لن يكون يوم 8 سبتمبر (أيلول) 2021 يوما عاديا في التاريخ السياسي للمغرب حيث سيبقى شاهدًا على تراجع مدوي لأول قوة سياسية حزبية والمتمثلة في حزب العدالة والتنمية. ذلك التراجع جاء عقب الانتخابات التشريعية والتصويت الذي اعتبر «عقابيًا» ضد الحزب الذي تولى تدبير الشأن العام لولايتين متتاليتين. الانتخابات عرفت فوزًا كاسحًا لحزب التجمع الوطني للأحرار المدعوم من السلطة 102 مقعد، بالإضافة إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي حل في الرتبة الثانية 87 مقعدًا، وتبعه حزب الاستقلال في الرتبة الثالثة 81 مقعدًا، فيما كان نصيب حزب العدالة والتنمية الرتبة الثامنة 13 مقعدًا في الوقت الذي حصل فيه الحزب على 125 في انتخابات 2016.

الكل كان يتوقع تراجع حزب العدالة والتنمية انتخابيًا بشكل لا يسمح له بتصدر الانتخابات ورئاسة الحكومة للمرة الثالثة على التوالي باعتبار أن أي حزب سياسي يفقد بريقه وجزءًا من قاعدته الشعبية بعد تولي السلطة وتدبير الشأن العام بفعل تراكم الأخطاء التدبيرية. لكن الهزيمة الانتخابية للحزب جرت وفق سيناريو لم يكن يتوقعه أحد. إنه سيناريو أقرب إلى الخيال. إن حصيلة التجربة الحكومية للحزب اعتبرت ضعيفة، بل كارثية حيث إن القرارات القاسية التي اتخذها بصدد تدبيره لقطاعات اجتماعية كانت تتعارض مع التزامات الحزب اتجاه ناخبيه تحرير أسعار المحروقات، عدم القدرة على تسقيفها، نظام التعاقد في التعليم، إصلاح نظام التقاعد، الاقتطاع عن الإضراب في غياب قانون تنظيمي.. علاوة على وضعية الهدنة مع الفساد التي طبعت السلوك السياسي للحزب في فترة تسييره للحكومة، وهو الذي اعتمد في خطابه السياسي على شعار محاربة الفساد والاستبداد. كما أن مواقف الحزب من مجموعة من القضايا حرية التعبير والرأي، التطبيع مع الكيان الصهيوني.. كان تطبعه الازدواجية، وشيء من التماهي مع خيارات السلطة.

لم يشفع لحزب العدالة والتنمية أنه كان أداة لامتصاص غضب الشارع، وفرملة أي حراك اجتماعي نوعي يهدد وضعية السلطة في وقت عصفت فيه ثورات شعبية بأنظمة في الجوار العربي والإقليمي. والأدهى من ذلك أنه سخر نفسه للدفاع عن قرارات لا شعبية بمستوى عال من الجرأة السياسية تنم عن أن الحزب كان منتشيًا بفوزه الكاسح في الانتخابات ورئاسته للحكومة، ومتوهمًا أن الملكية بذلك التعيين في رئاسة الحكومة قد منحت ثقتها للإسلاميين. إن حزب العدالة والتنمية ذا المرجعية الإسلامية كان يراهن بشكل كبير على كسب ثقة المؤسسة الملكية فيه كتنظيم سياسي يحاول اقتسام السلطة معها بعد تجربة مهمة في المعارضة أكسبته شعبية جارفة، لذلك كان الحزب مستعدًا للذهاب بعيدًا في الدفاع عن المؤسسة الملكية وعدم التنازع معها. فقيادة الحزب اختارت التطبيع مع خياراتها بل «التغاضي» عن مسار التحلل من الدستور المتعاقد عليه، والذي يعتبر وثيقة ملزمة لمختلف الفاعلين.

لا أعتقد ان حزب العدالة والتنمية هو الخاسر الوحيد بعد محطة 8 سبتمبر 2021، بل إن المخزن هو ثاني الخاسرين. كيف ذلك؟

قد يكون حزب العدالة والتنمية تعرض لـ«تصويت عقابي» نظير تنكره لالتزاماته، وللشعار الذي على أساسه حظي بثقة الناخبين محاربة الفساد والاستبداد، وسنه لسياسات اجتماعية لا تستجيب للانتظارات المتنامية لمختلف الفئات الشعبية. بالإضافة إلى ذلك تعود بعض أسباب هزيمة الحزب إلى أن المخزن نجح في استخدامه لامتصاص غضب الشارع المتنامي جزاء تأزم الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وضعف الثقة في الأحزاب السياسية، والنقابات، ومؤسسات الدولة، في المقابل لم يمانع الحزب من ذلك، بل إنه أتقن القيام بذلك الدور إلى غاية اللحظة التي اطمئن فيها المخزن أن رياح الربيع العربي قد مرت بسلام ليعود إلى نهج سياسة قص اجنحة الحزب «الحاكم» من خلال تسليط الإعلام الرسمي وغير الرسمي لشيطنة الحزب، وتوريطه، وتصيد أخطائه، وهو ما خلق نوعًا من المقاومة المضادة للحزب في أجهزة ومؤسسات الدولة الرسمية، وتوج ببلوكاج سياسي مهد لإحداث تغيير على مستوى رئاسة الحكومة، وشكل ضربة موجعة له.

كان من الواضح ان المخزن لا يريد العدالة والتنمية بأي ثمن ولو على حساب المجازفة باستقرار البلد. لذلك بدأ اشتغاله على ازاحته بكل الطرق خاصة من خلال دعم حزب السلطة حزب الاصالة والمعاصرة في انتخابات 2016 وقبلها. وهو الأمر الذي لم يفلح فيه آنذاك. لكن المخزن لا يتعب ولديه القدرة على المجازفة. واستمر في تدبير مرحلة ما بعد انتخابات 2016 لافتكاك الإسلاميين من مناطق السلطة والتحضير لتثبيت رجل المحروقات بأي لون سياسي كان على رأس الحكومة. ولبلوغ ذلك الهدف كان على المخزن أن يلعب جميع أوراقه إعلام رسمي، إعلام مرتزق، استعمال المال.. لقد تمكن المخزن في النهاية من قلب الطاولة على الإسلاميين، واستقدام رجل المحروقات من أجل إحراق ما تبقى من حصادهم، لكن في المقابل خسر في جوانب أخرى.

لقد خسر المخزن عقب انتخابات 8 سبتمبر 2021؛ لأنه استنفذ جميع أدواته وجولاته الجولة الأخيرة كانت مع حزب الإسلاميين لاستنزاف الأحزاب السياسية وإعادة تدويرها، سواء من خلال إشراكها في كعكة السلطة حيث ينهك أي حزب شارك السلطة التنفيذية، ولو من بابها الضيق أو من خلال صناعة أحزاب للسلطة تفسد أكثر مما تصلح. لم يعد المخزن يمتلك أدوات مبتكرة، ولن يتسنى له أن يراهن على نفس الأدوات المستخدمة سابقًا؛ لأنه ببساطة ساهم من خلال أدوات الهيمنة والاستنزاف تلك في قتل ما تبقى من معنى للعمل السياسي، وما بقي من جدوى للحزب السياسي. هذه المحصلة إذا أضفناها إلى معضلة أخرى تتجلى في ضعف الثقة في المؤسسات الرسمية بما فيها المؤسسة الحزبية فإننا سنكون أمام إرهاصات واقع يتجاوز فيه الشارع تلك المؤسسات (مؤسسات للوساطة) من أجل إسماع صوته والمطالبة بحقوقه، نموذج حراك الريف جرادة. مما سيجعل المخزن مضطرًا للتعامل بشكل مباشر مع المطالب والاحتجاجات الواردة من الشارع. هذا السيناريو محفوف بالمخاطر أخذًا بعين الاعتبار هيمنة الهاجس الأمني على تعامل المخزن مع الحراك الاجتماعي. وإذا كان المخزن بأدواته الناعمة القضاء والإعلام قد استطاع أن يسكت بعض الأقلام الصحافية المزعجة فإنه قد لا يستطيع أن يتعامل بنفس تلك الأدوات مع الشارع المنزعج، والمطالب بإصلاحات اقتصادية، واجتماعية، بل سياسية كذلك.

لقد خسر المخزن لأنه بأساليبه تلك ساهم في خلق وعي عام ليس في صالحه، حيث بدأ المواطن يقتنع بأن التغيير لا ينطلق من صناديق الاقتراع وأن لا قيمة للصوت الذي أدلى به في الانتخابات. فالحزب الذي يصل إلى السلطة لا يحكم، بل يكتفي بتصريف الاعمال وخدمة مصالحه. هذا ببساطة لأن المواطن جرب كل السيناريوهات الممكنة وانطلت عليه كل الوعود الكاذبة. فماذا بقي له بعد ذلك؟ بقي له أن يحك جلده بظفره.

لقد خسر المخزن كذلك لأن آخر الأوراق سقطت فكشف عورته وتبين للجميع أنه لا يمكن الوثوق به وأن ليس للمخزن أصدقاء، بل مصالح. فلنتذكر ما فعله بعبد الرحمن اليوسفي بعد تجربة التناوب وانظروا إلى نهاية عبد الاله بنكيران المذلة رغم ما قدمه وحزبه من خدمات جلية، ورغم تطميناته المتكررة للمخزن أنه لا ينازع السلطة أهلها، وأنه جاء ليعمل تحت مظلة المخزن. وانظروا إلى حكومة سعد الدين العثماني كيف استطاع المخزن أن يحولها إلى نسخة مشوهة تتنازع مكوناتها عوضًا عن أن تستحضر قاعدة التضامن الحكومي. فهل ستنطلي حيل المخزن على أحد بعد هذه المرحلة؟ لا أعتقد ذلك.

ختامًا أقول إن صعود حزب العدالة والتنمية ووصوله لقيادة حكومتين متتاليتين قد طبع مرحلة مهمة في تاريخ المغرب السياسي تلك المرحلة التي تميزت بثورات الربيع العربي، والتي كان لها تأثير مباشر على المغرب حيث عرف هو الآخر موجة احتجاجات قادتها حركة 20 فبراير (شباط)، حيث بادرت الملكية إلى الدعوة لاصلاحات سياسية اعتبرت إيجابية. من جهة أخرى شكلت هزيمة العدالة والتنمية بالشكل الذي حدث إلى جانب الكثير من الحيثيات التي سبقتها محاولة للتراجع عن مضامين تلك الإصلاحات ومقاومة لكل أشكال التغيير ورغبة في التحلل من كل التزام بهذا الشأن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد