كثير من الطلاب في داخل وخارج السودان يفكرون في إكمال دراستهم الجامعية في السودان، للاعتقاد السائد بأن مؤسسات التعليم العالي في السودان ما تزال تحتفظ بمكانتها الريادية في الحقل التعليمي في أفريقيا والشرق الأوسط، وهذا الأمر قد يكون صحيحًا قبل خمسة أو أربعة عقود، أيام العصر الذهبي للتعليم في السودان، ولكن في الوقت الحاضر قد تراجعت هذه المكانة بعد سياسات ثورة التعليم، كالتعريب، والزيادة الأفقية في مؤسسات التعليم العالي، وغيرها من السياسات والإستراتيجيات التي قد حققت نتائج عكسية وأثبتت إخفاقها، وأدت إلى تردي خدمات التعليم العالي، ومع بداية السنة الدراسية رأيت أن أشير إلى خمسة أسباب ستجعلك تغير فكرة دراستك في السودان:

1- العنف المتزايد داخل الجامعات

قد تزايدت وتيرة العنف الجامعي بصورة مخيفة خلال العقد الأخير، حتى أصبح خبر مقتل طالب في داخل الحرم الجامعي على مستوى السودان نتيجة عنف شيئًا اعتياديًّا، وتشير بعض الإحصائيات أن عدد الطلاب المقتولين نتيجة هذا العنف تجاوز الخمسين، عدا عن عدد المصابين الذي يتجاوز هذا العدد بأشواط، وتتباين أسباب هذا العنف ولكن الشيء المؤكد هو نتيجته الكارثية على العملية التعليمية من تعليق متكرر للدراسة في الجامعة، والأهم من أثره في العملية التعليمية هو إهداره كرامة الإنسان، وقد أصبحت عملية انتخاب اتحادات الطلاب بالجامعات عملية بربرية ودموية بامتياز، بدلًا من أن تكون مثالًا حيًّا للعملية الديمقراطية والحضارية.

وتشير جهات عديدة أن مصدر هذا العنف الموسع في الجامعات السودانية هو مصدر واحد، ويبدو أن هذا المصدر يتفوق على قدرات الأجهزة الأمنية والعدلية ويتجاوزها، حتى يتطور عنفه من استخدام الهراوات والسيخ والسواطير والمولوتوف، إلى استخدام الكلاشنكوف في الحرم الجامعي في وسط الخرطوم في رابعة النهار وإرداء أحد الطلاب قتيلًا، ويتم تقيد مثل هذه الحادثة وغيرها الكثير ضد مجهول، وبسبب هذه الحقيقة نتيقن بأن شجرة هذا العنف في نماء مستمر يهدد مستقبل التعليم، إن لم يتم اقتلاعها من جذورها.

والجدير بالذكر أن الخطوة التي اتخذت لحل –أو بالأحرى تأزيم- مشكلة العنف الجامعي من قبل وزارة التعليم العالي هي إنشاء قوة من الشرطة الجامعية، وتمتلك هذه القوة صلاحيات إطلاق النار داخل الحرم الجامعي!

2- قلة الأنشطة اللاصفية

معظم الجامعات العالمية التي يشار لها بالبنان، لم تخرج فقط حملة الشهادات الجامعية، ولكنها خرجت الرياضيين والسياسيين والكتاب والإعلاميين والرياديين، ولم يكن بمقدورها أن تقوم بهذه المهمة إلا برعايتها وتشجيعها للأنشطة اللاصفية، وليس بقمعها وتحجيمها وتعليق نشاطها واعتبارها -أي الروابط والاتحادات الطلابية وغيرها من الأجسام والمناشط الطلابية اللاصفية- مصدرًا من مصادر العنف، وعائقًا من عوائق تقدم الجامعات السودانية.

وتصريحات المسئولين بأنهم ضد النشاط اللاصفي، وأنهم مع منع وتقليل مثل هذه الأنشطة يخصم من قيمة الجامعات، ويقلل من جاذبيتها بالنسبة للمقدمين على الدراسة الجامعية.

3- الوضع الاقتصادي المتردي

لا شك أن تمويل الدراسة الجامعية من أكبر العقبات التي تواجه الأفراد في أكثر الاقتصاديات ازدهارًا، وهذه العقبة ستزداد صعوبة في الاقتصاديات الأقل نموًا كحالة الاقتصاد السوداني، الذي يواجه أزمة منذ عام 2011، ولم تظهر أي بادرة لانفراجها؛ بل تستحكم حلقاتها كل يوم.

4- نقص المعينات التدريسية والكوادر المؤهلة

ونتيجة للتردي في الوضع الاقتصادي فقدت أدى إلى موجات هجرة جماعية غير مسبوقة لأساتذة الجامعات السودانية، وقد حذرت الدكتورة سمية أبو كشوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، من أن الحكومة قد لا تجد من يقوم بالتدريس في الجامعات، وإن لم يتم تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية لهيئات التدريس الجامعي فهذه الموجات لن تتوقف، وقد أثر ذلك سلبًا في جودة التعليم المقدمة.

5- تزيل المؤسسات السودانية للقوائم التصنيفية

نتيجة لكل تلك الأسباب وغيرها فلن نتفاجأ من تزيل الجامعات السودانية لقوائم التصنيف العالمي، فأفضل جامعة سودانية لم تحتل أي مركز في المراكز العشرين الأولى عربيًّا وأفريقيًّا أيضًا، وأما عالميًّا فمعظم الجامعات السودانية تقع في المدى بين المراكز الـ 1797 و2490، وهذا طبقًا لتصنيف الويب ميتريكس (webometrics) الإسباني الشهير الذي يأخذ عدة متغيرات معرفية وبحثية لتصنيف الجامعات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد