هذه الفكرة وليدة اللحظة، بل نظّر لها عدد من الكُتاب وأصحاب الرأي والفكر ورأوا أنها وسيلة ناجعة في ظل صعوبة استخدام الخيارات الأخرى في الوقت الراهن، وقد سبق بدايات مسيرة العودة ببضعة أشهر فعاليات شبابية عديدة بالقرب من الحدود، ولكن مع بدء انطلاق مسيرات العودة وتشكيل لجنة عليا لإداراتها اكتسبت الفعاليات زخمًا كبيرًا ولفتت انتباه العالم أجمع إلى قضية اللاجئين عمومًا وإلى لاجئي قطاع غزة المحاصرين على وجه الخصوص.

والمسيرات سلمية هدفها الاحتجاج ضد الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، الذي طرد أصحابها الأصليين وفرض عليهم العيش في المهجر وفي مُخيمات الشتات، وتستند لقرار الأمم المتحدة 194 الذي يُقر بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها، وقد وُضعت الخُطط الكثيرة والتي تهدف إلى المحافظة على سلمية المسيرة وعدم عسكرتها من خلال القيام بالعديد من الأنشطة والفعاليات المختلفة، بالقُرب من الحدود وكذلك الاقتراب التدريجي من السلك الفاصل.

ولكن كان للشباب كما هو حال الشباب دومًا رأي آخر، وإبداعات ليست في حسبان العدو ولا الصديق، وهي بالطبع لم تخرج من إطار السلمية، ولم تحد عن النهج المرسوم لها، فمع اليوم الأول من المسيرات، والذي أُطلق عليه جمعة العودة، اندفع الشباب واقتربوا من السياج وألقوا الحجارة على جنود الاحتلال وناوشوهم، وقدموا التضحيات فوقع عدد من الجرحى، ووصل عدد الشهداء إلى حوالي 15 شهيدًا، حتى إن بعض الشهداء يعملون بالأجنحة العسكرية للمقاومة، ولكنهم جاءوا في ذلك اليوم ليتظاهروا سلميًا على الحدود، وليوصلوا رسالة إلى الاحتلال الصهيوني والعالم أجمع أننا أصحاب حق ولن يضيع حق وراءه مطالب، وكان مؤشر النجاح لليوم الأول في مسيرات العودة هو احتشاد أعداد كبيرة بعشرات الآلاف من كافة أطياف الشعب الفلسطيني، ومن مختلف الأعمار، ومن كلا الجنسين.

وبعد انتهاء يوم الجمعة، وبرغم التضحيات، فإن فعاليات مسيرة العودة كما أُقر لها، بقيت مستمرة، وظلت تُقام قُرب الحدود خارج خيام العودة وداخلها، ما بين جلسات سمر يتخللها الدبكة الشعبية والأغاني والأهازيج الوطنية، بالإضافة إلى إعداد المأكولات الشعبية وتناولها كالسُماقية وكذلك ممارسة الأنشطة الرياضية، ولم تخل طبعًا من المناوشات المستمرة بين الشبان وجنود الاحتلال، وبدأ التحضير للجمعة الثانية، ولكن كان لثُوار مسيرات العودة رأي آخر وفكرة إبداعية جديدة، وهي تجميع أكبر عدد من الكوشوك وإحراقه في وجه المُحتل المُغتصب لأرض فلسطين، وجاء يوم الجمعة المشهود #جمعة_الكوشوك وأشعلت آلاف الإطارات وتصاعد الدخان وملأ الأفق وأغرق الاحتلال بدخانه، وعميت رؤيته، ولم تُفلح جميع وسائله في إخماد النيران الملتهبة، وحققت الفكرة النجاح وأثنى عليها الجميع، وأنشدت لها الأشعار والأغاني.

ويمكن ذكر عدد من العوامل التي أدت إلى نجاح جمعة الكوشوك:

1- إحراق الكوشوك ليست بالنشاط الطارئ والجديد على مُظاهرات الشُبان الفلسطينيين ومسيراتهم، فقد عرفه المتظاهرون في الانتفاضة الأولى وفي الكثير من الانتفاضات الفلسطينية الأخرى، وهو يمثل في وعي المُتظاهر الفلسطيني رسالة احتجاج على العدو، وكان يوضع لإعاقة سير جيبات الاحتلال في الانتفاضات السابقة، وما زال ذلك يحصل في الضفة الغربية إلى اليوم بسبب تمكن جيبات الاحتلال من التحرك بحرية في شوارعها؛ لعدم وجود مقاومة مسلحة هناك تمنع ذلك، ولكن في غزة، ومنذ انسحاب اليهود منها، لم يحرق الكوشوك في الطرقات إلا في حالات قليلة جدًّا؛ لأن ذلك يُعد مَضرة للناس أنفسهم، ولن يؤذي الاحتلال بشيء، ولعدم وجود جيبات أو مقار للاحتلال داخل القطاع، ولكن يبدو أن كل هذا الصبر تجمع لدى الشبان وخرج دُفعة واحدة ليشعلوا النار في آلاف عجل الكوشوك في يوم واحد أُطلق عليه جمعة الكوشوك، لتنطلق وتصعد أبخرة الدخان فتملأ الأفق وتساعدها الرياح الغربية لتتجه إلى المسار السليم الذي أراده المتظاهرون، وهو صوب جنود الاحتلال.

2- هذا النشاط لا ينافي السلمية، وهي المسار الذي رُسم لمسيرات العودة، فإشعال الكوشوك يحدث في مُعظم الاحتجاجات والتظاهرات السلمية حول العالم.

3- الإصرار على الهدف، فعندما بدأ الحديث عن فكرة إحراق الكوشوك في وجه الاحتلال عارض ذلك عدد لا بأس به من الكتاب وأصحاب الرأي وغيرهم من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي؛ وذلك لأن البعض رأى أن هذا يُخرج المسيرات عن سلميتها، وآخرون رأوا ذلك مُضر بالصحة ولا يشكل مظهرًا حضاريًّا، ولكن الشباب والمُتظاهرين لم يعيروا ذلك اهتمامًا وفرضوا خطتهم وأجندتهم واستمروا بجمع العشرات، بل المئات من عجل الكوشوك وتجهزوا جيدًا لإنجاز المهمة.

4- الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي: فقد شكلت وسائل التواصل الاجتماعي داعمًا قويًّا للفكرة وانتشرت آلاف المنشورات والتغريدات والمُلصقات الداعمة للفكرة، وأطلقت هاشتجات تحث على ذلك #جمعة_الكوشوك، بالإضافة إلى النكات المختلفة التي تشير لخرق طبقة الأوزون وغيرها الكثير، وأيدهم بذلك العديد من الكتاب وأصحاب الرأي والفكر، وفي الأخير لا يُقاد الثوار من الخلف وإنما من الأمام.

5- الفكرة ليست عاطفية، فقد كانت الفكرة عملية جدًّا وآذت الاحتلال كثيرًا وأزعجته، ولم يستطع الاحتلال إخفاء غضبه، أو أن يقلل من أهمية الحدث وتأثيره عليه، وخرجت عشرات التصريحات من الاحتلال وآخرها منع إدخال الكوشوك للقطاع، وقد حُجبت رؤية قناصيه، ولم تفلح وسائله المختلفة في إطفاء النيران أو الحد منها، وقد تمكن الشُبان من اجتياز السلك في أكثر من مكان.

وتعليقًا على هذا الحدث يحسُن أن ننقل هذا القول الرائع الذي لم أتمكن للأسف من معرفة قائله:

«هذا الطفل الذي يحمل إطار الكاوتشوك في غزة
لم يخبروه من قبل عن طبقة الأوزون والاحتباس الحراري وعن صداقة البيئة والأشجار،
كانوا يحرقون يديه في الفسفور الأبيض،
ينزعون سقف البيت عن العائلة بالقذائف، يخطفون الأشقاء والأصدقاء في الغياب القاسي،
ويحرقون وجه المدينة الملاصق للبحر بالدخان،
هذا الطفل الذي يحمل علمًا وإطار كاوتشوك، لا يريد تهديد المناخ العالمي، وتأجيل المطر في الشتاء القادم، وخلخلة ميزان درجات الحرارة؛ فهو ليس مصنعًا للسلاح، وليس مصنعًا للبتروكيماويات والكمياويات يلوث البحار والأنهار،
وليس حربًا ولا طائرة مقاتلة، وليس قذيفة محشوة بالفسفور الأبيض أو سواه،
طفل محاصر،
يحفظ درس الجغرافيا جيدًا ودرس التاريخ ودروس حقوق الإنسان، ليس لأنه يذهب رغم كل المتاعب اليومية إلى المدرسة،
بل لأنه معلم بالفطرة ولأنه معلم منذ الولادة، هكذا جعلته المسافة بين الوردة والبحر،
يعرف كيف يكتب التاريخ عندما يرتبك المسار وتصبح خوذة القناص قلمًا وكتابًا يبدل مفردات الحكاية،
طفل محاصر،
قد يربك توازن علماء الطبيعة الهش ليوم واحد،
كي يكتب رسالته من دخان أسود ومرايا تحمل صورته إلى أبعاد الكون،
في ملامحه صراخ مؤجل،
وصراخ مبكر،
وسنوات تائهة بين تفاصيل الحصار، غير أنه الأكثر ثباتًا وقناعة بأن الأرض التي تحمل قدميه في الطريق إلى الحرية لن تخون أحلامه،
وأن طبقة الأوزون ستغفر له وجع الحياة،
وأن المناخ والشمس والقمر والمطر سيسمعون صداه،
طفل يعلمنا معنى أن تكون معلمًا بإطار كاوتشوك وعلم وطني ومرآة».

وما زالت مسيرة العودة في البدايات، ويبدو أن الشباب الغزيين سيبدعون في فعالياتهم، وسنرى أيام جُمع أخرى، بها إبداعات جديدة ومفاجآت مختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد