إذا كنت ممن ولدوا في أواخر السبعينيات أو أول الثمانينيات من القرن الماضي فأتوقع أن يلمسك هذا المقال، وأما إذا كنت من ممن ولدوا في مصر فمن المؤكد أنه سيناقش ما عشته أو شعرت به خلال حقبة زمنية معينة من حياتك أو ما زلت تشعر به حتى اليوم.

يشعر هذا الجيل وأنا واحد ممن ينتمون إليه بالخصوصية الشديدة فلا أبالغ إذا قلت إنه يعاني أحيانًا من الاغتراب وفي أحيان أخرى في عدم إجادة التوصل مع الأجيال الأخرى، ترى ما السبب في هذا؟

عاش هذا الجيل الانتقال التكنولوجي بين عصرين، فلا هو محسوب على الجيل ما قبل التكنولوجيا، ولا هو محسوب على الأجيال الجديدة التي تتنفس تكنولوجيا، كلنا نتذكر بدأ انتشار الكمبيوتر في مصر في حقبة التسعينيات ولهث الجميع لتكوين مكونات الكمبيوتر من الشركات الناشئة حديثًا، ولا أبالي إذا قلت إن بعضنا كان ينفق تحويشة أهله لسنين لنملك هذا الاختراع المميز ونتواكب مع العصر، فلا يمكن أن ننسى البنتيوم 1 ثم 2 والتي كانت بدائية جدًّا مقارنة بأجهزة الأجيال اللاحقة، حيث كان سن هذا الجيل في ذاك الوقت يتراوح بين سن الشباب والمراهقة، ومن ثم بدأ يطل علينا في مصر الإنترنت ورأينا بأعيننا مراكز الإنترنت التي كانت بالنسبة لنا منتهى التكنولوجيا، إن تدفع ما في جيبك لتستأجر ساعة فقط من الإنترنت، ترى فيها العالم الافتراضي من خلال تطبيقات الشات، أو بعض مواقع الأخبار، ومن ثم ظهرت أيضًا أرقام أرضية لدخول الإنترنت من خلال الاتصال بين الهاتف الأرضي والكمبيوتر لتلهب فواتير التليفونات داخل البيوت، ويضيف شاب هذ الجيل عبئًا جديدًا على أسرته، ويبدأ يلعن الآباء والأمهات اختراع الإنترنت.

لنفتح صفحة جديدة في أواخر التسعينيات وأول الألفية الجديدة، وهي ظهور الهاتف النقال (الموبايل) ويبدأ شباب جيلنا السعي بكل قوة لصرف ما يملك لامتلاك شريحة للاتصالات ومن ثم امتلاك موبايل على سبيل الوجاهة الاجتماعية والإحساس بالأهمية والقوة وأيضًا اكتشاف هذا العالم، حيث من كان يمتلك الموبايل محط أنظار للآخرين. حتى إن معظم الشباب كان نقاله (موبايله) يستخدم فقط للرنات، لكنهم كانوا يستمتعون بمجرد رؤية الموبايل (النقال) يزين أيديهم وأحزمتهم.

في حقبة السبعينيات بدأ يبزغ فجر انتشار عقود العمل في الخليج، وبدرجة أقل الهجرات لأمريكا وكندا وأوروبا فجيلي أيضًا هو من عاش في طفولته ومراهقته فترة انتقالية بين المحلية والاغتراب والنزوح إلى العوالم الأخرى.

فكلنا تقريبًا عاصرنا إما أحد والدينا وإخواننا وإما حتى أحد أقاربنا أو حتى جيراننا أو أصدقائنا قد سافر إلى الخليج أو قد هاجر إلى أوروبا أو أمريكا وكندا، فبدأ جيلنا منذ طفولته ومراهقته نتيجة هذا يدرك الفروق المادية بين أسرة وأخرى، فطفل تمنى أن يملك هذ الأتاري الأسود ويلعب لعبة الطائرات التي عند جاره، وطفل آخر تمنى أن يملك كمبيوتر صخر كالذي عند قريبه، ومراهق تمنى أن يملك جاكت جلد كالذي يمتلكه صديقه، كما أن هذا الجيل عاصر ألم الوداع والفراق فمن منا من لم يبك وهو يودع أبيه أو أخيه أو خاله أو عمه في المطار أو في الميناء وهو مسافر للبحث عن لقمة العيش.

الخلاصة أن جيلنا قد عاش الحقيقة بوجهيها وأحسها كاملة ما بين حلاوة الارتياح المادي وشراء ما نريده وبين وجع الفراق وبعد الأحباب، قد تخبئ هذ المواقف الكثير من المشاعر والتفاصيل والتجارب الإنسانية التي لا يتسع المجال لذكرها.

كما أن جيلنا عاش فترة الانفتاح في السبعينيات والثمانينبات سواء في الطفولة أو المراهقة، ومع هذه الفترة ولظروف كثيرة اجتماعية وسياسية واقتصادية بدأت تتراجع المعايير وتزداد الفجوة بين الطبقات بشكل متسارع، ففجأة وبدون مقدمات قد تجد أشخاصًا دون مؤهلات علمية أو أخلاقية صاروا من صفوة المجتمع وأغنيائه، وكثير من المثقفين والمتعلمين يعانون اقتصاديًّا وحياتيًّا، مما ساهم في تشكيل اضطراب جديد وتعارض مع المنطق الذي يلقونه لنا أهالينا عن أهمية العلم والأخلاق وكونها عوامل حاسمة للارتقاء.

كما أن جيلنا عاش أثناء شبابه ثورات الربيع العربي وثورة يناير، عاش جيلنا على أمل الحريات وانتصار حقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية، وما لبث أن اشتغلت الثورات المضادة بجد واختلطت الوراق كلها ببعضها، وتراجع كل شيء للخلف وتراجع معها أحلام جبل بالكامل كان قد أدرك أن الكثير من الشعوب تحيا حياة في ظل قوانين وأنظمة تليق بالستينيات وليس الألفية الجديدة. مع هذه الانتكاسة الخطيرة كانت هزيمة وجدانية وتحطم لإرادة كثير من أبناء هذا الجيل.

إذا ما أخذنا في الاعتبار تغيير الذوق الفني والموسيقي والكثير من الحوادث أيضًا التي هزت المجتمعات هزًّا، إلى جانب انتشار الجماعات الإرهابية المتشددة في بقاع مختلفة من الأرض.

فإن كل تلك الأحداث مع غيرها تمثل حجرًا أساسيًّا مع غيرها ليس فقط في تكوين البرمجة اللغوية والعصبية، بل في وعيه ووجدانه. فهو جيل يدرك بحق أهمية التكنولوجيا ولمس أثرها في حياته، ولكنه في الوقت نفسه يكره أن نسرف فيها وأن تقود حياتنا بالكامل حتى ينعدم الدفء والعاطفة في حياتنا. وهو أيضًا جيل يدرك القيم المادية والعملية جيدًا ولكنه لا يحبها أن تحكم حياتنا بالكامل فنفقد الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية في سبيل المادة، فكلنا نتذكر جلستنا على مائدة الطعام كأسرة نضحك ونتجاذب أطراف الحديث، وكلنا نتذاكر زيارتنا لأصدقائنا في السابق وخروجنا سويًّا ولعب الطاولة والكوتشينة على المقاهي.

وهو جيل يدرك معنى التغيير وأهميته، ولكنه أيضًا يعي جيدًا أن يكون التغيير تدريجيًّا وغير صادم، حتى لا تكون أضراره أكثر من منافعه، وهو الجيل الذي يدرك معنى الحرية والعلم والأخلاق، ولكنه يكره أن يعيش منفصلًا عن الواقع واستقرائه.

تلك الصدمات والتغيرات الاجتماعية خلقت لحد كبير جيل أقرب للتوازن الفكري والعاطفي، ولكنه يشعر باغتراب كبير عن الأجيال السابقة واللاحقة، حيث إنهم لا يجيدون مفردات التواصل معه والقواسم المشتركة بين الأجيال قد تكون قربًا للغائبة.

جيل بتفرد بالخصوصية الشديدة دائمًا ما يجتر ذكرياته ويعتز بها في مواجهة المستقبل ويدرك أن له طريق تفكير متفرد، فلا أنسى عندما كنت أستقل تاكسي وتجاذبت أطراف الحديث مع سائق التاكسي ذي تعليم متوسط والذي هو من جيلي نفسه، حينما قال لي إن جلينا هو آخر الأجيال المحترمة، وهو لا يقصد الإهانة للأجيال اللاحقة ولكنه يعلن اعتراضه على الانسلاخ من تقاليدنا وأعرافنا وتراجع الشهامة والرجولة والاحترام وغيرها، ولا ننسى أغنية مولود سنة 80 لحمزة نمرة التي لامست كثيرًا من أبناء جيلي، وبدأ يشعر أنه بدأ يكبر ولكنه في الوقت ذاته لا يصنف مراهقًا ولا يصنف عجوزًا وهو أيضًا غير محسوب على الشباب، جيل عاش أصالة الماضي وعراقته وأخلاقياته والحاضر بتكنولوجيته وتقدمه وقلة روحه وبات مرعوبًا من المستقبل.

فرفقًا بجيل ولد من رحم الماضي وعاش معاناة الحاضر وما زال يحلم بالمستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد