يقول المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة «من سنن الله في المجتمعات أنها عندما تغيب الفكرة يبزغ الصنم، وإنها لشرعة السماء، غير ما بنفسك تغير التاريخ» ما القصد من كلام الأستاذ مالك في هذه الكلمات الموجزة العميقة وما علاقتها بنكبتنا، سأحاول جاهدا الاستفادة من كلماته في إيجاز محاولا أن أطابق كلماته على حالنا  وحال المجتمع العربي والإسلامي بشكل عام.

لست هنا بصدد الخوض في موضوع سياسي أو تاريخي، وإنما محاولا إيجاد أجوبة لبعض أسئلة تدور في مخيلتي وأظنني لست الوحيد الذي سأل نفسه، لماذا انتكبنا؟ لماذا الهزيمة؟ لماذا لم نعد إلى أراضينا المسلوبة إلى الآن ونحن في الذكرى 68 للنكبة التي أصبحت كابوسا مزعجا يلاحق كبيرنا وصغيرنا؟ وقبل الخوض في موضوع الهزيمة والانتكاس نقف قليلا عند بعض اللحظات من تاريخ نكبة فلسطين التي ما هي إلا باب لانتكاس العرب وانهيارهم اخلاقيا واجتماعيا وسياسيا وحضاريا؟ أطماع اليهود في فلسطين قديمة فهي بالنسبة لهم أرض الميعاد كما ذكرت في التوراة حسب زعمهم، فاليهود منذ القرن العشرين وهم مشتتون في مختلف بقاع الأرض، وبسبب أفعالهم المشينة تم عزلهم في مختلف البلاد في أحياء خاصة بهم سميت آنذاك بالغيتو، ولطالما حلم اليهود بإقامة وطن قومي لهم يجمعهم ويحيون فيه حياة كريمة وإن كان على حساب تهجير وقتل شعوب أخرى، عندما ظهرت الأفكار القومية في أوروبا بادر اليهود إلى اعتناق هذه الأفكار وتأسيس حركة قومية على أساس ديني ثقافي عرفت باسم الحركة الصهيونية وقد تحولت الحركة الصهيونية من شكلها الديني إلى الشكل السياسي ولطالما راود اليهود حلم الوطن القومي الذي يجمعهم حتى جاء أبو الصهيونية العالمية ثيودر هيرتزل بفكرة إقامة وطن قومي لليهود – وهو رجل سياسي وفكرته سياسية بحتة لا علاقة لها بالدين والتوراة – في إحدى الدول التالية، أوغندا والأرجنتين وفلسطين، ولكن لم يلق لصوت فكرته صدى من رؤوس الأموال الصهيونية آنذاك ولا من الحاخامات الذين عارضوه بشده على فكرته بإقامة وطن قومي لليهود حتى استغل التوراة والديانة اليهودية للترويج لفكرته وتحقيق حلمه تحت غطاء الدين فبدأت فكرته تلقى قبولا عند حاخامات اليهود بتحقيق حلمهم بالعيش في أرض الميعاد، وتم الإعلان رسميا عن تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية بعد انعقاد مؤتمر بازل في سويسرا عام 1897 والتي من أهدافها حشد اليهود من جميع أنحاء العالم إلى فلسطين وتأسيس صندوق مالي لدعم مشاريعهم، إن هجرة الصهاينة إلى فلسطين لم تتوقف منذ عام 1900 وبناء مستعمرات لهم في أرض السمن والعسل لها تاريخ يعود إلى ما قبل النكبة، وفي عام 1917 عندما احتلت بريطانيا فلسطين تم الإعلان عن منح جزء من فلسطين لصالح اليهود وهو ما يسمى بوعد بلفور – وعد من لا يملك لمن لا يستحق – وكان اليهود يشكلون آنذاك نسبة 5% من السكان.

تم الإعلان رسميا عن الوطن القومي لليهود في فلسطين بتاريخ 15-5-1948 حيث قامت عصابات الصهاينة بتهجير أكثر ما يزيد عن 800 ألف فلسطيني وتدمير ما يقرب من 500 قرية فلسطينية وقتل الآلاف في مجازر مروعة، بهذا قامت الدولة الصهيونية على أشلاء الفلسطينيين العرب وعلى سمع وبصر العالم أجمع، ولكن تبقى الأسئلة دون جواب، لماذا لا نستطيع العودة؟ لماذا تركنا أراضينا أصلا؟ هل ضعف في أنفسنا أم خيانة من الأنظمة؟ أم أنه قضاء وقدر حكم علينا بالهروب وترك أرض نشأ فيها أجدادنا لطالما حلمنا بأن نراها ولو للحظة.

إن هزيمتنا ونكبتنا هي بالأساس من عند أنفسنا وأننا بمجرد ضياعنا الفكري والعقائدي كان لزاما علينا أن نضيع أرضنا وبلادنا، ولأنه على قدر أهل العزم تأتي العزائم للأسف ما كانت روح العزيمة والجد في أنفسنا، إن النكبة وإن كانت قدرا من الله فإن باستطاعتنا دفع قدر الله بقدر الله لأن الله بشّر من ينصره بالنصر «وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم»، فإن لله سننًا ثابتة في المجتعمات لا تتغير ولا تتبدل والتاريخ لا يرحم من كان ضعيفا، إن الاستعمار ليس من عبث السياسيين بل هو من من النفس ذاتها التي تمكن المستعمر منها وتمكن له في أرضها، فكما أن هناك استعمار يقابله قابلية للاستعمار، فما هي قابلية الاستعمار التي تغلغلت في نفوسنا حسب مفهوم مالك بن نبي في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.

ما يجعل حلم العودة بعيدا أمراض تفشت في مجتمعنا وفي أنفسنا، منها:

  1. انتشار مبدأ التجسيد – التقديس – لدينا لدرجة عبادة الأشخاص والأحزاب وعدم قبول النقد البناء وعدم القبول بالرأي الآخر وهذا ليس غريبًا وله جذور تضرب في مجتمعنا منذ زمن بعيد، فكما قدس أجدادنا عادات وتقاليد بالية وأشخاص أيضا وغفلوا العقل في التفكير والبحث عن الحقائق كما أمر ديننا وكما هي فطرة الإنسان ولد في أنفسنا تقديس لأفكار وأحزاب ورايات وإن كانت بعيدة عن الصواب، ومن هنا أقتبس مما قاله المفكر الجزائري مالك بن نبي «إن خطر التجسيد قد وضعه القرآن صراحة في وعينا بقوله:
    «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم»
    هذا التحذير ليس موجهًا هنا لتفادي خطأ أو انحراف مستحيل من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه من أجل الإشارة إلى خطر تجسيد الأفكار بحد ذاته». مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي- .
    والقصد من هذا الكلام أن الرسول بشر وهو أكرم البشر يموت وتبقى رسالته ومبادئه التي تركت أثرا كبيرا في نفوس صحابته والتي استطاعوا من خلالها أن يصبحوا من بدو في الصحراء إلى أعظم أمم الأرض، إن الصحابة الكرام لم يحتفلوا بذكرى وفاة الرسول كما نفعل نحن نحتفل بذكرى استشهاد قادتنا وتعظيمهم إلى حد يصل الجنون، ولكن عملوا بعد موت الرسول بالمبادئ والأفكار التي تركها لهم رسول الله التي هي وحي من الله تعالى، إن قادتنا ما هم إلا بشر يصيبون ويخطئون والواجب علينا كمجتمع الأخذ من أفكارهم ومبادئهم وتقبل انتقادهم من الطرف الآخر لأنهم في النهاية بشر، وهذا عمل كثيرا على إغفال جانب العقل وجعل الثورة مجسدة في هؤلاء الأشخاص إن ماتوا ماتت مسيرتنا، مما جعل الفكرة مجرد وثن لا يقدم ولا يؤخر .

 

  1. احتقارنا لذواتنا لدرجة أننا أقنعنا أنفسنا بعدم مقدرتنا على من هو يفوقنا عددا وعتادا وهذا ليس غريبا فبدلا من أن يعلمنا أجدادنا على مبادئنا الصحيحة المستمدة من القرآن وسير الصحابة مثلا الآية «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة»، علمونا أمثالًا شعبية لا تسمن ولا تغني من جوع مثل – الكف لا تلاطم المخرز – والغريب في الأمر أن أمثالنا الشعبية هذه تركت في نفوسنا أثرًا عن طريق اللاوعي فأصبحنا مقتنعين بها تماما وعملنا بها، من هنا ربينا أنفسنا على الخضوع والإذعان للقوي، وأيضا كوننا مجتمع عشائري تحكمه عادات القبيلة والعشيرة تعودنا أن نسلم زمام أمورنا للكبير وإن كان يؤدي بنا إلى الهاوية وإن كان رأيه خاطئ لا نجرؤ على الانتقاد لأنه بنظرنا أفهم من الصغار وأكثر خبرة، مما كان له تأثير كبير لأن الفرد يتأثر بمجتمعه وبيئته مما ينعكس على حياة المجتمع بأكمله فأصبحنا لا نتخذ قرارًا يمثلنا ويعبر عن ذواتنا مما سمح للحاكم في مجتمعنا أن يتخذ ما يراه مناسبا نيابة عن الشعب بأكمله باعتباره كبيرهم وأكثرهم خبرة في السياسة.

 

  1. الانسلاخ الفكري والعقائدي الذي نعيشه منذ زمن أجدادنا والذي نرى أثره بوضوح في نفوس شباب اليوم لدرجة أنهم تأثروا بما هو غريب على مجتمعنا وأصبحوا يقلدون كل ما هو غربي أو شرقي بحكم أنه لا مرجعية لنا، فتارة ترانا نذهب للاشتراكية نأخذ كل جيد ورديء منها وتارة نأخذ من الغرب حتى أصبحنا غريبين على ذواتنا ومجتمعنا مما كان سببا في هزيمتنا حضاريا واجتماعيا. إن عدم وجود قاعدة صلبة يتربى عليها الجيل الجديد كانت الهاوية والصدمة لنا وتأخرنا من اللحاق بالعالم المتقدم.
  2. مطالبتنا بالحقوق وإغفالنا للواجبات، إن العودة إلى أراضينا ليست حقًّا لنا كما ندعي بل هو واجب علينا لأنها عندما تكون حقا ننتظر من غيرنا أن يعطينا هذا الحق ونرى أنفسنا بأننا ضعفاء مظلومون لا حول لنا ولا قوة ويثبط من هممنا وعزيمتنا كوننا ننتظر هذا الحق، أما عندما تكون واجبا إلزاميا علينا نعمل جاهدين على الالتزام بواجبنا، ونقتبس أيضا من كتاب شروط النهضة لمالك بن نبي «لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغائب بل فيما يسودنا من عادات، وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية بما فيها من قيم الجمال والأخلاق، وما فيها أيضا من نقائص تعتري كل شعب نائم». القصد أننا عدنا غير قادرين على تحمل المسؤولية، فما أصابنا من هزائم هو في النهاية مما اكتسبت أيدينا، فالنكبة كانت بسبب ضعفنا وقلوبنا المفرغة من الهمم العالية وعقولنا المفرغة من العلم والتفكر، وما نسميه حق العودة هو حسب مفهوم الأستاذ مالك واجب العودة وليس حقا إن أردنا أن نراعي الدقة في الحكم على الأمور.

إن النكبة أكبر من كونها موضوع أرض واغتصبت، إنما هي أفكار ومبادئ أهملت وضياع فكري وعقائدي، وإن بقينا هكذا سنشهد نكبات وانتكاسات عديدة أكبر من نكبة فلسطين، لا نريد أن نسترجع أرضا خاوية لا نستطيع إعمارها أو نعتمد على غيرنا في إعمارها كبعض الدول العربية، نريد في الأساس العودة إلى ذواتنا بعدها سنتمكن من استعادة أرضنا المسلوبة وإعمارها، «إن الحرية عبء ثقيل على الشعوب التي لم تُحضّرها نخبتها، لتحمل مسؤوليات استقلاله.

يقول تعالى «أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار»، نريد أساسا صلبا وقاعدة متينة ننطلق من خلالها وهذا لا يتحقق من خلال اعتناقنا للاشتراكية وغيرها، بل يتحقق من خلال العودة إلى ذواتنا ومبادئنا التي نعرف من خلالها من بين الأمم ونحقق تقدمنا كما تحقق مع أسلافنا من قبل، وأن الاستعمار ما كان ليأتي لأرضنا ويغتصب ثرواتنا لولا أن وجد فينا قابلية الاستعمار مثل الجهل والتخلف والفقر.

أقول ختاما، لا عودة للوطن دون العودة للذات والمبادئ، إن من ترك بلاده في يوم وليلة لن يسترجعها في سنة ولا سنتين، إن طريقنا تطول وقد لا تنتهي إذ بقينا في غفلتنا، وإن احتفاظ أجدادانا بمفاتيح بيوتهم التي تركوها على أمل أن يعودوا يوما ما هو ضرب من ضروب الخيال، كان من الأفضل لهم بدل توريث المفتاح من الجد للابن هو توريث المبادئ والأفكار التي تبني ذواتنا وتعرفنا بها، وبدل أن يعلمونا زريف الطول -مثلا- كان حري بهم قراءة سورة الأنفال علينا، ويبقى الأمل بإذن الله، وإن تنصروا الله ينصركم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

النكبة
عرض التعليقات
تحميل المزيد