لا شك أن هذا العنوان الصادم يمثل حقيقة واقعية يغفل عنها كثير من المسلمين بحسن نية وبجهل مدفوع بعاطفة حارة، ليس الهدف من المقال جلد الواقع، واستعراض غبائنا المطرد الذي جعلنا في دورة رديئة لا نخرج منها، بل في متاهة لا نعرف بدايتها من نهايتها، ولكني سألفت النظر إلى أهمية هذه القضايا الثماني التي دعا إليها الإسلام وحاربها المسلمون.

القضية الأولى: اقرأ وارتق

حارب المسلمون هذه العبادة، وهي أول فريضة أنزلت على محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- من خلال واقعهم الذي لا يحتفل بالقراءة ولا التعلم، وعمقوا ثقافة المشافهة والقيل والقال التي كرست الخوف والجهل والاستبداد. لقد بينت الدراسات العلمية الحديثة التي أجريت على الإنسان مدى التأثير الكبير الذي تخلفه القراءة المكثفة في الدماغ. للعقل قوته السحرية والأثر يحصل بالقراءة.

لقد راقبت تكنولوجيا التصوير الضوئي الجديدة في التسعينيات العقل وهو يعمل لمعرفة ما الذي يحدث داخله، فأكدت أن القراءة هي أهم المهارات تأثيرًا على الإطلاق.

وحين قال الله للإنسان «اقرأ» فقد كان هذا الفعل الأول مقصودًا لأنه كان يعلم أن البشر لم يولدوا أبدًا على القراءة، فالسمع والشم والرؤية تولد مع الإنسان، وتتطور بتطور الخبرات، وكلما دخلت القراءة وحدثت الكتابة تحقق الأثر إيجابًا أو سلبًا تبعًا لنوع المقروء.

أكدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألسكو» استمرار معاناة الملايين في الدول العربية من الأمية في بيان أصدرته بمناسبة يوم العربي لمحو الأمية الذي يصادف الثامن من شهر يناير (كانون الثاني) من كل عام، وأشار البيان إلى أنّ الأمّيّة ما زالت تمثّل واحدة من أولى قضايا الأمن القومي العربي، وأنّ معدّل الأمّية في الدول العربية يبلغ حاليًّا 21% مقارنة بـ13.6% تمثل المتوسط العالمي، مبيّنًا أن عدد الأمّيين في الوطن العربي عام 2015 بلغ قرابة 54 مليون أمّي، وأدت الأوضاع التعليمية لزيادته بسبب الأزمات والنزاعات المسلّحة في عدد من البلدان العربية، والتي نتج منها عدم التحاق أو تسرب ما يزيد على 13.5 مليون طفل عربي بالتعليم النظامي.

 

القضية الثانية: العقل والحرية

الإيمان تصديق عقلي وسكينة قلبية، والعقل صفة قائمة بالذاتِ العاقلة كما في قولهِ تعالى «لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»، بهذا نال العقل الشرف في الشّرع الكريم، فهو عندنا مناط التكليف وأساس صحّة العبادة وشرط في حصول العلم ورضا الله، عزّ وجلّ.

وهذه القضية يتفرع عنها:

  1.  لا إيمان لمن لا عقل له.
  2.  لا إيمان لمن كان مكرهًا.
  3. إن الإيمان قرار واعٍ يتخذه الإنسان للاعتماد على الله؛ قرار قائم على الحرية الباطنية للإنسان. لكن الأمر لا يتعلق هنا بقرار يتخذه المرء في لحظة ما ويظل ثابتًا دائمًا على مدى الزمن، بل هو قرار مطالب بالتجدد على الدوام على ضوء متغيرات ظروف الحياة وشروطها.

    من هنا سيكون على المؤمن أو المؤمنة أن يظل يعيد النظر على الدوام في ما الذي يعد من باب الإيمان، وما الذي لا يعد كذلك. وذلك يعني أنه على المؤمن أو المؤمنة أن يظل يميز بوعي بين ما يرتكز على قرار باطني حر ويتوافق مع التجربة الروحية، أو لنقل الدينية، وما هو بالنهاية مجرد محاكاة ظاهرية لسلوكات دينية متداولة وقوالب جاهزة.

  4. كل دين يجافي العقل والحرية فليس بدين، ومن هنا فلا يصح أن نجبر أحدًا على الدين الإسلامي، وأن نعلن حد القتل على من غادر الدين، فلا إكراه في الدين دخولًا ولا خروجًا.

  5. كل قضية تخاصم العقل والإنسان فلا يصح نسبتها للدين، وقد لخّص ابن تيمية علاقة الشّرع بالعقل فقال: «وما عُلم بصريح العقل لا يُتصور أن يُعارضه الشرع البتّة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح» (درء التعارض)، أي أنّ علاقتهما علاقة توافقٍ لا تعارضٍ، ولا يجوز تقديم المعقول على المنقول لأنّ «معارضة العقل لما دلَّ العقل على أنه حق دليل على تناقض دلالته، وذلك يوجب فسادها، وأما السمع فلا يعلم دلالته ولا تعارضها في نفسها وإن لم يعلم صحتها » (المصدر السابق). كما أنَّ العقل «من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه بكر بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال بعقله ما يجهله في وقت آخر»، فلا يجيز الإسلام لشعب ما أن يخضع لحاكم بحجة الصبر وخوف الفتنة فالسكوت عن الظلم ومساندة المستبدين قضايا تخالف العقل، والإنسان، وتصادم الأديان، رحم الله القائد الكواكبي: لو كان الاستبداد رجلًا، وأراد أن ينتسب، لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وابنتي البطالة، ووطني الخراب، وعشيرتي الجهالة. وصدق جيفرسون عندما قال: «مقاومة الطغاة من طاعة الله»، يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا». لاحظ أولي الأمر منكم أي من كان منكم وتولى عليكم بإرادتكم وبصناديق الاقتراع وليس بالعسكر وبسحر الإعلام ورهبة الجيوش. رحم الله إمامنا الكبير عباس محمود العقاد الذي قال: التفكير فريضة إسلامية.

  6. الإيمان يحرسك ولست أنت من تحرسه. يخلط الكثير من المسلمين بين المقدس وشخصهم فيدنسونه بمزاجتيهم بحجة أنهم يدافعون عنه، وهذا غلط كبير فـ«اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»، والله مولى المؤمنين «ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ»، وهو المتفضل بالدفاع عن الذين آمنوا «إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ».

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ». ونصر الله لا يكون بأن تظن نفسك أنك الحارس لدينه وأن دينه يعوزه من يدافع عنه، بل نصر الله يكون بأن تنتصر أنت على نفسك فتحكم الله على أفعالك وحياتك؛ فينصرك الله.

الانتصار التزام ذاتي وإدارة لنفسك وليس دفاعًا عن دينك، وليس إلزامًا لغيرك بدينك. «إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»، إذا تذكرت هذه الآية أدركت أنه لو كان هذا الدين صناعة بشرية لسقط وتدمر، فليس ثمة حكومة تدافع عنه وليس ثمة من ينصر شرائعه.

 

عبقرية الدين في الكلمة وليس اللكمة.

يتبع.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد