«لا جدوى من إخفاء ما حدث في الماضي ، الحقيقة ستخرج على أي حال وسيعرفها الجميع ، ربما من الأفضل لنا الاعتراف بها وفهمها ، وفعل شيء. تجاهها».

التاسع من أبريل (نيسان) قبل اثنين وثمانين عامًا، كان نهارًا ربيعيًّا هادئًا؛ بدأ أهل القرية يتجهزون لحضور «العرس» الذي كان مقررًا في ذلك اليوم. الزغاريد تُسمع بين حين وآخر، الأطفال متشوقون لتناول طعام الوليمة، وتلك العجوز تجهز بعض الأزهار لتزين بها العروس قبل أن تُزف إلى عريسها. الرجال عائدون من المسجد وبعضهم يتحدث عن أحداث البلاد وتغير أحوالها. الأحوال التي لم تكن هادئة كهدوء ذلك النهار في تلك القرية. الرياح القادمة من المدن القريبة كانت تحمل القليل من الغبار والكثير من الأخبار الكئيبة. شيخ عجوز يرد على ذلك الرجل، ويحدثه آخر عن عدم صبره على استمرار هذه الحال. تتباين الآراء ولكن الجميع يتفق على أن المرارات التي تعتصر قلوبهم لا يجب أن تنسيهم أن اليوم هو اليوم المنتظر؛ فلا شيء يجب أن يفسد حفل العرس الذي سيقام بعد قليل.

يمضي الوقت وأهل القرية يبدأون في التوافد إلى منزل العرس. تجتمع الجارات ويركض الأطفال ويجلس الشيوخ يتابعون مراسم الزواج. العروس تُزف إلى عريسها وتبدأ الاحتفالات. كان يجب بعدها أن يذهب الجميع لتناول الطعام والمشروبات قبل أن ينتقل العروسان إلى منزلهما الجديد ويعود الجميع إلى بيوتهم ليخلدوا إلى النوم، ثم يستيقظوا ليتابعوا أشغالهم صباح اليوم التالي. ربما البعض ممن يقرأ الآن يعرف أن هذا لم يحدث. لِمَ لَمْ يحدث؟ إليكم بقية الحكاية.

بينما أهل القرية منشغلون بمراسم الزواج، فجأة ينبه طفل صغير والده بأنه يسمع صوتًا مريبًا. الصوت يبدأ في الاقتراب، تتوقف المراسم وينتبه الجميع؛ مجموعة مدججة بالسلاح تقتحم القرية! عدة أسئلة كانت تدور في ذهن ذلك الطفل: من هؤلاء؟ لماذا أتوا إلينا؟ لماذا اليوم؟ والسؤال الأهم: لماذا يحملون الأسلحة؟

البعض يبدأ باستيعاب ما يحدث، يجمع أهله ويحاول الركض بهم باتجاه المنزل. العروس وعريسها وأهلهما مذهولان. يأمرهم قائد تلك المجموعة المسلحة بأن يتجمعوا ويقفوا إلى الجدار، وقبل أن يفهموا ماذا يريد منهم هؤلاء، يأمر القائد جنوده فيبدأون بإطلاق النار وتبدأ الجثث في التساقط. امرأة حامل يطلَق عليها الرصاص ثم يهجم عليها أحد المسلحين فيطعنها ويشق بطنها. تركض إليها أخرى مسرعة لتحاول إخراج الجنين فيطلقون عليها النار أيضًا، يلاحق المسلحون بقية أهالي القرية فيقتلون كل من يعثرون عليه، لا يهم إن كان طفلًا رضيعًا أو عجوزًا قعيدة. لقد حُكِم على الجميع بالموت.

ساعات قليلة ويحضر فريق طبي تابع للصليب الأحمر إلى القرية بعد أن سمعوا بهول ما حدث. تستقبلهم واحدة من المسلحين وهي ملطخة بالدماء. «لقد كانت تنظر إلى يديها المليئتين بالدماء بفخر وكأن فيهما ميدالية». هكذا وصفها «جاك دي رينيه» رئيس بعثة الصليب الأحمر الذي كان على رأس الفريق الطبي. يدخل «جاك» أحد البيوت باحثاً عن شيء يتحرك، ولكنه لا يجد سوى السكون والدماء. يدخل البيوت الأخرى واحدًا تلو الآخر ولكن دون جدوى. فرائحة الموت تملأ الأفق.

والبرودة تغطي أجساد الضحايا. وبينما يهم بالخروج من أحد المنازل سمع جاك تنهيدات طفلة صغيرة. لمس رجلها فأحس ببعض الحرارة، مسرعًا حمل جاك الطفلة التي مزقت جسدها قنبلة يدوية وهَمَّ بأخذها إلى العربة. ليعترضه أحد ضباط المجموعة المسلحة ويأمره بترك الطفلة، ينظر إليه جاك، يدفعه جانبًا ويمضي في طريقه.

لا أحد يعرف بالضبط عدد من ماتوا من أهالي القرية في ذلك اليوم، بعضهم يقول إنهم كانوا مائتين وخمسين شخصًا، آخرون قالوا إن العدد وصل إلى أكثر من ثلاثمائة وستين. الشيء المؤكد الوحيد هو أن قليلين فقط من تمكنوا من النجاة. كحال تلك العجوز التي اختبأت داخل منزلها خلف كومة من الحطب، وذلك الطفل الذي كان واقفًا إلى الجدار بجوار شقيقته ذات الأعوام الأربعة، وبعد أن رأى الرصاصة تخترق رأس شقيقته سقط على الأرض. باغتته رصاصة هو أيضًا وأصابته في جانبه الأيمن. فقرر أن يختبئ تحت جثث أفراد عائلته. ورآه بضعة أطفال آخرين ففعلوا مثله.

هل تذكرتم الآن هذه القصة؟ نعم إنها إحدى أبشع المجازر التي شهدها التاريخ الحديث، مذبحة «دير ياسين» في فلسطين المحتلة، التي وقعت في مثل هذا اليوم، التاسع من أبريل عام 1948. والمجموعة المسلحة كانت من عصابات الهاجانا الصهيونية، وقائدها في هذه المذبحة كان «مناحيم بيجن» الذي تمت مكافأته فيما بعد بمنصب رئيس الوزراء في إسرائيل، تلك المذبحة كانت هي الخطوة الأولى في تنفيذ الخطة «دالت» (أو الخطة الرابعة) التي كان تهدف من خلالها الصهيونية لاحتلال القرى العربية (التي باتت تعرف فيما بعد بأراضي 48) وطرد أهلها وتوطين اليهود فيها قبل انتهاء الانتداب البريطاني في 15 مايو (أيار) 1948 تمهيدًا لإعلان دولة إسرائيل.

أهل فلسطين لم يكونوا يقفون متفرجين أمام خطط احتلال أرضهم كما يحاول أن يصور البعض؛ فالمذبحة الشهيرة جاءت بعد يوم واحد من معركة القسطل المعروفة، التي استشهد فيها المناضل الشهيد «عبد القادر الحسيني» مفجر الثورة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني.

عبد القادر الحسيني الذي كان قد طلب قبل أيام من استشهاده دعم اللجنة العربية المشتركة في مواجهة الاحتلال، الذي سيطرت قواته على القسطل القريبة من القدس؛ فطالبته اللجنة بعدم التحرك. فصاح فيهم قائلًا: «إن لم تقاتلوا معنا فادعمونا بالسلاح، نحن أولى بالسلاح من المخازن. لا يهمني إن وافقتم على دعمي أو لم توافقوا؛ فأنا ذاهب إلى القسطل. وسأحررها ولو أدى ذلك إلى موتي». وجمع عبد القادر ستة وخمسين من الرجال وتوجهوا إلى القسطل واستشهد فيها. رفاقه الذين تمكنوا من تحرير القسطل ذكروا أنه كان يردد قبل تحركهم قول الله تعالى «فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)». وكان في الطريق يردد أيضًا قصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود الذي استشهد في العام نفسه. والتي يقول فيها:

سأحمل روحي على راحتي

وألقي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق

وإما ممات يغيظ العدا

الآن وبعد مرور اثنين وثمانين عامًا على المذبحة، ما تزال دير ياسين وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء، وما تزال إسرائيل تتنصل من الإجابة عن أي سؤال يخص ما وقع في ذلك اليوم.

«لا جدوى من إخفاء ما حدث في الماضي، الحقيقة ستخرج على أي حال وسيعرفها الجميع، ربما من الأفضل لنا الاعتراف بها وفهمها، وفعل شيء تجاهها» العبارة التي افتتحتُ بها كتابتي هي للمخرجة الإسرائيلية «نيتع شوشاني» التي حاولت توثيق ما حدث في دير ياسين في فيلمها الوثائقي «ولد في دير ياسين»، والتي منعتها السلطات الإسرائيلية بقرار من المحكمة العليا في تل أبيب من الوصول إلى أرشيف الملفات الخاصة بالمذبحة.

وسؤالنا الآن: هل كانت اثنان وثمانون عامًا كافية لنتعظ؟ أم أنها كانت كافية لننسى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عار, عام
عرض التعليقات
تحميل المزيد