«ضرباتنا في سوريا تصب في مصلحة الأمن القومي الحيوي للولايات المتحدة».

هذه إحدى التعليقات التي صدرت من الإدارة الأمريكية عقب عملية قصف قاعدة «شعيرات» العسكرية، وبرغم التعارض الواضح في السياسة الخارجية الأمريكية الحالية مع الحملة الانتخابية لـدونالد ترامب، والتي كانت تركز في جزئية منها على الملف الخارجي لإدارة أوباما وتعاملها الخاطئ مع الملف السوري، فنحن لا يهمنا حاليًا عودة الولايات المتحدة في عهد ترامب إلى سيرتها الأولى في عهد أوباما في تعاملها مع الصراع السوري. لكن هنا سنحاول تسليط الضوء على الرسائل الترامبية الموجهة إلى العالم بأجمعه حلفاء وخصومًا عبر قصفه للقاعدة العسكرية السورية وسط البلاد.

فقد استفاق الشعب السوري صباح يوم الجمعة المصادف 7 أبريل/ نيسان، على خبر كان بمثابة صاعقة لهم، ألا وهو: البحرية الأمريكية تقصف قاعدة «الشعيرات» العسكرية التابعة للنظام السوري قرب محافظة حمص، بـ 59 صاروخًا متوسط المدى من طراز توماهوك وكروز، حيث أفادت تقارير أولية أن القصف ألحق أضرارًا كبيرة بالقاعدة ودمّر البنية التحتية فيها وأعطب عددًا من الطائرات.

كثرت ردود الأفعال والآراء على هذا الخبر – الصادم – حيث اعتبر قسم من الناشطين السوريين هذا القصف –الأمريكي– ردًّا على ما قام به الطيران السوري والروسي من قصف مدينة «خان شيخون» في محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة بالأسلحة الكيماوية وغاز الأعصاب «السارين» صبيحة يوم الثلاثاء 4 نيسان، والتي راح ضحيتها عددٌ من المدنيين بينهم 30 طفلاً.

بيد أن الأمر مختلف تمامًا، فهذه الضربة الصادرة عن الولايات المتحدة الأمريكية بإدارة الرئيس دونالد ترامب، والتي تشكل الأولى من نوعها منذ 6 أعوام على بدء الأزمة السورية، لها أبعاد سياسية أكثر مما لها غايات عسكرية، أو كرد فعل على ثاني أكبر مجزرة كيماوية يقوم بها النظام السوري بعد مجزرة الغوطة، وإن كانت الغاية من هذه الضربة عسكرية لما أبلغت القيادة الأمريكية الروس بالقيام بقصف القاعدة قبل تنفيذ الضربة.

لم يخف على أحد استغلال روسيا الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية لتقوم بإثبات نفسها للعالم من خلال مشاركتها في الصراع السوري لصالح الرئيس بشار الأسد، حيث استخدمت كافة أنواع الأسلحة في قصف المدن السورية، لكن بعد فوز ترامب بالانتخابات أراد –ترامب– أن يثبت لروسيا أن دورها في الحلبة السورية هو الأساسي وأنها المهندسة لخريطة سوريا المستقبل، وكان هذا القصف الذي استهدف قاعدة «الشعيرات» هو الرسالة الأولى لـروسيا، فكل صاروخ توماهوك سقط على القاعدة العسكرية السورية، كان بمثابة رسالة ليست موجهة إلى روسيا فحسب، بل للعالم أجمع «59 رسالة ترامبية للعالم».

أما على صعيد الحلفاء فقد تواردت ردود الأفعال المؤيدة للضربة الأمريكية، كان أولها تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبّر فيه عن دعمه لقرار ترامب في هذه الخطوة، كذلك الأمر بالنسبة للردود الفرنسية، البريطانية..إلخ، والتي لم تخرج عن سياق التأييد نفسه الذي أبدته إسرائيل، هنا يتضح لنا كيف استطاع دونالد ترامب أن يبدد مخاوف حلفائه من سياسته الخارجية التي كان يشوبها الضبابية في ملفه الخارجي خاصةً، تلك المخاوف التي كانت مبنية على حملته الانتخابية والتي كان يتضح منها تغيير جذري في تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع الملف السوري باعتبار
النظام السوري ليس أولوية بالنسبة للإدارة الأمريكية، بل الإرهاب المتمثل بداعش هي الأولوية كعدو مطلق، بحسب تصريحات صدرت في وقت سابق عن البيت الأبيض حينما صرّح شون سبايسر المتحدث باسم البيت الأبيض بأنه «ينبغي أن نركز الآن على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، الولايات المتحدة لديها أولويات راسخة في سوريا والعراق، وأوضحنا أن مكافحة الإرهاب، خاصة هزيمة تنظيم الدولة، هي على رأس أولوياتنا».

إذن تمكن ترامب بضربة واحدة توجيه عشرات الرسائل للعالم، كما نال رضا حلفائه وإعادة هيبة الولايات المتحدة إلى سابق عهدها في عيون مناوئيها، بالإضافة إلى أن أمريكا استطاعت حصد فوائد عدة من هذه الضربة؛ منها ظهور الرئيس الجديد بمظهر القوي، فيما غدت هذه الضربة بمثابة إنذار لخصوم دونالد ترامب. رقعة الشطرنج الكبيرة هذه المسماة سوريا باتت تشكل حدود الهيمنة لكل الدول المشاركة فيها، لاعبين ومتفرجين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد