وها قد تمت سبع سنوات كاملة مُرّة مرارة الحنظل على المصريين منذ قيامهم بثورتهم الشعبية في 25 يناير (كانون الثاني) 2011، سنوات عجاف تحول حالهم فيها من سيئ إلى أسوأ، سبعة أعوام مرت لنحصي في كل عام محصلة القتلى والمصابين ثم في الأعوام الأربعة الأخيرة أضفنا إلى القائمة المعتقلين والمختفين قسريًا بل وعدد الإعدامات للمعتقلين السياسيين وعدد المحكومين عسكريًا من المدنيين؛ ثار الأشراف من المصريين على الفساد فلم يعاقب الفاسدون، بل دخلوا مؤقتًا سجونًا فندقية وعوملوا بأحسن معاملة، حتى إن السجان كان يعطي التحية العسكرية للمسجون! حتى استبدل العسكر الخائنون بهؤلاء الفسدةِ الأشرافَ الذين وضعوا حياتهم وأرواحهم رهنًا لنجاح هذه الثورة ولإحياء هذا البلد الطيب ولم يقطفوا من ثمارها إلا العلقم، بل وحُمّلوا فشل العسكر منذ أكثر من 60 عامًا وكأن هؤلاء الأشراف استلموا مصر جنة الله في الأرض فعاثوا فيها فسادًا!

كانت ثورتنا منذ بدايتها غير واضحة المعالم، تدعو بدايةً لإصلاح أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية، ولم تكن ترنو لإزاحة رأس النظام، كانت عيون المصريين لم تفارق المشهد التونسي الذي تلخص في جملة واحدة «بن علي هرب!»، وكان لسان حال الكثير من شرفاء المصريين «فعلتها تونس أفلا نفعلها نحن؟!» فكانت غيرة من الحبيب القريب دفعت الشباب لمحاولة نسخ ثورتهم بحذافيرها، إلا أن مجتمعهم غير مجتمعنا، وعسكرهم ليس كعسكرنا، وساستهم ليسوا كساستنا، وليس على حدودهم دولة تُدعى «إسرائيل»! ثم تدرجت تلك المطالبات بالإصلاحات الاقتصادية والسياسة والأمنية حتى قالها الشعب، إلا أنه لم يعِها «الشعب يريد إسقاط النظام».

أي نظام بالتحديد الذي نسقطه؟ ما هي مكوناته؟ هل قامت الثورة للهدم أم للبناء؟ وإن كانت للبناء فمن هم الموكلون بهذا البناء؟ ومن قادة هذه الثورة الذين يجتمع الناس عليهم ويكونون لها مرجعية يضبطون بوصلتها إذا انحرفت؟ أسئلة كثيرة لم نلتفت إليها نحن الشباب وقت الثورة، بل وعلى الأغلب لم يلتفت إليها قادتنا من كل التيارات، كنا نُدفع للثورة دفعًا ولسان حالنا «مبارك سيلحق ببن علي» و«مصر ليست أقل من تونس».

في الحقيقة الثورة لم تُسقط النظام بل كانت بتبعاتها دعامة قوية في قلب النظام، كنا نجهل طبيعة النظام الذي نحاربه، لقد ظن بعضنا فترة ليست بالقصيرة أن الجيش يحمي الثورة، لقد كانت تلك الثورة طوق النجاة لهذه المؤسسة العسكرية التي سلبت الحكم من الملك فاروق وأعطته لرجالها خالصة من دون الناس. إن نظام الحكم في مصر على وجهه الحقيقي ليس ملكيًا ولا جمهوريًا، لا ينتقل بالتوريث كالسعودية وأغلب دول الخليج وسوريا والأردن والمغرب، لكنه نظام عسكري ينتقل فيه الحكم داخل العسكر ولا يجوز أن يخرج منهم خارجها! لم تجمع أي صلة بين عبد الناصر وأنور السادات ومبارك إلا البذلة العسكرية، لكن مبارك تجاوز هذا الخط الأحمر بمحاولة تعيينه ابنه جمال وريثًا مدنيًا لهذا الحكم، فدفع ثمنًا لذلك منصبه نفسه وهو في الثالثة والثمانين من عمره؛ هل اعتقدت أنك حقًا تملك مصر؟ نحن الذين نملكها، ولهذا أُجبر مبارك على التنحي تحت ضغط العسكر، وليس الشعب، العسكر الذي سمح للمتظاهرين بالتظاهر السلمي حول قصر الجمهورية هو نفس العسكر الذي ارتكب مذبحة القصر الجمهوري ومذبحة رمسيس ورابعة والنهضة بعدها بعامين، لم يتم استبدال هؤلاء الجنود، ولم تتغير قيادتهم بالكامل، فقط تغيرت الأوامر، نعم نريد أن يرحل هذا الذي ظن أن باستطاعته أن يُخرج الحكم منا، وأجبروه على ركوب الطائرة وقاموا بترحيله – كما فعلوا مع محمد مرسي بعدها بعامين ونصف – ثم قام نائبه ورئيس المخابرات العامة المصرية سابقًا بإلقاء بيان التنحي، وما كان مبارك ليتنحى بإرادته وهو الذي كان قد ألقى خطابه الثالث قبل أقل من 24 ساعة متحديًا فيه الجميع ومؤكدًا على عدم تخليه عن السلطة، فما الذي حدث؟ نعم أُجبر إذن.

لم يتسلم الحكم رئيس المحكمة الدستورية العليا طبقًا للدستور، بل وربما أسقط هذا الدستور المجلس العسكري – الذي دخل في الصورة وقت الثورة وصار ينافس ببياناته خطابات مبارك – صباح الثاني عشر من فبراير (شباط) فقط ليتملك زمام الأمور كالوريث الشرعي الوحيد بعد مبارك، وعين نفسه مسئولًا عن البلاد وعن المرحلة الانتقالية برمتها، ولم لا والنظام نظام عسكري على وجه الحقيقة، ثم حاول أن يضع الفريق أحمد شفيق رئيسًا للوزراء – وهو أيضًا رجل عسكري من قيادات العسكر وقائد القوات الجوية سابقًا – لكن هذا الوضع لم يعجب الثوار والنشطاء، فعزله المجلس العسكري وارتضى برجل مدني وهو عصام شرف، ولم لا طالما هم المتحكمون كاملًا في زمام الأمور؟ وكان المجلس العسكري يتعامل معهم كمن يتعامل مع الأطفال في بداية الأمر، بداية من التحية العسكرية لشهداء الثورة، وبدأ يُدخل لغة العنف تدريجيًا حتى وصل لذروته في مذبحتي رابعة والنهضة؛ إلا أن وجه أحمد شفيق لم يغب عن الساحة تمامًا بل كان هو المرشح العسكري الذي خاض انتخابات الرئاسة الحقيقية والوحيدة في تاريخ مصر، وكان يأمل العسكر أن يستعيدوا السلطة بدعم شعبي، إلا أن فارقًا بسيطًا نتج عن تكاتف شعبي خلف د. محمد مرسي (المرشح المدني) من تيارات مختلفة أغلبها لم يختَره في البداية لكنهم اختاروه كي يتخلصوا من المرشح العسكري الذي كانوا يصفونه بـ«رجل نظام مبارك المخلوع» لكن الأدق والأصح هو «رجل النظام العسكري الحاكم».

لم يكن هناك مشكلة في ترك هذا الرئيس المدني صاحب الخلفية الدينية كي يزهو قليلًا بحكمه ويزهو الشعب معه، نفس أسلوب الاستعلاء من العسكر في تعاملهم من الشعب، كما قال مبارك سابقًا «خليهم يتسلّوا»، فهذا الرئيس المنتخب وحده في السلطة والنظام العسكري ما زال قائمًا ثابتًا تمتد جذوره في كل مؤسسات الدولة وأذرعها الإعلامية (كما سماها السيسي لاحقًا) جاهزة من أول يوم لهذا الرئيس المنتخب بألسنة حداد أشحة على الخير، على العكس تمامًا، هذه فرصة لا تعوّض تمكن هذا النظام العسكري من الإطاحة بألدّ خصومه السياسيين، وبأكبر فصيل معارض إسلامي منظم، الفصيل الذي أثبتت أي انتخابات على أي مستوى (نقابي، برلماني، رئاسي…)، قبل الثورة وبعدها، أن له شعبية ليس من السهل كسرها، لكن الآن أصبح بإمكانهم كسرها وقد أصبحوا على رأس السلطة وعلى قمة هرم السلطتين التنفيذية والتشريعية في الدولة، فأصبحوا مسئولين عن كل صغيرة وكبيرة في البلد وأصابع الناس ستوجه نحوهم بعد الآن بعد أن اعتادت أن تصفق لهم كفصيل معارض أو تلتف حولهم كحركة اجتماعية دعوية توعوية خيرية، لكن السلطة القضائية بالكامل لم تزل في يد نظام العسكر، والإعلام، وكل أجهزة الدولة، والسلطات البلدية والمحلية، وغير هذا كله ما عُرفوا بعد ذلك باسم «المواطنين الشرفاء»!

استطاع النظام العسكري – ممثلًا بالمجلس العسكري في الفترة الانتقالية – التخلص من أغلب الثوار وترك شباب جماعة الإخوان المسلمين كي يكونوا حسن الختام والحلقة الأخيرة في هذا المسلسل الذي تم إعداده باحترافية شديدة يُشهد لهم بها، وفي نفس الوقت نشهد على أنفسنا بسذاجة شديدة اكتشفناها لاحقًا وتعلمنا وما زلنا نتعلم منها حتى الآن. أكمل المجلس العسكري بعد تسليمه رئاسة الدولة – شكليًا مع إصدار الإعلان الدستوري المكمل – عدة مشاهد من هذا المسلسل الذي شاهده المصريون وقد أصبحوا جميعًا بثوارهم ونشطائهم أعضاءً فيما يسمى «حزب الكنبة»، فالجميع أصبح يؤدي دوره المعد مسبقًا له وأصبح مشاهدًا أكثر من كونه فاعلًا، لم يكن عزل طنطاوي وعنان وهما شخصان فقط في المجلس العسكري من 22 عضوًا بالكافي لتغيير قواعد اللعبة، بل كانت إزالتهم مطلوبة وموافقًا عليها من بقية نظام العسكر كي تبدأ اللعبة في طور تنفيذ المرحلة الأصعب، كان البطل القبيح في هذه المرحلة هو رئيس المخابرات الحربية والمحرك لما عُرف بعد ذلك باسم «الطرف الثالث» المجهول الذي كان يحاول الأشراف معرفته طوال فترة المرحلة الانتقالية وفترة د. محمد مرسي.

نجح العسكر في العودة على رأس السلطة بنجاح شعبي لا يختلف كثيرًا عن نجاحهم في يوليو 52، عادوا والشعب قد سلمهم نفسه كما تسلم الذبيحة نفسها لذابحها إذا أيقنت من مصيرها، طلب تفويضًا ففوضوه، طلب ترشيحًا فرشحوه، طلب أموالهم لمشاريعه الفاشلة فأعطوه. نجح العسكر في تدمير خصمهم الإخوان المسلمين تدميرًا يحتاجون إلى عقد من الزمان على الأقل حتى يتجاوزوه؛ أصبح الجار يُسلم جاره، والقريب يُبلغ عن أقربائه، وأصبح اسم الإخوان منبوذًا شعبيًا، حتى ترك بعض أبناء الجماعة أنفسهم جماعتهم؛ ثم تجاوز الأمر جماعة الإخوان حتى أصبح كل معارض إخوانيًا، وكل شريف يحب بلده إخوانيًا، وكلهم يلاقي المصير المحتوم نفسه.

مرت سبع سنوات وكل يوم نتعلم ونكتشف الكثير من أخطائنا، وأولها أننا لم نعرف عدونا ولا كنه النظام الذي خرجنا ضده، النظام الذي نزل على دباباته في ثورة يناير لا ليحمينا بل ليثبت وجوده ويُكمل قيادته، النظام الذي لا يأبه لقتل الآلاف من هذا الشعب كي يحافظ على وجوده؛ هتفنا «الجيش والشعب إيد واحدة» حتى قطع الجيش يد الشعب التي كانت واحدة، رفع يده اليمنى ليحيي شهداء الثورة ويده اليسرى الآن ترصّهم طوابير أمام المحاكم العسكرية وأمام غرف الإعدام. فهل يأتي بعد هؤلاء السبع العجاف، اللائي لم يوجد لهن يوسف واحد نجتمع عليه ليعبر بنا هذه الشِّدّة، عامٌ فيه يغاث الناس وفيه يعصرون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد