عديدة هي المرات التي تساءلت فيها عن طبيعة الكائن البشري، وما دام كبار علم النفس يواجهون المصاعب يوميا بسبب الحالات العديدة للمنفصمين والشيزوفرنيين والمجنونين، فإنني اكتفيت بالتعلم عله يكشف بعض الجوانب الخفية التي تسهل لنا التعامل مع الطبائع المتقلبة وغير المتقبلة لبني البشر، وخصوصا الذين نقابلهم بشكل يومي أو أسبوعي ما دمنا تعرفنا على جزء من طريقة كلامهم وتحاورهم، فمما يدركه العاقل المتبصر الذي يريد راحة البال والضمير التعامل مع كل شخص بدبلوماسية واسطر تحتها بخط أحمر عريض، فهي الحل وإن خانتنا في بعض اللحظات, فهي تريحنا في غالب الأزمنة والأمكنة، كفانا سفسطة ولنكتب أننا يجب أن نتعامل بعدة أوجه محاولين ألا نتقمصها طيلة الوقت وإلا تسيطر علينا إحدى الشخصيات، ونبتعد عن أنفسنا التي نكون عليها ليلا بعد الإياب من العمل, والتي ندخل معها المرحاض، والتي تناجينا ونحن نتمشى في لحظة راحة فيسيولوجية وبسيكولوجية، يا إلهي إنها مقدمة طويلة، من هم ذوو الأوجه؟

إنهم أنا وهذا وأنت..

قبل الخروج من المنزل تعاملك مع زوجتك ليس هو نفسه مع أولادك ومختلف مع والديك، حتى إن كنت أعزبا أو كنت عزباء فالسلوك مختلف أيضا، فأصدقاؤك في السكن ليسوا هم أنفسهم الذين تقابلهم في المدرسة أو الجامعة.

هاأنت تنزل من السلالم وتقابل البواب أو الحارس أو الجار، فلن تطيل معهم في الكلام، لماذا؟ لأنك تريد أن يبدأ يومك وأنت مستريح وذهنك صاف وغير مكشر، أطل معهم في الكلام أكثر من 10دقائق وستذهل من كمية السموم التي ستلج نفسك وبعد ذلك بدنك. هذا يخبرك بترهاته وهذا يغدق عليك بمشاكله التي لا تنتهي مع زوجته وأولاده والإدارة وعموم المواطنين. وهذا يسر لك أسرارا عن آخرين أنت لا تعرفهم وحتى إن كنت تعرفهم فستحس بارتفاع ضغطك لما تسمعه وتتعجب روحك، اللهم إلا من طلب منك نصيحة فقلها ورددها وقل سلام ولا تتوقع أن تعود وتجده قد عمل بها، فبعض البشر وإن نصحته يسمع لك ولا يعمل بالنصيحة حتى يقع في المحظور، هل بدأت تحس بالملل، ألم أقل لك قل كلاما مختصرا مع الجار والحارس والبائع الذي تمر عليه وأنت تشتري الخبز صباحا، وأنا منغمس بكتابة هاته الأسطر وأنت أيضا منغمس بعمل شيء ما، تأتي زوجتك لتخبرك بما حدث لفلانة وتنتظر منك حسن الإنصات وعدم غض البصر وإلا فسوف تغضب منك وتلومك وتترك الكتابة سهوا لأنك لم تنتبه لـ5 دقائق، هذا كل ما يلزمه منا الأمر 5 أو 10 دقائق نركز فيها مع صديق الطريق وزميل العمل والوالدين والأهل والأحباب والعائلة الصغيرة والجيران ومع الذين تتكرر مقابلاتهم معنا بغير قصد، فيقولون لك كل مرة تأتي عند أحدهم يا أستاذ ويا دكتور فقط لأنك تضع نضارة طبية، ولو أزلتها لقلت له، «إنت عايز إيه يا معلم؟!»، كما يقول عادل إمام عندما يغير نظرة وجهه واتجاه عينيه، خذ نفسًا عميقًا واضحك، فانت تواجه أوجها سبعة.

وصلت إلى مكان عملك، إلهي.. هذا يحدق في بنظرة غريبة وذاك لم يقل شيئا، أفعلت شيئا منكرا، أو وقعت مصيبة أثناء غيابي والآخران يضحكان في صمت، كفى، كل هذا من وحي نفسك، لا تركز نظرك ولا تلتفت لمثل هذه التفاصيل التي سترعبك لو أطلت فيها التفكير، ماذا تفعل؟

فلان سلم عليك رد السلام، فلان لم يقل شيئا لعله مهموم، لا تلتفت إليه. فلان مقطب الجبين عابس ألم تنتبه أنه هكذا دائما لكنك كنت غافلا، حيه بالسلام سواء أجابك أم لم يفعل، فلن تتغير في نظره فأنت تكثر الكلام وتبتسم بسبب أو بدونه، لكنك في قرارة نفسك مبتسم لأن السماء زرقاء والأشجار خضراء والعصافير تزقزق (هل سأكتب إنشاء؟) لا إنها الحقيقة، ارفع رأسك واستخدم أنفك، وانظر للطبيعة من حولك واسترخ، أو حدق في عينيه وأنت صامت، لا تخف، قل له أنا هكذا يا فلان، مبتسم منشرح النفس، بسبب ذلك جيد، بغير سبب ذلك أفضل لي، لراحتي النفسية، يكفيك ذلك لا تجعل حرارتك ترتفع، ابدأ عملك.

وفجأة ينادى عليك، المدير سيكلمك، قل سلام وتوقع خيرا دائما، فان كان خيرا غنمت نفسك وغنمت شيئا آخر، ترقية ,أو تنويهًا, أو فقط نصيحة أو فكرة جديدة تخص العمل، وإن كان سوءا فقل حقا وخيرا ولا تجادل كثيرا، فعندما سيخلو بنفسه سيتذكر لا محالة محادثتك كما ستفعل أنت، فاجعله يتذكرك وأنت منتبه مبتسم ( بسبب، لا تفتح فمك كالأبله) منصت، لا تريده ان يتذكرك رافعا يديك غاضبا ساخطا عليه أو على العمل، فسيذكرك في تقرير ما مكتوبا كان أو شفهيا (أن فلان متبرم من عمله ومني وسيضيف ربما من الإدارة والمسؤولين والحكومة، هناك من بعض البشر من يضيف قصصا تثير العجب عندما تسمعها نفسك).

الجزء 2

أنهيت عملك للتو؟ تحس بتعب شديد وضغط نفسي رهيب. حاول ألا تخرج ساخطًا متبرمًا وإلا أكملت طريقك كذلك. فهو عملك مهما كان وفي أي مكان لا أحد سيتقنه غيرك. اسحب أنفاسًا عميقة واسترخ، لو قابلك صديق فأنصت وإن طال الجدال فقم يتغيير موضوع النقاش بسرعة. مثلا تتكلمان عن العمل هو يحس بالملل والضيق من شخص ما سينتقل إليك تدريجيا نفس الإحساس، غير الموضوع أخبر بخبر ما حول كرة القدم أو حول المواضيع الفيسبوكية المستجدة ستجد نفسك أصبحت المتحكم في زمام الأمور. أصبحت أنت المتكلم وهو المستمع، لقد وصلتما إلى الباب سلم عليه وتمنَّ له أمسية طيبة، اترك له أثرا يسعد به قلبه فللكلمة الطيبة سحر لا يوصف.

وصلت إلى المنزل متعبا. تريد أن تنام وأن تسترخي، لا تتجاوز نصف ساعة، وإذا وجدت زوجتك بالباب وأطفالك في الانتظار فلا تخبرها بمشاكلك في العمل (ما حدث في العمل يبقى هناك) اللهم إلا إن قلت بأن الأمور تسير على ما يرام أو أخبرتها بخبر مفرح، لا تدخل وأنت مقطب الجبين عابس، انشر السلام على محياك ومحيا أهلك، جرب لن تخسر شيئا ادخل مبتسما سائلا عن الحال والأحوال تجدهم يبادلونك نفس الأحاسيس، ادخل منزعجا صارخا لماذا هذا الكرسي هنا بدلا من هناك؟ ولماذا تأخر الإعداد لوجبة الغداء؟، رفقا بنفسك كل شيء على ما يرام.

لا تقض نهارك كله في البيت، اخرج متى استعطت ذلك ولو 15دقيقة. تمش قليلا، مارس رياضتك المفضلة.

اقرأ جريدة أو رواية، شاهد شيئا مفيدا على التلفاز، وفكر فيمن ليس لهم وقت لعمل مثل هاته الأمور التي ستبدو لك روتينية مملة. حارس, عامل يعمل 12 ساعة في اليوم فلا يفكر عند عودته إلا في النوم، هناك مريض يتمنى فقط نصف يوم يقضيه بلا ألم.

بالنسبة للأشخاص الذين لا تطيقهم، تحس أنك تكرههم بدون سبب، ولربما كان الكره متبادلا، لا تجعلهم يحسون بذلك قل خيرا أو اصمت. عند اجتماعك معهم في مكان ما فقل سلاما وناقش ولا تجادلهم حتى لا يستفزوك وتضيق عليك الأرض بما رحبت. فأنت الأفضل في التحكم بأنفاسك لا تجعلها تسرع، تنفس ببطء وبأعمق مما يمكنك.

لا نتكلم في هذا المقال عن الأشخاص الذين تحبهم والذين يبتسمون بمجرد رؤيتك. هم أشخاص لطفاء جدا مثلك تقريبا ويحترمونك، هؤلاء لا تخشهم ابتسم في وجوههم, إن رأيت أحدهم عابسا فبادره بالكلام، فرج همه ولو بكلمة، أما إذا استطعت أن تساعده ماديا أو قضيت له حاجة فذلك أفضل وإلا فاعتذر حتى يكون عذرك مقبولا. فيذكرك في نفسه وخلوته بما سعيت وبذلت من مجهود لمساعدته.

الخاتمة

هم ليسوا مختلفين عنا، هم لا يحملون أوجها، هي طبائع تسكن أشخاصا (غضب –سخط- حزن –ملل- يأس- فكر سلبي-كره-مقت-حسد… وأشياء أخرى) نتيجة (تربية سيئة وسط بيئة غير طبيعية على الإطلاق -تعثر دراسي-اغتصاب-حرمان -يتم-فقر –قمع-كبت…) فمنهم من يتحكم فيها جزئيا أو كليا فيأسرنا بروحه العذبة الدؤوب المنفتحة.

ومنهم من يطلق العنان لتلك الطبائع فتسيطر عليه وتحجب عقله وتجعله سهل التقلب يتبع انفعالاته، وتجعل منه إنسانا حقودا مجرما كارها، في نظرنا، لن نغير أشخاصا بالكلام والجدال والسفسطة، هم ليسوا قميصا متسخا وعلينا تنظيفه وسيعود كما كان، إنهم أشخاص نهلوا أفكارا لا ندري كم هي، وتربوا وسط بيئة ضبابية، وعرفوا آخرين أفسدتهم التربية، فيا صاحبي رفقا بنفسك واتركها كما هي، وللآخرين 5 و10 دقائق كافية.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد