لا يُمكن أن أكون حيادية تجاه هذا الفيلم الذي حرّك وجداني منذ الصغر، ولا أدري كيف أحببته وقتها، ولمست بعض من معانيه الخفيّة رغم كوني صغيرة، ورغم كونه غير ملون، مُقبض الصورة، وحزين الصوت.

أُدرك الآن بعد مرور 50 عامًا على صدور (شيء من الخوف)، أنّ الفيلم لابد وأن ينفذ إلى القلوب، فلابد وأن تجد في نفسك مردود واضح تجاه الفيلم بعد مشاهدته، وأثرًا أعتقد أنّه سيبقى طويلًا.

والسر يكمن في الخلطة المثالية التي تم صُنع الفيلم بها، والتي جمعت بين الكاتب الكبير ثروت أباظة ككاتب للرواية المأخوذ عنها الفيلم، والتي تم تحويلها إلى سيناريو كتبه كل من الكاتب صبري عزت، والشاعر عبد الرحمن الأبنودي، الذي حوّل الحوار للهجة الصعيدية، وكتب أيضًا أغاني الفيلم التي لا تُنسى، والتي قام بتلحينها الرقيق والعظيم بليغ حمدي، ليُسند الفيلم في النهاية إلى مخرج الروائع حسين كمال.

أغلبنا يعلم القصص التي دارت حول الفيلم ورمزيته التي جعلته يُمنع من العرض لفترة، قبل أن يوافق على عرضه الرئيس جمال عبد الناصر شخصيًا، ولكنّ الأكيد بخصوص ذلك هو ما ذكره دسوقي ابن الأديب ثروت أباظة عن أنّ قصة الفيلم ما هي إلا تناول لفكرة شرعية الحكم.

في فيلم شيء من الخوف اجتمعت المتضادّات كلها، الأبيض والأسود، وظلالهما، من خلال صورة الفيلم التي فضّل المخرج حسين كمال ألّا تكون ملونّة كالكثير من الأفلام التي صدرت في عام 1969. فالظلال لها تأثير قوي ويُمكنها أن تقول الكثير، ولا تبوح بشيء مُحدّد في نفس الوقت، وهو ما أراده المُخرج العبقري كي يُزيد من رمزية الفيلم أكثر وأكثر.

ظهر التضادّ أيضًا عندما كمنت الوداعة في فؤادة، وبرزت القسوة في عتريس. وبينما تجلّى الحزن في لحن «ياعيني عالولد»، رقص الفرح في «يابو اللبايش يا قصب، عندنا فرح واتنصب».

شيء من الخوف لجّم ألسنة أهل البلد، وجعلهم يرتضون بالظلم، بينما الخوف كله هو من أطلق سراح الثورة بداخلهم، فلم يعد هنالك ما يخسرونه، ليهتفوا بعدها بأشهر هتاف في السينما المصرية «جواز عتريس من فؤادة باطل».

بعد مُشاهدة متأنية للفيلم، حاولت في هذا المقال أن أتأمل في نقاط الجَمَال به، كما كنّا نفعل قديمًا في حصة اللغة العربية، ونستخرج مواطن الجمال من العبارات التي تحتويها النصوص الأدبية.

أكان لابد يا فؤادة أن تفتحي الهويس؟

على غرار عنوان قصة أديب الواقعية المصرية يوسف إدريس «أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟»، باغتني هذا السؤال بينما كنت أُشاهد فيلم (شيء من الخوف)، وتحديدًا في المشهد الأسطوري الذي تقوم فيه فؤادة بفتح الهويس، والذي غيّر مسار أحداث الفيلم بالكامل.

تأمل معي مشهد الهويس مليًّا.. رجال البلد ونساؤها جالسين وأيديهم على رؤوسهم، يكسوهم العجز، وتملؤهم الحسرة. الهويس على بُعد خطوات منهم، غير قادرين على لمسه حتى، مُلتفين حوله واجمين، وكأنّهم بانتظار حدوث معجزة من السماء.

جاءت فؤادة كملاك الرحمة، وفتحت الهويس، هكذا، بكل بساطة. تحركت بين الرجال الساكنين كالموتى، مشت من بينهم فتحركت رؤوسهم لتُتابع خطواتها، وكأنّ وجودها وحده في هذا المكان وفي هذه اللحظة بالذات هو من دبّ الحياة فيهم، وعندما لمست فؤادة الهويس، وقفوا جميعًا، استطاعت أرجلهم أن تحملهم أخيرًا، فقط انتظارًا للمعجزة.

أكان لابد يا فؤادة أن تفتحي الهويس؟

أكاد أسمعها بصوت عتريس، الذي عَلم أنّه هُزم في هذه المعركة، فقط لأنّه لم يستطع أن يُنهي الموقف لصالحه بالضغط على زناد البندقية ككل مرة. ولم يكن هناك من حلٍ آخر يُنقذ هيبته المفقودة، سوى أن يقوم عتريس بإخضاع فؤادة، وهو في واقع الأمر، الشيء الأسوأ من قتلها.

إذا استثنينا الجانب العاطفي من القصة، والذي ما هو إلا جانبًا رمزيًا في الحقيقة، فإنّ قرار عتريس بالزواج من فؤادة، عوضًا عن قتلها، كان اختيارًا ذكيًا للغاية، فقتلها كان سيجعل منها مناضلة شهيدة، أمّا زواجها منه زواجًا شرعيًا، فلن يجعلها ذلك سوى امرأة قبلت أن تخضع لزوجها، والذي هو رجل الدهاشنة الأول، راضية بإحكام سيطرته عليها. لذلك كان لابد لفؤادة أن تقبل ذلك العرض الذي – على طريقة المافيا – لا يُمكن رفضه.

سؤال آخر.. لماذا أراد عتريس الزواج بفؤادة؟ لماذا الزواج بينما كان بإمكانه أن يحاول الاختلاء بها، بل وأن يفرض نفسه عليها فرضًا إن أراد، إمعانًا في إذلالها ذلك أكثر؟ خاصة ونحن نعلم أنّ عتريس لم يكن مُراعيًا لعادات وتقاليد البلد، أو مُغرمًا – لا سمح الله – بالتحلّي بالأخلاق الحميدة؟

ولو كان الدافع عاطفيًا بحتًا كما صوّره لنا الفيلم، فلم لم يفكر عتريس بالزواج من فؤادة قبل حادثة الهويس؟

السر كله في كلمة واحدة ذكرها الأديب ثروت أباظة، وهي الكلمة التي كانت الدافع الأول لكتابة رواية شيء من الخوف، وهي الشرعية.

أراد عتريس أن ينال شرعية زواجه بفؤادة، وجاء رفضها لإعطائه هذه الشرعية، كضربة قاصمة، أطاحت برجولته أولًا، وبزعامته للبلد ثانيًا.

فعتريس كأي حاكمٍ ظالم، لا يتورع عن أن يُظهر جانبه المستبد لمحكوميه في الكثير من الأحيان، لأنّه يُعطيه قوة أكبر، ولكنّ في نفس الوقت، لن تجد حاكمًا واحدًا يفخر بأنّه أتى إلى الحكم رُغمًا عن الشعب، أو أنّ زعامته لا تحظى بالشرعية، التي سلّمها الشعب له بكامل إرادته.

كان لا بد لفؤادة أن تمنح لعتريس موافقتها الكاملة عنه، كان لابد لها أن تُسلّمه مفاتيح روحها عن طيب خاطر، كان لابد لها أن تفوّضه بالتصرف في كل ما تملك، حتى وإن قَتَل، وإن سَرقَ، وإن ظَلمَ، فشرعية اقترانه بها، حصانة له مدى الحياة.

موسيقى وأغاني شيء من الخوف

الموسيقى في شيء من الخوف هي أحد أهم أركانه، والتي بدونها لن يترك الفيلم ذلك الأثر الرهيب الذي يبقى طويلًا في نفوس من شاهدوه. الأغاني في أغلب الوقت يُغنيها الكورال، ولم تُغنّي شادية سوى مقطع صغير من بينها، صار هو الأشهر من بين جميع الأغاني.

في خلفية تتر البداية نسمع غناءً كالصراخ، عبارة عن آهاتٍ طويلة متقطّعة، ثم تأتي فجأة بدون أية مقدمات موسيقى راقصة، بطلاها كل من الناي والطبلة، واللذان شكلا معًا مزيجًا فريدًا من نوعه، باعثًا في النفس شيء من الفرح، وشيء من الأمل كذلك. وذلك قبل أن تعود الآهات الحزينة من جديد، ربما لتذكّرك أنّ الفرح لا يدوم، وأنّ الخوف لازال حاضرًا.

بعدها تأتي موسيقى الترقب على هيئة آهات قصيرة يُغنّيها الكورال، والتي تنذرك بأنّ تنتبه، لأنّ القصة ستبدأ حالًا..

«البلد.. اسمها الدهاشنة

والمكان.. ماحدش قالنا

يمكن.. ماكنتش أبدًا

يمكن.. في كل مكان..

امتى.. ماحدش

قالنا

يمكن.. ماحصلش ابدًا

يمكن.. في كل زمان..».

هكذا تقول أغنية البداية.. واضعة كل الاحتمالات التي قد تدور في ذهن المُشاهد حول حقيقة القصة محل التصديق والتكذيب، أيّهما على السواء.

«أهو»

يقولها الكورس فيما يُشبه الصرخة، عندما يظهر لنا وجه الجدّ (عتريس) الذي نراه غاضبًا على الأغلب، أو في حالته الأسوأ، والتي تكون عندما يضحك ضحكته المُخيفة التي لا يُمكن أن تُمحى من ذاكرة من رآها.

«أهو»

تأتي الصرخة من جديد كلما ظهر عتريس الجدّ، وكأنّها تًنذرنا لنأخذ الحذر من ذلك الرجل الذي يحمل الكثير من اسمه، فعِتريس في اللغة العربية تعني الغضوب الجبّار، وإذا قلنا أنّ فلانًا قد عَتْرَس أحدهم مثلًا، فمعنى هذا أنّ الأول قد قام بقهر وظلم الثاني.

«البنت وردة بيضا

واسمها (فؤادة)

في عنيها نار وجنة

وعند وشدّة وهوادة».

ما أجمل وصف فؤادة كما كتبه الأبنودي في أغنية التعريف بها، كما أنّ اسم فؤادة من الفؤاد، وكأنّ فؤادة قلبٌ يمشي على قدمين، وكأنّها العاطفة الخالصة في صورة امرأة.

ثم يأتي اللحن الجنائزي الذي يُولول على المصير البائس الذي ينتظر الولد (عتريس) حفيد الجد وخليفته في حكم البلد، والذي يُريده أن يكون عتريسًا مثله أو أشدّ.

في فرح عتريس وفؤادة، وبينما كانت فؤادة تخرج من باب دارها لتجد عتريس بانتظارها، تأتي الموسيقى في الخلفية، وهو اللحن الحزين لأغنية «ياعيني ع الولد»، ولكنّه أتى هذه المرة ممزوجًا بصوت ضربات الدفوف، على النغمة المعهودة في الأفراح، مما جعل اللحن يُصبح لحنًا جنائزيًا بامتياز، وكأنما فؤادة ذاهبة إلى قبرها، لا إلى بيت زوجها.

بلاغة الحوار

يظل حوار الفيلم الغني بالمعاني من أهم عناصر الفيلم، إن لم يكن أهمها على الإطلاق.

في بداية الفيلم، وتحديدًا في مشهد جنازة سالم القتيل، الذي يعرف شعلان أخوه أنّ قاتله ليس إلا عتريس الجالس أمامه، والذي يقوم بتعزيته في هذه اللحظة. تدور أعين شعلان حوله، لا نعرف بحثًا عن ماذا أو عمّن، ربما بحثًا عن مفرّ.

ينتبه عتريس لحركة عينه ويسأله: بتدور فيهم على مين؟

يقول شعلان: كَفر ميّت.. كفر أرانب

يقول الجدّ: كَفر عاقل، وحكيم.. شيء من الخوف ميأذيش.

ولكنّنا نعلم أنّ عتريس لم يكن ليُرضيه أبدًا شيء من الخوف، فلن يُرضيه إلا الخوف كله.

«يقول الولد للجد: أنا بحب الحمام.

يصرخ فيه الجد: يا مُجرم.. يا كلب»

يالسخرية اللفظ.. فالولد مُجرم في نظر الجدّ لأنه يحبّ الحمام.

يكبر حب عتريس وفؤادة معهما، وعندما يلتقيا يقول عتريس لفؤادة:

«متطليش في عنيا كده.. متفزعنيش».

وكأنّ وداعة ورقة فؤادة قادرة على أن تُفزع قلب عتريس الذي يتحول إلى حجر يومًا بعد يوم.

تقطع عليه فؤادة العهد: «بيني وبينك القلب الأبيض».

ثم يتفرقا على موسيقى من الآهات الحزينة، التي لا تٌبشر بخيرٍ قادمٍ أبدًا.

مشاهد لا تُنسى

وأخيرًا.. فهناك أكثر من مشهد أيقوني في فيلم شيء من الخوف، وهي المشاهد التي يستدعيها الذهن فورًا ما أن يُذكر اسم الفيلم. كمشهد فرح رُشدي الساخر بجدارة، ورُشدي هو أحد رجال عتريس المكروهين بشدة، ومع ذلك، لا يجرؤ أحد من أهل البلد على عدم الحضور، وشرب الشربات الإجباري، وتوزيع النقوط أيضًا.

نسمع الرجال يتحدثون فيما بينهم وقلوبهم تملؤها الغيظ والحسرة قائلين:

«-دفع الصبح وبالليل.

-دفع عن دفع يفرق، ده بالكرباج، وده بالشربات».

ثم يأتي مشهد زواج فؤادة، عندما تقترب الكاميرا من وجه حافظ وهو يُردد ما يُمليه عليه المأذون، حافظ الآثم، حافظ الجبان، حافظ المسكين، نراه دامع العينين، مُتهدّج الصوت، وكأنّه سيبكي في أية لحظة.

وتخرج فؤادة لعريسها الذي ارتدى الأبيض، بينما اتّشحت هي بالسواد.

مشهد المأذون الذي أخبر عتريس بأنّ عقد الزواج فعلًا بدون موافقة فؤادة يُصبح باطلًا. وصراخ عتريس في وجهه مُستنكرًا: «إزاي تتجرأ وتقول إنّه باطل؟».

فيخبره المأذون في كوميديا سوداء.. «مش أنا اللي بقول..أبو حنيفة اللي قال».

وانقسم ظهر البعير في واحد من أشهر وأهم مشاهد السينما المصرية على الإطلاق، وفيه نرى البلد وهي تنتفض أخيرًا بعد قتل محمود.

كانت جثة محمود الغارق في دمائه والمحمول على الأعناق في هذه اللحظة لها قدسية شديدة، قدسية أزاحت الخوف من قلوب أهل البلد للمرة الأولى، تعالت بعدها الهتافات بأنّ «جواز عتريس من فؤادة باطل».

لم يهتف أهل البلد بأنّ عتريس قاتل، أو مجرم، بل هتفوا بما أراد أن يطمسه عتريس بقتله لمحمود، هتفوا بأكثر شيء يُمكنه أن يؤلم عتريس.

في المشهد المهيب، نرى رجال القرية يتقدمون ناحية بيت عتريس حاملين المشاعل،.. صارخين.. باطل.. باطل..

«-اقتلوا الشيخ ابراهيم

-البلد كلها بتقول باطل

-اقتلوا البلد كلها».

يبدأ رجال القرية بإلقاء المشاعل على البيت الذي سرعان ما تُمسك به النيران. تخرج فؤادة لأهلها خارج البيت، ويبقى عتريس بالداخل، يبحث عن فؤادة فلا يجدها، يصرخ باسمها، تبكي فؤادة بالخارج وكأنها تسمع صوته، وكأنها تُبكيه، تُبكي عتريس، حُبها القديم الذي يحتضر في هذه اللحظة.

يتعالي صوت الآهات الحزينة في خلفية المشهد، والتي صارت آهات الخلاص. بينما تنسحب جموع أهل البلد ببطء، عائدين إلى بيوتهم، وكأنّما قد علموا أنّ الأمر انتهي، وأنّ الغُمّة قد زالت عن الدهاشنة أخيرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد