الإيمان وإشكاليات النص.

(حمام الدار لا يغيب.. وأفعى الدار لا تخون).

الرواية هى الرابعة لسعود، وتتميز بالعديد من الأشياء الهامة والإشكاليات التي تطرحها، وخيرها فكرة الإيمان، وإشكاليات النص، والرحيل، والبقاء، والاختفاء، والواقع والخيال، والأوهام، وغيره.

الرواية كتبت بنمط فيه بعض الترميز وبعض الحيل السردية التي يقوم بها سعود، ويجعل من لغته وأسلوب سرده هما أحد أهم نقاط قوة العمل، وكلما زادت قوتهم زادت قيمة العمل، وجعل منهم مكونا أساسيا، بدونه لا تملك الفكرة، ولا رسم الشخصيات، ولا باقي العناصر، إقامة رواية جيدة.

الرواية تعرض نقطة وفكرة هامة بدأت مع سعود وشرع في كتابتها وتطويرها وتلغيمها وهي فكرة الإيمان، بكل معانيه، فهل حمام الدار لا يغيب وأفعى الدار لا تخون؟ وهل الصوت الرنان الذي يضرب في كل مرة بداخل شخصياته هو صادق؟ وهل الإيمان هذا صحيح؟ وهل يجب أن السير خلفه وتصديقه؟

الرواية تبدأ بكاتب يصاب بأزمة في عدم القدرة على الكتابة وعدم تدفق الكلمات، يصيبه شلل في تدفق سرب الأفكار حتى يتسنى له باتباع حيله وعاداته أن يعود لروايته ويكمل كتابتها ويكتب لـ 12 ساعة متواصلة بنهم وقوة شديدة، ويبدأ بنص يعرض شخصية لا يوجد في حياتها شيء هام أو مهم سوى حمام يتأمله دائمًا، حمام يتداخل مع حياته ويتشابك معها، وباختفاء حمام من بيته ورحيله ويتشبث بأمل أن يعودوا يومًا؛ لأن حمام الدار لا يغيب، ويبقى خل هذا الصوت حتى يتم قتله في آخر صفحات العمل، كيف يمكن قتل الإيمان؟ كيف يمكن أن يكون كاذبا؟ وكيف يمكن أن يخفي الكثير من الحقيقة؟

في الحقيقة ليس ذلك وحسب، بل يعرض فكرة الاختفاء والرحيل والتعلق ويعرض إشكالية الواقع والخيال في نقاط هامة في سرده للرواية، ويكتب رواية تصاعدية تتضح مع كل صفحة تقرأها حتى تصل للنهاية، فيرغمك الكاتب أن تعود من البداية ولفصول في المنتصف لتربط كل هذا بذاك، ولتلك الحيل أثرها في القارئ.

(الأزرق منذ الأزل هو لون الغياب والفقد).

(اصفر وجهه وهو ينظر إلى غيابهما الوشيك. أراد أن يمضي وراءهما في التيه الأزرق لعله يعيدهما إلى حضنه. نهض عن الأرض. وقف على أطراف أصابعه ينظر بعيدًا. ابتلعتهما الزرقة. لم يعد يراهما. أخذ يلوح بيديه. يصيح بهما : رحال.. زينة! ثم أطبق أسنانه على طرف ثوبه وراح يركض كالمجنون!

السرد

يكتب الكاتب الرواية على نصفين: الأول العهد القديم، الذي يبدأ بكاتبنا الذي عجز عن الكتابة، ثم تدفق منه سيل كلمات وأفكار ويعرض حياة شخوصه، ويرسمها برحفية شديدة ويشعركأنه كهل وطفل يتحدث في كل مرة وفي كل سطر حسب تنوع من يتحدث عنه وحسب لسان من ينطق بالكلمات، الكاتب ينهي العهد القديم بصراع بين الكاتب وبين شخصياته في ساعة التأمل التي تترك لهم القدرة على الحركة والحرية والحديث وتأمل ذواتهم وينتهى المطاف بأن يكتب (عرزال) الشخصية التي خلقها الكاتب نصا آخر، ويكمل ويعيد، بل يخلق نصا ورواية أخرى تعود بنيتها لما خلقه وزرعه الكاتب في البداية.

(أغمض عينه التي ترى كل شيء. أوغل في تأمله يستحضر بعضنا، واحدًا تلو الآخر. يقلبنا في رأسه ويعيد تكويننا. يلعب دورًا لا يجيده. يلعب دور إله في أسطورة قديمة.

 لو هو يراني قطنة، هو لا يعرفني؛ لأنه يظن أنه أوجدني من عدم، أنا سأعرفه لأنه أوجدني على شاكلته، هل تفهمين).

(أنت لم تكتب ماضيك.. هو من فعل).

يتلاعب ويتحدى عرزال قطنة بأن يكتب ويكمل، وحينما تخشى هي من أن تنتهي ساعة تأمل الكاتب، فيخبرها لو أنها يرضيها دور الرسولة، فلتذهب لبيت منوال، وتخبره أنه شخصية غير حقيقية من صنع كاتب.

وهنا مربط الفرص، التقاء الواقع والخيال، حيث كان يملي الكاتب على (فطنة) ويحركها لتتفاعل مع عرزال، ويتوحدون، ويصير الكل في عالم واحد، وينفصل ليعود الواقع والخيال لمكانهم، ويوضح الفصل إيمان عرزال وثقته، وفي كل كلمة تنبع منه تنويعات لإيمانه، وينبع الشك واليقين والعديد من المسائل، وكلها تتم إجابة بعضها، وترك البعض الآخر معلقًا حينما نصل لآخر كلمة في رواية نصفها الأول لم يكتمل، والآخر مريض.

يعيد الكاتب في العهد الجديد تفاصيل وأحداث الرواية ذاتها بشكل مختلف مع أختلافات في تصوير بعض المشاهد وأختلافات في بنيتها وعكس بعض الأحداث ليجعل القارئ يربط بين النصين، ويعود أحيانًا لفصول سبق قراءتها؛ ليطلع عليها، ويربط بين الكل، ومشاعر الشخصيات وغيره كله تداخل وتشابك وتعقد كي يصل على طريقة المسرح إلى الحل في النهاية والذي يظل غامضًا.

(أردد اسمي الصغيرين كتعويذة تبقي على إيماني. يعاندني عقلي. لا تنتظر، وحده المسافر يعود، لم يسافرا، لن يعودا).

نجد الخوف والرعب والصراع واليأس في العديد من السطور ونجد أن الحيلة تعطي قوة وهى جعل القارئ يركز ويرط وتعطي ثقل للنص وتساهم فينقل حبكته وقد جاءت ملائمة لطبيعة الفكرة والنص، لذلك كما سلفنا القول بدونها لترهلت الرواية وضعفت، وهنا ياـي أن السرد واللغة مع باقي العناصر، هى من مقومات قوة وتشيكل العمل بطبيعتها ونمطها المختلف.

اللغة

هي أثقل من كافة أعمال سعود لطبيعة النص الذي أجبرته على ذلك وتعطي متعة وأعتمد على الموسيقى وخلف الجمل الشعرية والمتآلفة مع بضعها والجمل الساحرة والوصف الممتزج بالطبيعة وخلق صورة متكاملة لكل مشهد وخلق نغم يعطي متعة في قراءة النص ويساعد على تتابع قراءته وابتلاعه دون معوقات، وجاءت تستخدم كلمات تمتزج بشكل ونمط خاص أوحى النص به لسعود، وتمتعت بالتعلق بالماديات والعناصر في محيط الحدث، وتنبع من التأمل لتضفي هالة من الحزن، والتأمل، والترقب في كل مرة، وكأنها بحر يتتابع أمواجه وتعلو وتهبط في كل حين، وتحمل معها نبع الأفكار.

النص والكاتب

الرواية تعرض طبيعة العلاقة بين الكاتب وشخصيات عمله وبين نصه وبين المعوقات والتابط والتوالف والأمتزاج فيصير نبع يختلق ويتفهم ويفهم كل منه والشخصيات بعضهم البعض, يصير البذرة الأولي ويعرض تطور النص وتطور الأفكار ورسم الشخصيات تلقائيًا وكيف إن البذرة الأولى هى من تضع أساس الرواية والشخصيات وتحرك فيما بعد العمل والحدث حسب الطبيعة الخاصة.

الرواية تعرض طبيعة العلاقة بين النص والكاتب، بين الفنان وعمله، بين التوحد مع العمل وغيره، وبين المادية والخيال والعدم، والمعوقات والتحديات، والرغبة في انتحار العمل، والرغبة في استكماله، بدلًا عن أن يرافق الدرج السفلي ويلتهمه التراب وينهش في صفحاته ويزدري كلماته.

في النهاية العمل جيد وخطوة بارعة في تطوير الكتابة والنصوص والتقدم والانفراد، فحتى لو لم يعجب أحد الملأ يكفي المجهود، فسعود يسعى بأن يكون غير تقليدي ويسعى إلى أن يترك بصمة في الحياة، وأن يبدع ويبرهن أنه من كبار كتاب بلده، والأدب العربي، وهي خطوة في التطوير والتجديد والتلاعب، ويثبت بأنه لا يغيب ويعود سوى بعمل، وشيء له رونقه، وأنه لا يكتب لمجرد الكتابة، بل يكتب لتعلقه ولحبه بها، وليبرهن على أفكاره، وقبل كل ذلك حس الفنان ومشاعره.

العمل يعبه بعد الأشياء في خلق الأحداث، لكنه في المجمل موفق ويثبت أيضًا قدرة الكاتب على التحكم في كل هذا، وكل تلك الخيوط والتوحد معها ليخرجها للقارئ في صورتها تلك.

تمتاز الرواية بلوحات موفقة ورائعة للفنان مشاعل فيصل، وهي تعطي جمال إبداعي سريالي للنص وتضفي قوة وشاعرية ونفسية في كل مرة تقع عينك عليها أثناء قراءتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد