لنرسم سوية خطوطًا بيانية وهندسية لهذه «المشكلة» التي تمثل جوهريًا نموذجًا حيًا لمشاكل كثيرة، تمر على أمة النائمين، مرور الذباب فوق أذن البقرة النائمة.

النظام الملكي الأردني تابع للغرب ومسلم لأمره ولأمر إسرائيل. أنظمة الخليج في كل من السعودية والإمارات والكويت تابعة للغرب ومسلمة أمرها له. أي أن مصدر وقوة الأردن وهذه الدول الخليجية هو مصدر واحد مشترك ألا وهو الغرب. الأردن دعم الانقلاب العسكري في مصر. دول الخليج المذكورة دعمت الانقلاب العسكري في مصر أيضًا، وبمبالغ باهظة تقدر بحوالي 130 مليار دولار. الأردن ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وكذلك دول الخليج. موقفهم جميعًا واحد ومشترك تجاه تركيا وسوريا (التظاهر بمعاداة نظام بشار الأسد)، وفعليًا على أرض الواقع يدعمون استمرار الحرب والفوضى إلى أمد بعيد، وهو الجامع المشترك بينهم وبين إسرائيل ودول الغرب. للعائلة المالكة في الأردن علاقات قرابة ومصاهرة مع عوائل الخليج الحاكمة. مثلًا «هيا» بنت الملك الأردني الراحل حسين بن طلال، هي زوجة حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم. محمد، ابن عم الملك الأردني متزوج من ابنة عم السلطان قابوس. الأمير عبد العزيز بن سعود من أنسباء الملك الأردني والملك البحريني. نجل ملك البحرين، صهر لزوج شقيقة الملك الأردني ألا وهو حاكم دبي. علاقات المصاهرة بين العوائل الحاكمة تتسع وتتشابك على مستويات مختلفة، منها ما هو معروف، ومنها ما هو مجهول.

إذن لماذا تصرخ الأردن فجأة، ويبكي مفتيها على المنبر يستغيث دول الخليج لكي تهرع مسعفة لإنقاذ الأردن من كارثة محققة؟! وكيف لا تدعم دول الخليج مملكة الأردن مع أنها جميعًا تابعة لاستراتيجيات الغرب، وبينها علاقات قرابة وشراكة في سياسات المنطقة؟

ولماذا يدور الحديث حول لجوء الأردن إلى ملالي طهران وقم، لسد العجز والإفلاس الضاربين خزينة الدولة؟! أين هي دول الغرب وأين هي دول الخليج؟ كيف استطاعت دول الخليج أن تدعم العسكر في مصر بمليارات الدولارات، ولكنها لا تقدر على دعم الأردن التي باتت عاجزة عن سد رواتبها للموظفين لأكثر من شهرين آخرين كما يقال؟!

الجواب، أن هذه الجعجعة ما هي إلا جزء من السيناريو العام المعد للمنطقة، لتنفيذ الخطة المرجوة بإحكام وهي السيطرة التامة للمعسكرين الغربي-الإسرائيلي من جانب، والإيراني (الشيعي) من جانب آخر. ويندرج تحت المعسكر الغربي-الإسرائيلي أنظمة الخليج «الوهابية» الموالية للغرب، والحاصلة على حمايته من المخاطر الداخلية والإقليمية. في ظل هذه الأوضاع والسيناريوهات والخطط، هناك تناغم وتعاون مسكوت عنه وتبادل أدوار بين أنظمة الخليج (ومعها النظام الأردني) مع النظام الإيراني الشيعي. ويجري هذا كله بموافقة ضمنية من الغرب وإسرائيل. فلا يضير هذه الأنظمة الخليجية والأردنية إذا ما استحكمت إيران قبضتها على مساحات واسعة من دول المنطقة، شريطة أن لا تتسبب في زحزحة استقرار هذه الأنظمة (وهذا مطلب غربي وإسرائيلي). وفي المقابل، لا تمتنع إيران من أن تلبي أي متطلب يؤمن سلامة هذه الأنظمة (كمغازلة مع إسرائيل والغرب)، شريطة إطلاق يدها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وأماكن أخرى. من هنا يقرأ كلا الجانبين استراتيجيات الآخر، فيتناغمان في التكتيكات. فحيث تتدخل إيران في شؤون سوريا والعراق ولبنان وتدعم ميليشياتها، تقوم دول الخليج ومعها الأردن بدعم جماعات مسلحة (تدعى إسلامية!) في هذه الدول، لتقوم بمهمات عسكرية لا تسمن ولا تغني من جوع، بالنسبة لأكثرية سكان المنطقة وهي ذات غالبية سنيـّـة. بل على العكس، هذه الجماعات المسلحة، وهي متفرقة ومتناحرة على أي حال، تطبق ما يحلو للنظام الإيراني وعملائه، وما يحلو للغرب وعملائه. ففي الظاهر، يُسمي الغرب ودول الخليج وإيران هذه الجماعات بالإرهابية، لكنهم جميعًا يوفرون الدعم لها ويمكنونها من أسباب ووسائل بقائها واستمراريتها. وكل الضربات الجبارة والوحشية من قبل هذه الجهات، لم تنل من هذه الجماعات الإرهابية عُشر ما نالت من الأكثرية السنيـّـة، حيث حولت ديارها إلى خراب لا تخطئه عين بشر.

لذلك فإن العوائل الحاكمة في هذه الدول العربية، وهي بعيدة كل البعد عن جوهر الدين وتعاليمه، لا يهمها إذا كانت الأيديولوجية الشيعية تنتشر في الدول العربية انتشار النيران في الهشيم. فما يهمها هو بقاء سلطتها في ممالكها ودولها ضمن حدودها وفق المنوال الذي مضت عليه منذ نشوئها وتأسيسها في حضن الغرب الدافئ! وهي تعرف حق المعرفة أن الضمان الحقيقي لبقائها واستمراريتها هو الغرب وإسرائيل، وعدم تحرك إيران نحوها تحركها نحو العراق واليمن وسوريا… إلخ. ومن هنا، فإذا كانت الأردن تنوي أن تذهب لتدق أبواب إيران، فإنما تذهب وفق هذه الخطة المدروسة، وهي إبقاء إيران قوية في المنطقة، وضمان الحفاظ على الأنظمة العربية الموالية للغرب، واستمرار تخويف الشعوب العربية بها (بإيران) وبالجماعات الإرهابية، لكي تبدو الأنظمة العربية العائلية جنة نعيم إذا قورنت بالدول التي حدثت فيها ثورات الربيع العربي. والأمر نفسه بالنسبة إلى إيران التي تقول لشعبها إن الجحيم الذي يضرب دول الجوار، استطاع نظام الملالي أن يحفظ إيران من شرارته. وهو أي النظام يقول علنًا للممالك والدول العربية الهزيلة، إن أردتم البقاء عليكم الرضوخ لشروطي ونيل الموافقة مني. وهو أي النظام الإيراني الذي فرض نفسه على الأرض، وبدعم روسي وصيني علني وغربي مسكوت عنه، يقول للغرب ما معناه أن وجود هذا النظام ضروري لتحقيق ما يريده الغرب في هذه المنطقة! إذن فإن هذا المثلث أي الغرب، ودول الخليج (ومعها الأردن ومصر)، وإيران (زعيمة الشيعة) يحافظون على مصالح بعضهم البعض على حساب شعوب المنطقة!

وهناك أمر آخر يكتسب أهمية كبيرة في هذا المجال، أي توجه الأردن والدول العربية الأخرى لفتح العلاقات مع إيران، وهو تهيئة الفرص أمام إيران لتندفع نحو تركيا بقيادة أردوغان التي أفشلت الانقلاب العسكري الذي هللت له دول الخليج والأردن ومصر، وفرّكت له الأيادي لهفة وشوقًا لنجاحه! فتركيا هو النموذج السُنـّـي الذي تنبذه دول الخليج والأردن والغرب وإسرائيل وإيران بالطبع.

فكما نرى اليوم، تجتاح أمواج جحيمية كل الدول التي قامت فيها ثورات الربيع العربي مثل مصر، ليبيا، اليمن، سوريا وأقل من ذلك في تونس. وهذا هو الواقع الذي يريد هذا المثلث تكراره في تركيا!

وكنتيجة لهذه الخطط والسيناريوهات، فإن القبضة الغربية الإسرائيلية هي العليا في المنطقة، تليها قبضة إيران الشيعية وميليشياتها. وبين القبضتين ومن جراء احتكاكهما وتشابكهما (مصافحة سرية كانت أو لكمات استعراضية)، تتولد سلامة أنظمة الحكم في دول الخليج وفي الأردن وغيرها. فإذا ذهبت الأردن إلى أبواب طهران أو إن لم تذهب، فالأمر سيان، أن الأردن ومعها دول الخليج رضيت ببقاء سيطرة إيران في العراق وسوريا ولبنان، مع بقاء دعم الفوضى في هذه البلاد. فكلما كثرت الفوضى في هذه البلدان التي تحصدها آلات جهنمية، كلما كان الاستقرار أفضل حالًا لأنظمة الحكم في الخليج وفي الأردن وفي إيران أيضًا (لاحظ أن إيران التي تخوض حربًا ضروسًا في العراق وفي وسوريا وفي اليمن، تشهد استقرارًا وأمنًا عجيبًا ضمن حدودها!). أما دول الخليج التي تدعم الجماعات المسلحة في سوريا واليمن وليبيا والعراق، فهي أيضًا تشهد استقرارًا وأمنًا واضحين على أراضيها. وما يهم الغرب وإسرائيل في كل ما يجري هنا هو ضمان أمن إسرائيل وهيمنتها، وتدفق النفط إلى الغرب بأزهد الأسعار، وكذلك تدفق الأسلحة الغربية المكدسة في المخازن إلى بلدان المشرق بأبهظ الأسعار.

وبكاء الأردن أمام دول الخليج أداء مسرحي لأمور بعضها معروف والآخر قيد الكتمان، ربما إلى حين!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد