كثيرون من الذين راهنوا على الانقلاب كان في رهانهم أنه بدعم الداعمين والممولين وهدوء الأوضاع فإن الشعب المصري سيعود إلى قمقم عصر مبارك، ويكتفي باللقمة مقابل الحياة، ويتخلى عن كل طموحاته وأحلامه في حياة نقية بعيدًا عن الفساد والقمع، وكان تحت ناظريهم معادلة مبارك: جمود سياسي مقابل حياة تسير ونمو اقصادي، ولو ذهب معظمه إلى الأغنياء، فإنه يكفل حياة ما لباقي الشعب على تفاوت بين طبقة وسطى مرتفعة وطبقة وسطى أقل وطبقة فقيرة مطحونة لكن تتعايش بشكل أو بآخر.

هؤلاء أيدوا كل إجراءات نظام 3 يوليو من قتل وجرح وسجن وتشريد، وقمع سياسي وإغلاق لمنابر المعارضة وتجميد لأحزابها وتزوير صريح لإرادة الناخبين، وفساد مالي غير مسبوق وطرح المشاريع الكبرى بالأمر المباشر لأطراف معروف أساليبها، إلى غير ذلك من ممارسات نظام 3 يوليو.

 

 
لكن الكثير من هؤلاء بدأ الآن يعيد حساباته؛ عندما بدأ الكثير من الماء يتسرب لسفينة النظام، فالأوضاع لم تهدأ كما راهنوا، والاقتصاد لم يتحرك كما أملوا، وبدأ يظهر الآن أن أنبوب المساعدات التي ظنوا أنها ستظل إلى الأبد أخذ ينضب: إما بسبب أسعار النفط، أو بسبب فتور العلاقة مع النظام لتعارض المواقف، وبدأ الاحتياطي يتقلص بشدة، وبدأ المستثمرون يهربون، وبدأ الأفق يتلبد بالغيوم، فأخذ كثير من هؤلاء يراجعون مواقفهم ويتقدمون ليقفوا قبالة باب القطار الذي يستقلونه، قطار 3 يوليو، أملًا في الخروج منه في المحطة التالية، ولكن، هل من محطة تالية؟

لقد بدأ الإعداد مبكرًا لرحلة قطار إسقاط الجمهورية الثانية، وما اشتملت عليه من مبادئ ثورة يناير، وبما حوته من إيجابيات وسلبيات، ثم تحرك القطار فعلًا بمن فيه مع ظهور حركة (تمرد) والدعوة لإجبار النظام على إجراء انتخابات مبكرة، ثم تطورت الدعوة لتسفر بوضوح عن الرغبة في إسقاط النظام مباشرة بهبة شعبية، وهنا وصل القطار لمحطته الأولى (30 يونيو)، ونزل منه من رأوا المستقبل وأدركوا أن الدعوة لـ30 يونيو وإسقاط النظام في الشارع ستؤدي بالضرورة لحكم عسكري، ومن هؤلاء عزت أبو عوف وغيره.

 

 

 
وقال جملة مشهورة: (نرضى بثلاث سنوات أخرى خير لنا من أن نرضي بثلاثين عامًا أخرى)! نزل في تلك المحطة من نزل ورفضوا 30 يونيو بعد أن أيدوا حركة تمرد في البداية، ثم انطلق القطار ليصل إلى الانقلاب العسكري الصريح في 3 يوليو، فنزل في محطة ( 3 يوليو) من رفض أن يتحول تمرد 30 يونيو إلى انقلاب عسكري صريح، ولم يكن هذا ظنهم في البداية، فنزل في محطة 3 يوليو الكثيرون من التيار الليبرالي، ومنهم عمرو حمزاوي ومصطفى النجار وغيرهم.

 

 

 
ثم انطلق القطار مرة أخرى حتى قرر السائق أن يطلب تفويضًا على بياض، فوقف في محطة (التفويض) وكان قد مر قبلها على مذبحة الحرس الجمهوري ومذابح يومية أخرى، فعلم الجميع أي تفويض يطلب، فنزل منه من نزل في هذه المحطة ومنهم بلال فضل.

ثم انطلق القطار نحو محطته الكبرى والأخيرة عند (رابعة) مرورًا بالمنصة، فنزل في رابعة الكثيرون ممن أبت البقية الباقية من عقولهم وإنسانيتهم أن يظلوا فيه.

 

 

 
ثم انطلق القطار بعدها بأقصى سرعة على المنحدر، لم يعد يتوقف في محطات، ولم يعد ممكنًا أن يصعد إليه أو يهبط منه أحد، وكان من بداخله سعداء أنهم ينطلقون بسرعة، ويحسبون أنهم على شيء، قبل أن يتبين لبعضهم الآن من اهتزاز القطار وتمايله وما يرونه أمامهم أنه ينطلق نحو الهاوية، فبدأ هؤلاء يتحركون؛ ليهبطوا منه في أول محطة تالية، وليس من محطات تالية !
إن من قبل أن يظل في القطار بعد (رابعة) فعليه أن يظل فيه حتى محطته النهائية، الهاوية ! لقد أغلقت الأبواب واتخذ القطار سرعته منذ عامين، وفات موعد النزول.

 

 

 

 
إن على القوى الوطنية التي رفضت ركوب القطار منذ البداية، وعلى كل من نزل منه في محطاته الأربع ألا يسمح بأن تكون هناك محطة خامسة ينزل منها هؤلاء الذين يصدق فيهم وصف رسول الله: ” تعس عبد الدينار وعبد الدرهم، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط “، هؤلاء الذين قبلوا كل جرائم النظام أملًا في المال، حتى إذا خوت خزائنه إذا هم عليه يسخطون، أولئك ما كان لهم أن يعودوا لصفوفنا.

إن فئرانًا كثيرة تستعد لأن تغادر سفينة الانقلاب وقد شمت الماء يتسرب إليها، فلتقفز في اليم كما شاءت، لكن علينا ألا نسمح لها أن تصعد إلى سفينة القوى الوطنية.

وإذا قلنا إن في قلب كل محنة منحة، فإن أكبر منح محنة الانقلاب الدموي هو تمايز الصفوف، وجاءت المحن المتوالية لتزيد التمايز حتى كادت المنطقة الرمادية أن تحتفي، فإما صبح صبوح أو ليل بهيم، ولم يترك عاما الانقلاب من فرصة لأحد ليداري موقفه، حتى من تذرع بالصمت المطبق فإن صمته أصبح موقفًا معلومًا.

 

 

 
لقد انطلق القطار منذ غادر محطة رابعة بسرعة القصوى في طريقه إلى منتهاه، حاملًا معه من حمل، ولا توجد محطة خامسة سيقف فيها، فمن يريد أن يقفز منه الآن بعد أن بانت أزمته المالية فليقفز، لكن لا فرصة لديه، فمن سيظل في القطار حكم عليه بالتحطم مع سائقه، ومن سيقفز الآن لن تكون فرصه أفضل كثيرًا.

 

 

 

 
وأنا هنا لا أتحدث عن التوبة الدينية فإن بابها مفتوح، ليس لي ولا لغيري أن يغلقه، فهذه بين العبد وربه ولا يملك أحد فيها شيئًا، لكن باب التوبة السياسية، ليس مفتوحًا لعبيد الدرهم والدينار والدولار، هؤلاء ستدك أعناقهم إذا قفزوا منه الآن وقد كانوا يدعون للنزول وهم سالمون، وإذا ظلوا فيه ظلوا على كمد حتى يلاقي القطار ومن فيه مصيرهم المحتوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انقلاب, ثورة
عرض التعليقات
تحميل المزيد