هناك العديد من السلوكيات والمواقف التي نقوم بها بشكل لا إرادي عقب أحداث معينة بشكل فوري، من هذه السلوكيات التساؤل عن دور علماء الدين عقب أي حدث نرفضه أو نستنكره.

حيث عندما نشاهد مجزرة أو استهدافًا في بلد مسلم، فسرعان ما نصرخ: أين علماء الدين! وعند انتشار أية ظاهرة سلبية في المجتمع، فسرعان ما نهتف مستنكرين: أين دور رجال الدين؟ وإذا ما اكتشفنا أي سلوك أو حدث لا يتناسب أو نكون معارضين له نبحث عن رجال الدين!

كأن رجال الدين كارت جوكر لكل المشاكل والمعاناة التي تواجهنا في الحياة، في حين واقع رجال الدين شكل آخر مختلف عن هذه الانطباعات البدائية.

في هذا المقال سوف نعرض ستة أسباب تدعوك للكف عن مناشدة رجال الدين بالشكل الحاصل، باعتبارها سلوك غير مثمر لا جدوى منه:

1- خرافة العمامة الجوكر

أصل هذه القناعة، كأي مورث ديني أو اجتماعي في حياتنا لم نكلف أنفسنا يومًا عناء التحري عنه وإصلاحه، حيث تعود أسباب هذه القناعة تجاه رجال الدين بهذا الشكل المبالغ به إلى قرون عديدة نتيجة طبيعة الحياة الاجتماعية التي أعطت مكانة هامة لرجال الدين؛ لأسباب عديدة، أبرزها أن الحكومات الحاكمة آنذاك كانت حكومات دينية إسلامية، يكون لرجال الدين تأثير ودور أكبر في الحياة الاجتماعية نتيجة ارتباط رجال الدين بالحكم الديني.

أما السبب الآخر فهو أن رجال الدين كانوا الطبقة الوحيدة التي تمتهن وتجيد العلم، سواء الشرعي أو المادي، حيث إن رجل الدين كان عالمًا بالمعنى الحرفي والواقعي، في حين العوام كانوا من الأمية الذين يعتبرون أن رجال الدين الأكثر فهمًا وتأثيرًا منهم، خاصة مع استغلال بعض رجال الدين جملة من النصوص الدينية التي تدعي قدسية وجودهم ودورهم، بالإضافة إلى ارتفاع مستوى الالتزام بالدين والعبادات، الأمر الذي أنشأ قدسية لرجال الدين في مجتمع، توورثت وامتدت عبر الأجيال بشكل طوبائي.

2- الأغلبية منهم علماء سلاطين

قلة هم علماء الثورة في التاريخ الإسلامي، حيث من النادر أن تجد عالمًا شجاعًا، كالعز بن عبد السلام بائع الملوك، أو متمردًا مثل أبي حنيفة، أو صامدًا كأحمد بن حنبل، أما الكثير منهم، فعلماء سلاطين، ولست بحاجة لأستدل بروايات تاريخية عن دورهم في صناعة الطغيان، يكفي ما تشاهد أمامك يوميًا من فتوى مضحكة وأخرى شاذة، إذ ليست بعيد عنا فتوى ميزو الأزهر في مصر، أو طقوس رجال الدين في المغرب من ركوع مبتذل إلى أمير المؤمنين محمد السادس، ولا حتى تناقضات فتوى رجال الدين في السعودية والخليج.

وحتى فتوى التيارات الإسلامية التي تعتبر نفسها معارضة وثورية، كيف تعمل على تبرير جرائم قادتها ومداهنة البعض الآخر بأغرب الأشكال والصور، إلى حد أن عبودية هذه العمائم في هذه التيارات لا تقل عن قبح عبودية العمائم التقليدية تجاه حكوماتها، جربوا أن تقولوا إن سيد قطب قد أخطأ أو حسن البنا غير صائب، لأتباع الإخوان المسلمين، أو تقولوا للسلفية محمد عبد الوهاب تزمت، أو تقولوا لعناصر التنظيم أن البغدادي ألحق بالمسلمين الضرر، أو حتى على مستوى الفرق، كالصوفية، جربوا انتقاد شيوخهم والخرافات التي يقومون بها، وانظروا إلى ردود الأفعال!

3- هم سبب تفرق الأمة

سواء كانت طائفتي الصواب أو طائفة خصمي، فإن المحصلة تعدد هذه الطوائف نتيجة الخلافات بين رجال الدين واجتهاداتهم تلك بديهة لابد أن ندركها، فالكم الهائل من الطرق الصوفية أو المذاهب والفرق الأخرى ما انجبت من فرق وطوائف.

أخذت بالاستمرار والتفرع بسبب تلك الاجتهادات إلى حد هناك فرق ومذاهب إسلامية لو سمعت بها لأصبت بالدهشة من تسمياتها كيف بوجودها وعقائدها، لعل أبسط مثال عن دور رجال الدين في شق الصفوف ما نعيشه اليوم، من انعدام موقف إسلامي موحد حتى داخل تلك الطوائف والمذاهب ذاتها، الأمر الذي انتقل إلى التيارات الإسلامية، سواء الجهادية أو السياسة، وكيف كل منهم يتخذ من الدين والفتوى مبررات فورية من أجل مكاسب معينة.

ألا يمكن أن نكتفي بسوريا مثالًا؟ ونتساءل هل فعلًا سبب فشل الثورة السورية هو المحور الروسي الإيراني والتخاذل الأمريكي؟، ماذا إذًا عن حرب الفتوى التويترية بين الفصائل الإسلامية في سوريا والدماء التي سقطت في هذه الحروب بين أبناء المذهب والهدف الواحد!

4- أهمية اعتباطية

كنت ذكرت في النقطة الأولى حول الواقع الاجتماعي آنذاك بين طبقة قليلة متعلمة، وهم رجال الدين، وبين أغلبية أفراد مجتمع في حالة من الأمية، هذا الحال والواقع تطور وكون ما يشبه عقدة طبقية لدى رجال الدين.

حيث غالبًا ما يشعر رجال بأنهم أعلى من العامة وأكثر فهما، والعامة تحتهم بطقبات ضوئية، وهذا الشيء يكاد نلتمسه إلى هذا اليوم لدى الكثير من رجال الدين، في الحقيقة هذه العقدة لو كانت قبل 200 سنة لكان لهم الحق في ذلك، إذ كانت هناك نسبة عالية من الأمية كما أشرنا، واعتبارهم فعلًا اكثر فهمًا من فئات المجتمع الأخرى، لكن الآن وبعد تطور الزمن إلى هذا المستوى، وفصل العلم الشرعي عن العلم المادي، وارتفاع مستوى التعليم لدى أفراد المجتمع، يكون من السخرية اعتبار المعمم أكثر فهمًا من ذوي الاختصاصات الأخرى، أو فهمًا من الأفراد الآخريين، وإن كان أحدهم يشعر بمجرد ارتداء العمامة ودراسته العلوم الشرعية بأنه الأذكى من الآخرين والأحق بقياداتهم!

حيث إن عقلية كهذه لا تفقه غير الاختصاص الشرعي، تحاول تحميل الأمة الإسلامية منة هذا الاختصاص، لا يمكن أن تكون قادرة على تقديم حلول أو معالجة المشاكل أو حتى قيادة الأمة، هناك ما يعرف بفارق الاختصاص، إذ بموجبه لا يمكن أن يقوم رجل الدين بعملية جراحية لمريض ما، كما لا يمكن أن يقوم  الطبيب بإصدار الفتوى الدينية!

5- الإصلاح لا يتطلب وجودهم

لندع كل ما كتب اعلاه واسالك بصراحة لو اليوم ذهبت إلى صلاة الجمعة، وقال الخطيب هلموا بنا نتظاهر ضد هذه الظاهرة، أو ذلك المسؤول الذي لطالما تنتقده وتتساءل عن صمت رجال الدين عنه؟!

هل سوف تقوم بطاعته وتذهب خلفه، وهل فعلًا أنت مقتنع بأن رجال الدين يمكنهم حل المشاكل الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية؟!

ثم ما الذي يمكن أن يقدمه أو يستطيع القيام به رجل الدين وأنت تعجز القيام به؟ إذ إن الفكرة لا تحتاج إلى عمامة، ولا الإصلاح يحتاج إلى خطبة، ولا النهوض بالمجتمع في حاجة إلى تفسير آية أو حديث، هل فكرت في ذلك يومًا قبل أن تصرخ متذمرًا: أين رجال الدين؟!

وحتى على مستوى الدفاع عن الدين الإسلامي باعتبارك مسلمًا، هل تظن بأن الدفاع عن الدين مسؤولية رجال الدين حصرًا؟ وهل هناك أمر إلهي يتطلب إذن الإصلاح منهم، كي تصلح ظاهرة أو تغير سلوكًا أو حتى تدافع عن قضية، أم أن الثرثرة عن دور رجال الدين مجرد مبرر لاخفاء العجز والتقاعس عن الإصلاح؟

6- يريدون حصر العالم فيهم وبينهم

كنت في النقاط السابقة ذكرت أنه لا يوجد ما يمكن أن يقدمه رجال الدين بالشكل الحاصل، لكن في هذه النقطة على العكس، أقول فيها بأن باستطاعتهم تقديم المنجزات والحلول في بعض الجوانب من شأنها إحداث تغيير في العالم الإسلامي العربي.

قد لا يعلم الكثير بحجم المبالغ التي تنفق تحت شعار الدعوة الإسلامية، أو حتى واردات الحج العمرة والزيارات الدينية عامة، التي تعادل ميزانياتها عشرات من ميزانيات الدول الجائعة.

فضلًا عن المبالغ التي تنفق على بناء المساجد والأضرحة التي لا تقدر أيضًا، كم يمكن من خلالها إنقاذ البشر وإطعام الجياع! على أية حال، لا أريد أن أتحدث عن الجانب الإنساني في استغلال تلك الأموال على شكل جمعية إسلامية عالمية، كيف يمكن أن تساهم في معالجة نسب الفقر وتساعد المحتاجين في هذا العالم، ما سوف أتحدث عنه شيء أكثر خصوصية، وهو الهوية العلمية، تلك المشكلة التي يواجهها الكثير من الشباب الإسلامي، وعلى رأسهم رجال الدين.

إذ على الرغم من انتشار الجامعات الإسلامية في غالبية البلدان العربية، إلا أنها لم تقدم إنجازًا واحدًا أو تحظى بالصدارة الدولية ولو لعام واحد، أو حتى سجلت في تاريخ العلوم اختراعًا يذكر.

ذلك ما يدفعك للتساؤل، أليس الأفضل، أو من قدرة رجال الدين، خاصة أولئك الأغنياء من رواد الوعظ المتلفز، افتتاح جامعة ذات هوية علمية عالمية، تعمل على إثبات وجودها العلمي المحايد، ولا ضرر حتى من دعم وجودها الديني، بدلًا عن سطحيات التنمية البشرية، أو خرافات زغلول وعلي كيالي، التي أصبحت تسيء لرجال الدين، وأسلمة العلم أكثر فأكثر؟ إن لم يكن الأفضل بأن تكون هذه الجامعات نقلة نوعية في حركة العلم في العالم العربي والإسلامي عامة.

لكن ما العائق؟ عمومًا أظن بأن الحرص على واقع هذه الكليات الدينية والاهتمام بالفقه وما يتصل بالجوانب الشرعية فقط، لا يعود إلى أسباب نظريات المؤامرة بكل فروعها، أو الحفاظ على العلم الشرعي من الانقراض، إنما يعود إلى شخصية رجال الدين.

تحديدًا صفة الطبقية التي أشرنا إليها أو الخصوصية المفرطة، حتى لا يعتبر البعض تلك إساءة بحق المراجع الكبار، لهذا اعتقد نجد الشاطر فيهم من يؤلف كتابًا عن كتاب يفسر كتابًا لعشرة كتب، كأن الكتاب الأخير مفهوم حتى الأول، والغريب مع لغة التعقيد في تلك المؤلفات وأعدادها الهائلة، تشعر بأن هناك إقبالًا عليها، وأهمية قصوى، في حين لو بحثت في قائمة قراء تلك الكتب لا تجدهم يتجاوزن أصابع اليد، إذًا لكل كتاب مذهب، وشيخ يقرر ما تقرأ وما لا تقرأ، أما عن دراسة الجوانب العلمية الأخرى، فلسان حالهم: نحن أتباع الآخرة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد