تعاني القضية الفلسطينية منذ احتلال إسرائيل لها عام 1948 بضعف الحلفاء والمناصرين وكثرة الخصوم الراغبين بتصفية القضية، حيث تُرك الشعب الفلسطيني الأعزل وحيدًا مُجَرَّدًا من أي وسائل مقاومة ونضال أمام آلة الحرب الإسرائيلية التي لا تزال ترتكب بحقه المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان على الرغم من كثرة قوانين تلك الحقوق وتشريعاتها الدولية؛ إلى جانب احتلالها الأرض والسيطرة على ثرواتها.

في وسط صمت دولي بل وفي أغلب الأحيان ضعف يسيطر على مؤسسات المجتمع الدولي، والتي تقف عاجزة عن تنفيذ أي استحقاقات للشعب الفلسطيني على الرغم من بعض قرارتها الدولية المشهورة، والتي منها قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية.

ومع كون إسرائيل دولة غريبة على جغرافيا المنطقة العربية وتاريخها؛ والتي تأسست بخطى جدِّية بعد وعد بلفور الشهير في الثاني من نوفمبر 1917؛ إذ أعطى من لا يمتلك «بلفور ممثِّلًا عن حكومة بريطانيا العظمى» أرضًا إلى من لا يستحق «اليهود»؛ دخلت إسرائيل مع المنطقة بسببها في حروب ونزاعات بالرغم من بعض اتفاقيات سلام مُذِلَّة لشركائها العرب؛ صحب ذلك موجات من تطبيع العلاقات مع باقي دول منطقة الشرق الأوسط والعالم وإن كانت خفية ومن أبواب تجارية في بعض الأحيان.

تعتبر العلاقات الإسرائيلية والسياسة الخارجية الإسرائيلية من وجهة نظر إسرائيل أحد أهم الموارد الضرورية لبقائها وتطبيع علاقاتها مع الآخرين؛ حيث سعت بكل جهودها لعلاقات طبيعية ومتبادلة وبخاصة دول المنطقة مع كل دول العالم، وهي تسعى بذلك إلى تغيير الصورة المعروفة عنها بأنها دولة احتلال وتمييز عنصري حتى اضطرها ذلك إلى تشكيل قسم يتبع وزارة الخارجية، مهمته إعادة تحسين صورتها التي تشوهت – حسب ادعائها – ما بعد حروب إسرائيل الثلاث على قطاع غزة والتي خلفت دمارًا واسعًا في البنية التحتية وآلاف الشهداء وعشرات الجرحى وسط صمت مؤسسات المجتمع المدني.

تحل ذكرى احتلال فلسطين «النكبة» الثامنة والستون على الشعب الفلسطيني وهو في نكبات متجددة، وانسدادات في الأفق السياسي الداخلي، على صعيد المصالحة الوطنية بين حركتي فتح وحماس، وعلى الدور السياسي الذي من المفترض أن تقوم به السلطة تجاه عشرية حصار غزة على أثر انتخابات أفرزت ممثلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية المحتلتين وقطاع غزة؛ لكن كشفًا سريعًا لحصاد السياسة الخارجية الفلسطينية الرسمية يظهر تراجعًا في كثير من الأحيان لصالح إسرائيل ومد طوق نجاة لها، تمثل أكثر من مرة بإنقاذها من الإدانة بناءً على تقارير مؤسسات دولية وحقوقية، توثِّق جرائمها ضد المدنيين الفلسطينيين وبخاصة في قطاع غزة، ومنها تقرير القاضي الشهير اليهودي الأصل جولدستون خلال حرب تل أبيب على غزة أواخر العام 2008؛ وهي بذلك – السلطة – لم تُقْدِم على حماية مواطنيها أو الدفاع عنهم فضلًا عن إسقاط جهود دولية في تعرية إسرائيل أمام الرأي العام.

كما تمثلت إحدى عورات السلطة في سعيها بل وطلبها من السلطات المصرية عدم فتح معبر رفح فضلًا عن السماح للأنفاق الإنسانية بالعمل إلى قطاع غزة؛ ورفضها الجهود التي تقودها تركيا للتخفيف عن الغزيين بإرسال سفينة توليد كهرباء واشتراط أنقرة رفع الحصار وإنشاء ميناء في غزة، مقابل تطبيع علاقاتها مع تل أبيب وعودتها إلى ما قبل حادثة الاعتداء على سفينة مافي مرمرة التركية؛ بل تعدى ذلك الرفض إلى التصريح بأن هذه الجهود تضر بالقضية الفلسطينية وهو أمر يُعدّ سياسيًا خسارة لدولة مناصرة للقضية الفلسطينية بحجم تركيا ودورها وموقعها في المنطقة.

لا شك بأن خسران حلفاء ومناصرين لقضية فلسطين التي تعد قضية المسلمين والعرب بشكل عام، هو بمثابة تقزيم للقضية وحصرها بين طرفي نزاع على ملكية أرض مجهولة الملكية، ومنح الاحتلال فُرَصًا أكبر للانقضاض على الطرف المُنازِع له والاستفراد به، دون الخوف من وجود رادع له حتى من الدول الإقليمية التي لا يرغب في فقدان علاقاته معها في كافة المجالات، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

لكن وفي الوقت نفسه؛ تخوض حركة حماس – كبرى حركات المقاومة – صراعًا سياسيًا ليس أقل من خصمها الفلسطيني – السلطة وفتح – على تحقيق اختراق في المشهد السياسي برغم تفوقها عسكريًا في ثلاث حروب شرسة شنتها إسرائيل على غزة لإنهاء حكم حركة حماس، في الوقت الذي يستمر فيه الحصار لسنواته العشر، في الوقت الذي تراوح العلاقة مكانها المتأزم مع الجارة الشرقية مصر في ظل حكم رئيس الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، والذي لا يخفى تقدمه عبر جهاز مخابراته من حماس لمساعدته في الإمساك بأمن شبه جزيرة سيناء، والذي قام بما لم يقم به المخلوع مبارك في أوج قوته وسلطته وعلاقاته مع تل أبيب.

تقف الفصائل في القضايا السابقة وقضايا أخرى فلسطينية موقف المتفرج منها، أو كأطراف تبذل ضغطًا يرفع عن كاهلها عتبًا قليلًا؛ وهو ما يعكس ضعفًا شديدًا في فاعليتها السياسية سنوات من الانقسام السياسي والجغرافي، مما يهدد وجودها وجعلها أرقامًا فقط في تعداد المنضوين تحت مسمى منظمة التحرير.

بعد ثمانية وستين عامًا على احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية، وفي ظل حروبها الثلاث المدمرة على غزة، وفي ظل تمسك السلطة باتفاقيات وقعتها معها ومنها التنسيق الأمني الذي يرفضه جزءٌ كبير من الشعب الفلسطيني ويراه عبئًا وجرمًا لا يغتفر، يبقى التساؤل: ما الذي سيتغير إلى حين الذكرى التاسعة والستين على ضياع فلسطين؟ وكيف بالإمكان تعديل الطريق اختصارًا للوقت وتوفيرًا للدم الفلسطيني؟ وإلا فلا أرضًا قطع الفلسطينيون ولا ظهرًا أبقوا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد