يطالب كثيرون بإجراء استطلاعات للرأي في الموضوعات ذات الأهمية، وما أن تصدر نتائج استطلاع ما حتى يصيبه الهجوم والنقد من كل جانب، ولا تتعلق المشكلة بالنقد في حد ذاته بقدر ما تتعلق بمدى حيادية هذا النقد وعلميته؛ فعلى سبيل المثال يعترض بعضهم على حجم العينة معللين بذلك أن 90 مليون مصري لا يمكن أن تمثلهم عينة من 1000 فرد (وهو العدد المثالي الذي توصل له العلماء)، والحقيقة أن علم اختيار العينات (المعاينة) هو علم بحره واسع، له خبراؤه وعلماؤه، ولا يتطلب فقط الخبرة في الإحصاء بل يتطلب الدراسة والخبرة العملية لأعوام في مجال المعاينة بالذات.

هذا العلم نجح علماؤه في الوصول إلى تصميم للعينات – لا مجال هنا للحديث عنه- يضمن أن تعبر عينة من 1000 أو 2000 مفردة عن المجتمع ككل، مثلما نجح علماء الطب في جعل بضع قطرات من الدماء تعبر عن حالتنا الصحية كلها. فإذا كان هذا العدد من المجيبين يعبر عن الولايات المتحدة الأمريكية – والتي يزيد تعدادها عن 300 مليون فرد مختلفين في الأصول والأديان- فالأولى أن نقبل أن يعبر هذا العدد عن مصر الأقل عددًا والأكثر تجانسًا.

أما الهجوم الأدهى والأكثر ضررًا – لأنه يهدم صناعة استطلاع الرأي من الأساس- هو التشكيك في النتائج والجزم بأنها مزورة بدون دليل، غير أن الآراء لا تعبر عن اتجاه الناقد الشخصي هو ومن حوله من معارف وأصدقاء أو ما يراه في الإعلام، والحقيقة أن استطلاعات الرأي يتم تصميم عيناتها بحيث تعبر عن كل فئات المجتمع، تلك التي نعرفها وتلك التي لا نعرفها أو لم نكن نعلم بوجودها من الأساس. إن الشخص يميل أن يصادق من يشبهونه ويذهب إلى الأماكن التي يرى بها من يشبهونه، ويقرأ ويسمع من الإعلام الذي يوافقه أو يؤيد آراءه، وبالتالي فإن ما يراه يدعم وجهات نظره في الغالب. وإن كان ما يراه الشخص هو الغالب فما ضرورة إجراء استطلاعات الرأي والدراسات المختلفة إذن!

لذلك فإنه ما لم يكن هناك أي دليل يثبت تورط الجهة في تزوير نتائج من قبل أو عدم اتباعها للمناهج العلمية، فإن الافتراض الأفضل دائمًا هو الثقة في سلامة النتائج والعمل على التخطيط وإعادة التخطيط للسياسات والبرامج بناءً عليها، ولكن مع التفكير في الاعتبارات العلمية التالية:

1. هامش الخطأ:

يوضح هامش الخطأ لأي مدى تقترب النتيجة التي تم الوصول إليها من خلال استطلاع رأي عينة ما من النتيجة التي سيتم الوصول إليها في المجتمع، ويصاحب هامش الخطأ رقم آخر يعرف بدرجة الثقة. فعلى سبيل المثال إذا كانت درجة الرضا عن خدمة ما 40% وهامش الخطأ ±3 بدرجة ثقة 95%، فهذا يعني أن نثق بنسبة 95% أن النتيجة في المجتمع ككل وليس هذه العينة فقط قد تكون أي رقم بين 37% و43%.

2. تاريخ إجراء الاستطلاع:

تتغير آراء الأشخاص من وقت لآخر وفقـًا لما يمر بهم من أحداث وخبرات مختلفة، لهذا نجد الحملات والبرامج التنموية على سبيل المثال تقوم دائمًا بإجراء استطلاع رأي مرجعي قبل الانطلاق في جهودها لتستطيع بعد ذلك تقييم حجم أثر ما قامت به من أعمال مؤثرة في الرأي العام.

وبالتالي فمن المهم جدًا معرفة تاريخ إجراء الاستطلاع حتى تستطيع الحكم على نتائجه في سياق الظروف التي تم إجراؤه بها، وما إذا كان قبل حدث ما أم بعده.

3.صياغة السؤال:

ليست فقط صياغة السؤال ككل بل إن أحيانا حرف الجر من الممكن أن يؤثر على معنى السؤال تمامًا ليثير بذلك إجابات مختلفة تمامًا لدى المجيبين. فإذا لم تكن على علم بصياغة السؤال فكيف لك أن تحكم على النتائج!

فلننظر مثلًا لهذا السؤال: هل أنت موافق أم غير موافق على أن البطالة أهم أسباب زيادة الجريمة في مصر، وقارنه بهذه الصياغة: هل أنت موافق أم غير موافق على أن البطالة من أهم أسباب زيادة الجريمة في مصر، فالشخص قد يرى أن البطالة من أهم الأسباب لكنها ليست السبب الأهم؛ وبالتالي لا يوافق على السؤال بصياغته الأولى لكن يوافق عليه بصياغته الثانية. فلا يجب أن تخدعنا العناوين بل يجب أن نعرف ما تم سؤاله بالضبط ونحكم بأنفسنا.

4. سياق السؤال أو ترتيبه داخل الاستمارة:

يعرف جيدًا الدارسون لسيكلوجية الإجابة على الأسئلة أن ترتيب السؤال داخل الاستمارة يؤثر على نتائج الاستطلاع، فعلى سبيل المثال، لو تم سؤال المجيب في أول الاستطلاع لأي مدى أنت راض عن حياتك بشكل عام، فقد تكون نسبة الرضا مرتفعة نسبيًّا عما إذا تم وضع نفس السؤال بنفس الصياغة ولكن بعد القيام بسؤاله عدة أسئلة تسأله عن رضاه عن عمله، رضاه عن حياته الشخصية، رضاه عن الوضع العام للبلد. فإن مجرد تذكرة الشخص بالجوانب المختلفة للرضا العام قد تجعله يعطي درجة أقل لمدى رضاه.

5. نسبة الرفض:

تعرض نسبة الرفض نسبة هؤلاء الذين كانوا ضمن العينة وتم الوصول لهم واختاروا عدم المشاركة في الاستطلاع أو اشتركوا فيه ولم يستكملوه. ويظهر الرفض عادة في الاستطلاعات بسبب عدة أشياء فقد يكون المجيب غير مقتنع بأهمية مشاركته أو مشغول أو أن الموضوع لا يهمه أو أنه يشعر بالملل من الإجابة على الأسئلة أو أنه لا يثق في استطلاعات الرأي. وبغض النظر عن الأسباب فإن نسبة الرفض المرتفعة يجب أخذها في الاعتبار عند قراءة النتائج، حيث إن هؤلاء الرافضين قد يشتركون في خصائص كثيرة تجعلهم يتبنون الرأي نفسه، وبالتالي إذا كانوا قد شاركوا في الاستطلاع كان من الممكن أن يأتي بنتائج مختلفة تمامًا.

فعلى سبيل المثال: ماذا لو اختار الرافضون لسياسة ما عدم الإجابة على استطلاع يقيم هذه السياسة، فقد تأتي نسبة الرضا عنها مرتفعة جدًا؛ وبالتالي قد تكون نتيجة هذا الاستطلاع مضللة جدًا لمن يقرأ نتائجه إذا لم يأخذ نسبة الرفض في الاعتبار.

6. الجهة التي قامت بإجراء الاستطلاع والجهات التي مولته:

لا يجب البدء في قراءة نتائج أي استطلاع للرأي من الأساس بدون معرفة الجهة التي قامت بإجرائه والجهة التي قامت بتمويله والهدف من إجرائه. إن الجهة البحثية التي قامت بإجراء استطلاع الرأي وما هو معروف عنها من مستوى معين من الجودة هو ما يعطي ثقل للنتائج ويؤكد على إمكانية الاعتماد عليها، كما أن معرفة الجهة التي قامت بتمويل البحث والغرض منه أيضًا يعطيان مؤشرًا عن إمكانية الاعتماد على النتائج من عدمها، فاستطلاع الرأي الذي يتم لغرض بحثي بحت لا يجب أن يتساوى مع استطلاع الرأي الذي يتم إجراؤه لأهداف ترويجية.

7. المجتمع الذي تم سؤاله:

يفترض القارئ دائمًا أن النسبة المعروضة هي من المجتمع المصري ككل، وهذا ليس هو الحال. فقد يكون الاستطلاع موجه للسيدات أو للشباب مثلًا أو لمحافظة/ محافظات معينة، وحتى إذا كان موجهًا للبالغين في كل أنحاء الجمهورية، قد تكون هناك بعض الأسئلة التي تم توجيها لجزء فقط من هذا المجتمع.

على سبيل المثال: سؤال موجه لمعرفة مدى موافقة المواطنين عن قانون ما، قد يكون تم توجيهه لمن هم على معرفة بهذا القانون فقط. وبالتالي يجب التأكد من المجتمع الذي استهدفه السؤال.

8. أداة جمع البيانات التي تم استخدامها:

قد تكون أداة جمع البيانات هي المقابلة الشخصية أو التليفون أو الإنترنت، وكل من هذه الأدوات له مميزاته وله عيوبه. فقد تكون المقابلة الشخصية هي الأدق عند تمثيل المجتمع ككل، ولكن التليفون (الأرضي/ المحمول) هو الأسرع والذي يرصد رد الفعل لحدث ما بشكل فوري وقبل حدوث أية أحداث أخرى قد تؤثر عليه. وقد يعطي الإنترنت نتائج مستفيضة نظرًا لأن الشخص يجيب بدون التقيد بوقت وبدون وجود باحث أمامه قد يحرج منه، لكن في مجتمعات تكثر بها الأمية وتقل بها نسبة استخدام الإنترنت فقد يكون غير ممثل لعموم المجتمع. وفي كل الأحوال يعمل الإحصائيون على معالجة البيانات بشكل علمي بعد الانتهاء من جمع البيانات؛ بحيث تكون أكثر تمثيلًا للمجتمع بمختلف فئاته.

وبعد التعرض للثمان نقاط السابقة، ففي المرة القادمة التي تجد فيها خبرًا عن استطلاع رأي ما، ثق في النتائج، ولكن فسرها ضمن إطارها العلمي الصحيح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد