“الذين يفشلون في دراسة التاريخ هم الذين يحكم عليهم بتكراره” هكذا قال المفكر والفيلسوف الأمريكي من أصل أسبانى جورج سانتا يانا.

 في عام 1956م تعرضت مصر لما عرف بالعدوان الثلاثى وذلك في أعقاب تداعيات قرار تأميم شركة قناة السويس والتي كانت ترجع غالب عام ملكيتها لفرنسا وبريطانيا اللتان استعدتا للحرب بالتنسيق مع إسرائيل، وأعلن وزير خارجية بريطانيا أن بلاده سوف تستخدم القوة كحل أخير لمشكلة قناة السويس. في مساء 29/10/1956 هاجمت القوات الإسرائيلية مواقع الجيش المصرى في جنوب سيناء وأعقب ذلك الإنذار الفرنسي البريطاني لمصر وإسرائيل بوقف القتال في خلال 12 ساعة وإلا فإنهما سيتدخلان ضدهما.

 قبلت إسرائيل الإنذار – المتفق عليه – ورفضته مصر، وفى 31/10/1956 بدأت القوات الفرنسية والبريطانية بضرب المطارات المصرية وقصف بورسعيد والإسماعيلية والسويس وغيرها من مدن مصر، في 2/11/1956 احتلت إسرائيل سيناء بعد انسحاب الجيش المصرى، وفى 5/11/1956 احتلت فرنسا وبريطانيا مدينة بورسعيد؛ بعد توترات دولية شديدة والإنذار السوفيتى الشهير أوقف القتال ثم انسحبت بريطانيا وفرنسا في 23/12/1956 ( عيد النصر!!!!!) ، ثم انسحبت إسرائيل من سيناء وقطاع غزة في 6/3/1957 بعد حصولها على حق المرور الحر في مضيق تيران وخليج العقبة!!!. كما نُشرت قوات دولية للفصل بين القوات المصرية والإسرائيلية.

القائد المهزوم دائما جمال عبد الناصر في أعقاب ذلك يستمر فى تحقيق العديد من النجاحات السياسية الخارجية على الصعيد الأفريقى و حركة دول عدم الانحياز ومساعدة حركات التحرر الوطنى؛ إلا أنه غرق في مستنقع اليمن وتصاعد صراع الزعيم مع العديد من دول العالم العربى والأجنبى، وكذلك صراع داخلى مع كل معارضيه من القوى الشيوعية والليبرالية وحركة الإخوان المسلمين، وقد أثرت حرب اليمن بالأخص على كفاءة الجيش المصرى فضلا عن امتداد اهتماماته إلى الحياة المدنية والسياسية.

 في ظل ذلك الاحتقان الخارجي والداخلى يقرر ناصر في 23/5/1967 إغلاق مضيق تيران وكان ذلك يعنى وقف الملاحة الإسرائيلية في مضيق العقبة وتوقف عمل ميناء إيلات – قرية أم الرشراش المحتلة في 10/3/1949 م – كما قرر زعيم الأمة العربية سحب القوات الدولية من سيناء وحشد القوات المصرية بها تحسبا لمواجهة إسرائيل وكان كل ذلك يعنى الحرب. وطبقا لمذكرات بعض القادة الكبار كانت رؤيتهم عدم قدرة الجيش المصرى على مواجهة إسرائيل من حيث الجاهزية والاستعداد القتالى ووجود نحو ثلث الجيش في حرب اليمن التي استنزفت قدراته، وطلب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة اللواء أنور القاضي من الرئيس عبد الناصر عدم التورط في حرب في تلك الظروف غير المناسبة عسكريا، ليرد الرئيس الذى سلبه شعوره المتزايد بالعظمة والقوة – البارانويا – القدرة على رؤية وتقدير الموقف ” أنا أخذت القرار”.و يسير الزعيم في طريق الحرب متجاهلا رأى القادة الفعليين للجيش ويسأل من على شاكلته المشير عامر ” جاهز يا عامر” “برقبتى يا ريس” لتكسر رقبة الأمة وكبرياؤها مع بدء الحرب في 5/6/1967 بهجوم جوى مدمر على المطارات المصرية فيتم تدمير المطارات والطائرات على الأرض لتفقد مصر سلاحها الجوى كما حدث في 1956م.

كان الفريق الشهيد عبد المنعم رياض – الذى يعد من أعظم القادة العسكريين في مصر والعالم – يقود الجبهة الأردنية وحال رصده خروج الأعداد الكبيرة من الطائرات الإسرائيلية للجو أدرك على الفور توجهها لقصف المطارات المصرية فأبلغ القيادة المصرية المرتبكة فلم تفعل شيئا، ثم أبلغ على الفور القيادة السورية بالوضع وحتمية إرسال الطائرات السورية بأقصى سرعة لقصف المطارات الإسرائيلية وحال عودة الطائرات الإسرائيلية لن تستطيع الهبوط فتتحطم أو ينفذ وقودها فتسقط ، ومن ثم تفقد إسرائيل قوتها الجوية ويتبقى للعرب قوة الجو السورية والأردنية والقوات الأرضية التي ستتمكن من سحق القوات الإسرائيلية.

 ظلت القيادة السورية تماطل !!! حتى عادت الطائرات الإسرائيلية وبدأت موجات جديدة من القصف لتدمر المطارات السورية، ومطارات في الأردن وبعض المطارات العراقية، وتستباح سماء الجبهات العربية ولتحقق إسرائيل نصرا لم تكن تتوقعة، ويلقى القادة العرب الأشاوس هزيمة ساحقة دفعت الشعوب العربية ثمنا باهظا لها؛ بلغت الخسائر على الجبهة المصرية 11500 شهيد و5500 أسير، ونحو 5000 جريح، وتدمير نحو 80% من معدات الجيوش العربية المشاركة.

 وعلى الجبهة السورية استشهد نحو 2500 سورى وأسر 591 مقاتل، وعلى الجبهة الأردنية استشهد 6000 وأسر 533 فضلا عن آلاف الجرحى؛ بينما خسرت إسرائيل ما بين 700 إلى 1000 قتيل و4517 جريح و15 أسير. وتمكنت إسرائيل من احتلال أراضى تفوق مساحتها البالغة (20700كم2) قبل 5يونيو 1967 بأكثر من ثلاثة أضعاف كالتالى: سيناء 61198 كم2 ، هضبة الجولان 1150كم2 ، الضفة الغربية 5878كم2 ، قطاع غزة 363كم2 ؛ كما سيطرت على مدينة القدس كاملة والمسجد الأقصى وجزيرتى تيران وصنافير؛ وتم تهجير نحو 400ألف فلسطيني من الضفة والقطاع إلى الدول العربية والعالم وعشرات الآلاف من مدن القناة في مصر وهضبة الجولان إلى داخل أوطانهم.

الموقف الذى يستحق التفكير لماذا لم تستجب القيادة السورية لرأى الفريق عبد المنعم رياض والذى كان من الممكن جدا أن يقلب موازين المعركة لصالح القوات العربية!!!؟. لقد هاجمت القوات الجوية الأردنية الصغيرة بعض المطارات الإسرائيلية بأمر الفريق رياض لكن قوتها لم تكن تكفى لتحقيق خطته وكان لابد من مشاركة القوات الجوية السورية الأكثر قوة.

إن هذا الموقف للقيادة السورية – والتي كان على رأسها الرئيس نور الدين الأتاسى ووزير الدفاع حافظ الأسد – يقبل العديد من الأوصاف والتفسيرات التي لا تخرج في مجملها عن الخيانة والعمالة أو الإهمال واللامبالاة وسوء الإدارة الذى يصل إلى حد الخيانة والعمالة أو أسوأ منهما لأن النتيجة واحدة في كل الأحوال، لقد أعلن حافظ الأسد سقوط هضبة الجولان قبل تمام اجتياحها بنحو ست ساعات تلك الهضبة التي تشرف من علٍ على إسرائيل ويمكن لقوات المدفعية المرابطة عليها أن تتسبب في دمار هائل في قلب إسرائيل فضلا عن سهولة الدفاع عن المرتفعات!!!!!. وتبقى إذاعة صوت العرب تصدح ” أمجاد يا عرب أمجاد” أين هي؟؟؟. وأين حمرة الخجل؟؟؟. رحم الله الجنرال الذهبى الفريق الشهيد عبد المنعم رياض الذى رحل وهو يعد لجولة جديدة من الصراع وهو طاهر اليد مخلص لأمته. رحل ولسان حاله يقول لا تفقد الأمل هناك دائما حل حتى في أسوأ اللحظات، وكن دائما مخلصا لأمتك وقف دائما في المكان الصحيح وفى التوقيت الصحيح واتخذ القرار الصحيح و لا تتعدى أبدا حدود مهامك التي يجب أن تؤديها بكل دقة وأمانة وإن كلفتك روحك ففيها حياة الأوطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد