مفاهيم مغلوطة وقصص مثيرة تحاول تفسير الكثير من الظواهر النفسية للإنسان، يعزو المختصون النفسانيون انتشارها إلى محاولات لفهم غموض الحياة، وتفسير ما لا يمكن تفسيره، لكن العلم كشف الكثير من هذه الأخطاء المضللة التي قد تؤدي أحيانًا إلى اتخاذ قرارات مصيرية في حياة الإنسان الذي يعتقد بها، وتمدنا بفهم خاطئ للطبيعة البشرية.

في كتاب (أشهر 50 خرافة في علم النفس) الذي كتبه مجموعة من أساتذة علم النفس وضعوا فيه على طاولة التجريب والبحث مجموعة من الأوهام الشائعة في مجال علم النفس، والتي ساهمت في نشرها وسائل الإعلام والسينما وكتب المساعدة الذاتية، لكشف الزيف وتقبل الحقيقة.

تلاحقنا كل يوم تقريبًا في وسائل الإعلام والإنترنت نصائح في الحياة العاطفية والتربية والعلاقات، والكثير من هذه النصائح لا تقوم على أسس علمية ونفسية صحيحة، بل على الحدس والاستنتاج الشخصي الذي يكون مقنعًا أحيانًا، أو لأن هذه النصائح تبدأ بالعبارة التسويقية المشهورة: (أثبتت الدراسات).. مما يكسبها شعبية وانتشارًا. يقول الكاتب والباحث سيرجيو ديلا سالا (هناك وفرة في الكتب الموجهة إلى أولئك الذين يصدقون كل شيء بسهولة، فهي تحقق مبيعات هائلة).

إليكم أكثر هذه الخرافات شيوعًا.

هل يستخدم الإنسان 10% فقط من قدراته العقلية؟

هذه الخرافة الباعثة على التفاؤل تستخدم في الترويج للخطط والبرامج التي تهدف إلى زيادة القدرات العقلية، إلا أن التجارب العلمية التي قام بها جراحو الأعصاب بتعريض المخ لتيار كهربائي ضعيف أثبتت أنه لا يوجد أي جزء من المخ خالٍ من الإدراك أو الشعور أو الحركة.

وباستخدام أساليب التصوير المقطعي للمخ اكتشف الأطباء أن لا وجود لمناطق خاملة تنتظر إسناد مهام جديدة لها، فحتى المهام البسيطة تتضافر أجزاء منتشرة في المخ على القيام بها.

بدأت هذه الخرافة عندما تحدث وليم جيمس، وهو أحد رواد علم النفس في القرن التاسع عشر عن القدرات ناقصة النمو والتطور لدى بعض الأفراد، فالتقط هذه المعلومة أتباع مدرسة التفكير الإيجابي ليستخدموها في الترويج لأفكارهم.

بالرغم من أن هذه الخرافة دفعت الكثيرين إلى زيادة الإنتاج والإبداع في حياتهم – وهذا ليس سيئًا – إلا أنها في الحقيقة لا تقوم على أسس علمية.

الحاسة السادسة والاستبصار

الحاسة السادسة أو الإدراك دون استخدام أي من الحواس الخمس هو خرافة أخرى كما يقول علماء النفس الذين يتبعون أدلة علمية في إثبات نظرياتهم.

لا يؤمن العامة فقط بالحاسة السادسة أو الاستبصار، بل الكثير من المتخصصين في علم النفس بناء على أحداث وتجارب واقعية، بل إن الحكومة الأمريكية دفعت في وقت ما 20 مليون دولار لتمويل دراسات عن المستبصرين لاستخدام قدراتهم في أغراض عسكرية.

عززت الأعمال السينمائية والتلفزيونية هذه الفكرة وجعلتها تبدو كجزء من الواقع، كما تدعو كتب المساعدة الذاتية إلى إطلاق هذه القوى الخارقة الكامنة داخلنا.

وقد يكون من أسباب الاعتقاد بهذه القدرات هو التجارب الاستثنائية التي نمر بها ولا تقبل التفسير، مما يخلق تأثيرًا شعوريًا تخلفه الصدف غير المتوقعة، فالإدراك الانتقائي والذاكرة الاختيارية يدفعاننا إلى تذكر الأحداث التي تؤكد معتقداتنا، وتجاهل ونسيان تلك التي تنفيها.

ويرى الكثير من العلماء أن هذه الظاهرة تتعارض مع قوانين الفيزياء التي تتعلق بالزمان والمكان والمادة، ويحتاج نفيها إلى برنامج بحثي منظم ودقيق يجرى في معامل مستقلة.

أزمة منتصف العمر

هل يمر الأشخاص في الأربعينات وبداية الخمسينات بأزمة منتصف العمر فيخوضون تجارب عاطفية جديدة ويحاولون التصرف بصبيانية أو يغامرون باتخاذ قرارات غريبة؟

استغلت السينما فكرة مرور الناس بمرحلة الاضطراب ومراجعة الذات في منتصف العمر لتقدم نماذج لأشخاص حمقى يعانون اضطرابًا شعوريًا، وكان معظم أبطال هذه الأفلام من الرجال، كما تقدم الكتب ومواقع الإنترنت النصائح للرجال لمساعدتهم على تخطي هذه الأزمة.

في الحقيقة يمر الشخص بمراحل مراجعة الذات وإعادة النظر في حياته في فترات متعددة من عمره وليس في الفترة من سن الأربعين إلى الستين فقط، ولم تصل الدراسات إلى أي شيء يدعم الفكرة القائلة إن أزمة منتصف العمر مرحلة متوترة وصعبة بصورة خاصة.

هل الذاكرة جهاز تسجيل؟

في الحقيقة ذكرياتنا ليست نسخًا طبق الأصل لما حدث في الماضي، فذاكرة الإنسان معيبة وغير موثوق بها. يقول عالم النفس ويليام جيمس: (الذكريات الزائفة تحدث لكثير منا، فالشك يخالج الكثيرين منا بشأن أمور رأوها أو فعلوها أو ربما تخيلوا أنهم فعلوها).

تظهر الأبحاث أن جذوة الذكريات تنطفئ مع الوقت، وتتغير معالمها وتتبدل، وهذا يجعل الكثير من الشهود العيان على جرائم يخطئون في التعرف على المجرمين؛ مما يوقع أبرياء في دائرة الاتهام.

كما أن الحيرة في تحديد المصدر تسبب الكثير من أخطاء الذاكرة فقد نعتقد أن شخصًا وجه لنا إهانة بينما يكون من وجهها شخص آخر، كما يؤكد علماء النفس أن الذاكرة متجددة فهي لا تنتج صورًا مطابقة للأصل، بل صورًا متداخلة ومشوشة يضاف إليها ما يتوافق مع معتقداتنا ومشاعرنا واحتياجاتنا.

لهذا فإن ذكرياتنا ليست أشرطة تسجيل بل وسطًا دائم التغير يبرز قدرتنا المميزة على خلق روايات لتجاربنا الماضية والحاضرة.

رمزية الأحلام

الكثيرون يرون أن الرموز في الأحلام يمكن أن تكشف عن أحداث مستقبلية، أو تساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أفضل، وتقدم كتب تفسير الأحلام الكثير من النصائح والتنبؤات.

ويرى فرويد أن الأحلام هي الطريق السهل والممهد لفهم العقل الباطن، ويرى أن (الأنا) ترتخي في الحلم؛ مما يجعل الدوافع المكبوتة في (الهو) تدق أبواب الوعي. ورأى أن الرموز في الأحلام يتم تتبعها حسب كل حالة وما يمثله لها هذا الرمز. وبهذا مهدت كتابات فرويد الطريق إلى تفسير الأحلام من المنازل.

يرى العلماء المعاصرون أن الأحلام ترتبط بنشاط المخ أكثر من ارتباطها بالتعبير الرمزي عن الرغبات الكامنة في اللاوعي، فأثناء النوم تحدث النواقل العصبية كمًا هائلًا من التغيرات تتولد عن طريقها الأحلام، وتثبط التغيرات الكيميائية في المخ المراكز المسؤولة عن التفكير والذاكرة والانتباه، فيكوّن المخ قصة من خليط المعلومات العشوائية التي تصل إليه، وتفتقر هذه الصور إلى الدلالات الرمزية مما يجعل تفسير الأحلام مجرد هراء.

هل التنفيس عن الغضب يساعد على التخلص منه؟

يظن الكثيرون أن الغضب وحش يسهل ترويضه، وكثير من الأفلام وكتب المساعدة الذاتية تدعم فكرة أننا نستطيع ذلك عن طريق التنفيس عما في صدورنا والتخلص من الضغط، كالصراخ ولكم الوسائد ورمي الكرات وتحطيم قطع الأثاث، وألعاب الفيديو العنيفة.

ولكن الحقيقة التي تظهر في التجارب تثبت أن العنف لا ينفس عن المشاعر المكبوتة بل يزيد من حدتها، كما يؤدي الغضب إلى المزيد من حالات العنف في الواقع.

وإذا كان البعض يشعر بالارتياح بعد التنفيس عن الغضب، فالسبب هو مرور فترة من الزمن على حالة الغضب؛ مما يؤدي بطبيعة الحال إلى التخلص منه حتى إن لم يتم التنفيس عنه بطرق عنيفة.

هل يقي التوجه الذهني الإيجابي من المرض؟

هل يمكن لكتب المساعدة الذاتية وتخيل الجسم خاليًا من السرطان أن تعزز الجهاز المناعي للجسم وتقي من المرض؟

تمتلئ شبكة النت بمقترحات لتطوير التفكير الإيجابي عن طريق وضع تصور ذهني لعملية الشفاء، بالإضافة إلى قصص أشخاص تخلصوا من المرض عن طريق تغيير تفكيرهم.

تثبت الأبحاث العلمية أن لا علاقة بين المشاعر والأمراض الميئوس من علاجها، ولذلك فإن النظرة الإيجابية للحياة تحسن من نوعية الحياة، لكنها لا تطيلها، ولا تؤثر بأي شكل على مسار المرض، كما أن العبارات الإيجابية تساعد في التكيف مع المرض لا الشفاء منه.

في النهاية

يرى مؤلفو الكتاب أن من المهم التعرف على الخرافات النفسية لعدة أسباب منها الأثر السلبي الذي تسببه في الحياة كالأحكام الخاطئة على الأشخاص، أو التعامل الخاطئ معهم.

كما أنها تعيق أولئك الذين يحتاجون إلى مساعدة حقيقية من الحصول عليها بسبب توهمهم جدوى طرق أخرى في العلاج.

وقد يكون الأثر السلبي الأكبر هو أن تقبل الخرافات النفسية يعيق تفكيرنا النقدي في جوانب أخرى، فنجد أنفسنا خاضعين لهوى صانعي السياسات الذين يتخذون قرارات غير واعية في جوانب الحياة المختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علوم, كتب, مجتمع

المصادر

أشهر 50 خرافة في علم النفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد